لماذا اهتم التراث الشيعي بالإمام الحسين (ع) أكثر من أي إمام آخر؟
الاهتمام النبوي والإمامي بشخصية الإمام الحسين عليه السلام
عند المراجعة لسيرة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، يجد الإنسان عند التأمل أنهم منظومة واحدة، اتفقت أهدافها وإن اختلفت أساليبها وصورها بحسب اختلاف الظروف. فجميع أهل البيت مشروع تغييري وثورة إصلاحية، إلا أن هذه الثورة الإصلاحية اختلفت صورها باختلاف الظروف:
- الإمام زين العابدين عليه السلام جسّد الثورة الروحية من خلال أدعيته ومناجاته وصلواته.
- الإمام الصادق عليه السلام جسّد الثورة العلمية والمعرفية من خلال تربيته لآلاف العلماء في مختلف الحقول المعرفية.
- الإمام الحسين عليه السلام جسّد الثورة الميدانية والحركية.
فكل طريق من طرق أهل البيت هو في حد ذاته ثورة إصلاحية، تعددت الألوان واختلفت الصور نتيجة اختلاف الظروف التي حفت بوجوداتهم النورانية المباركة.
إلا أننا نلاحظ اهتماماً في روايات أهل البيت بالإمام الحسين عليه السلام أكثر من أي إمام آخر، مع أن أخاه الإمام الحسن كان إماماً، وبنظر كثير من علمائنا الإمام الحسن أفضل من أخيه الحسين. إلا أن الاهتمام في الروايات والأحاديث بشأن الإمام الحسين عليه السلام لم يحظَ به إمام آخر. فما هو سر هذا الاهتمام؟
هنا مظهران للاهتمام بشخصية الإمام الحسين عليه السلام.
المظهر الأول: الأحاديث النبوية
وردت أحاديث نبوية في شخصية الإمام الحسين عليه السلام مقارنة بأخيه الإمام الحسن أو أبنائه المعصومين الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، منها:
حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسين، وأبغض الله من أبغض حسين، حسين سبط من الأسباط.
وورد عنه صلى الله عليه وآله:
إن الله جعل الشفاء في تربته، والإجابة تحت قبته، والأئمة في ذريته.
وهنا يقف العلماء في تحليل هذه الأحاديث الشريفة، خصوصاً حديث "حسين مني وأنا من حسين"، حيث توجد وجوه ثلاثة في تحليل معناه: هل يشير الحديث إلى العلاقة النورية بين النبي والحسين عليهما السلام، أم إلى العلاقة الوجودية بينهما، أم إلى العلاقة الهدفية بينهما؟
العلاقة الأولى: العلاقة النورية
نقرأ في بعض الروايات الشريفة أن الله خلق أهل البيت أنواراً قبل أن يخلق هذا الكون. ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:
أول ما خلق الله نوري ونور علي قبل أن يخلق الكون بألف عام.
ونحن نقرأ في زيارة الجامعة:
خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين، حتى منّ علينا بكم فجعلكم في بيوت أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه.
وهنا بعض الروايات التي وردت في تفسير قوله تعالى:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا.
نلاحظ أن الآية المباركة عبّرت بضمير العقلاء وباسم الإشارة المشير للعقلاء: "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم"، ولم يقل "ثم عرضها". فـ"هم" ضمير يعبَّر به عن العقلاء، ولا يقال للكراسي "هم" ولا للأبنية "هم" ولا للألفاظ "هم". فلماذا قال القرآن "ثم عرضهم على الملائكة"، ثم استخدم اسم الإشارة للعقلاء "أنبؤوني بأسماء هؤلاء"؟
إذن هناك وجودات لها أسماء طلب الله من الملائكة أن يخبروه بأسمائها. وهنا يحار المفسرون: إذا كان الذي علّمه الله آدم هو مجرد اللغة، فلماذا قال "أسماء هؤلاء"؟ لماذا عبّر عن ألفاظ لغوية بضمير العقلاء واسم الإشارة المشار به إلى العقلاء؟
لكن هناك روايات عن الأئمة عليهم السلام أن المشار إليه في الآية المباركة، والتي تشير إلى أن آدم تعلّم أسماءهم واستقرّ في وجوداتهم، هم أنوار أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حيث كشف الله لآدم ملكوته، كما كشفه لإبراهيم الخليل عليه السلام، فقال:
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
كُشف لآدم عالم الملكوت فرأى الأنوار المحيطة بالعرش، فتساءل فأُخبر بأسمائهم، وما تعني أنوارهم، وتلك أنوار أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين. ونحن نقرأ في زيارة الإمام الحسين عليه السلام:
أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجّسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها.
هذه العلاقة النورية بين الرسول والإمام الحسين، كانوا وجوداً نورياً واحداً، هذا الوجود النوري كان يمثل النبي ويمثل الحسين ويمثل أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين. فلأجل وجود العلاقة النورية بين النبي والحسين عليهما السلام، أراد الرسول أن يقول: أنا والحسين نور واحد، فهو مني وأنا منه، لأننا نرجع إلى نبع واحد ونور واحد خلقه الله وبرأه محيطاً بالعرش قبل أن يخلق الوجود بأكمله.
العلاقة الثانية: العلاقة الوجودية
من الواضح أن الحسين ابن بنت رسول الله، فوجوده امتداد لوجود رسول الله صلى الله عليه وآله. لكن نسل رسول الله، وأي نسل؟ ليس أي نسل، بل نسل رسول الله الذي حمل ثقل الإمامة، الذي حمل أعباء الرسالة، الذي حمل مظهر الخلافة على الأرض. نسل الرسول الذي حمل أعباء الإمامة والخلافة والأمانة جاء من الحسين عليه السلام وليس من إمام آخر.
فالإمام الحسين جاء من الرسول، وامتداد وجود الرسول صلى الله عليه وآله من خلال الأئمة الهداة جاء من الحسين عليه السلام. إذن الحسين من الرسول لأنه ابن بنته وبضعته، والرسول من الحسين أيضاً لأن الأئمة الذين حملوا اسم النبي وحملوا رسالته وجسّدوا الإمامة والخلافة للنبي المصطفى صلى الله عليه وآله هم أبناء الحسين ونسله صلوات الله وسلامه عليه.
وقول النبي صلى الله عليه وآله:
إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي.
أشار بذلك إلى ولد الحسين والأئمة الطاهرين من نسله صلوات الله وسلامه عليه وآله.
العلاقة الثالثة: العلاقة الهدفية
النبي والحسين كل منهما يرمز إلى عملية ثورية تغييرية جذرية، فهما يشتركان في هدف واحد ويشتركان في خط واحد. النبي صلى الله عليه وآله جاء بثورة تغييرية جذرية للبشرية آنذاك، تحدث عنها القرآن الكريم بقوله:
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
هذه الحركة التي خاضها النبي لمدة ثلاث وعشرين سنة كانت تريد أن تؤكد أن الهدف من وجود النبوة على الأرض هو إقامة العدالة وتحقيق القسط وعملية الإصلاح، فكانت حركة النبي رمزاً لهذه الحركة الإصلاحية.
ونفس هذه الصورة تجلّت في الحسين عليه السلام. الإمام الحسين، بعد سبات مرت بها الأمة الإسلامية، بعد ذلك الظلام الذي خيّم عليها، جاء الحسين وكأنها بعثة جديدة، وكأنها عملية تغييرية تأسيسية. أعاد الحسين البريق للرسالة المحمدية، أعاد بدمه الطاهر الزكي الخلود واللمعان للرسالة المحمدية، فكان رمزاً آخر لتلك الثورة الإصلاحية التغييرية.
لذلك ثورة الحسين جاءت من قبل الرسول؛ فلولا الرسول وتربيته لما كان الحسين ثورة إصلاحية، وثورة الرسول صلى الله عليه وآله لولا جهاد الحسين ومشروعه لما تجددت وتوهجت في الأمة الإسلامية إلى يومنا هذا. فالحسين من الرسول والرسول من الحسين صلوات الله عليهما وآلهما.
المظهر الثاني: زيارة الحسين والبكاء عليه وإحياء مجالسه
نلاحظ أن الروايات الشريفة اهتمت بالإمام الحسين عليه السلام من خلال ثلاثة عناوين: زيارة الحسين، البكاء على الحسين، إقامة المجالس إحياءً لذكره عليه السلام. لماذا؟ أليس أبوه الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام أفضل منه وقد قُتل شهيداً مظلوماً؟ أليس أخوه الإمام الحسن المجتبى قُتل شهيداً مسموماً؟ فلماذا هذه الروايات الكثيرة، التي هي أكثر من ألف رواية لو جُمعت، جاءت وحُشدت في شخصية الحسين عليه السلام؟
هنا اتجاهات ثلاثة في تحليل هذا الاهتمام: الاتجاه التعبدي، والاتجاه الإعلامي، والاتجاه التحليلي.
الاتجاه التعبدي
يقول هذا الاتجاه: هذه أمور عبادية، والله هو الأعرف والأعلم بملاكاتها ومصالحها. الله تبارك وتعالى جعل زيارة الحسين عبادة، وجعل البكاء عليه عبادة، وجعل إحياء مجالسه عبادة، فهي أمور تعبدية أُريد منها أن تصدر من الإنسان وهي مقرِّبة له نحو الله تبارك وتعالى.
مثلاً، نلاحظ أن النافلة قبل صلاة الفجر عبادة، لكن النافلة بعد طلوع الشمس ليست عبادة، لم يرد فيها دليل على مشروعيتها. هذا أمر تعبدي؛ الله جعل التنفل في هذا الوقت عبادة، وفي ذاك الوقت لا مشروعية له.
ومثال آخر: الغسل، فغسل الجمعة أو غسل يوم عاشوراء عبادة، لكن تنظيف الجسد وتطهير البدن والثياب من النجاسات ليس عبادة، بل أمر توصلي؛ إن أتيت به بقصد القربة كان عبادة، وإلا فهو صحيح ولا يُشترط فيه قصد القربة. بينما غسل الجمعة لا يصح إلا بقصد القربة، أي أنه عبادة لا تصح إلا على هذا النحو.
فهذه أمور تعبدية ملاكاتها عند الله غير معلومة ولا معروفة لنا، لذلك زيارة الحسين يوم عاشوراء، وفي العيدين، ومنتصف شعبان، ومنتصف رجب، وفي غيرها من الأوقات، عبادة لا نعلم سرّها؛ الله أبهم علينا الأمر، وأراد منا أن نأتي به تسليماً لأمره من دون أن نفهم الملاك أو السر في ذلك.
الاتجاه الإعلامي
يرى هذا الاتجاه أن الأئمة صلوات الله عليهم الذين جاءوا بعد الحسين عليه السلام، من الباقر فالصادق فالكاظم فالرضا، أرادوا من خلال هذه الروايات أن يصنعوا إعلاماً لمبادئ أهل البيت ومذهبهم.
فالإسلام له شعائر إعلامية: صلاة الجماعة شعيرة إعلامية للإسلام، والحج شعيرة إعلامية للإسلام. لكن ما هي الشعيرة الإعلامية لمذهب أهل البيت؟ ما هي الشعيرة الإعلامية لمبادئهم؟
هذه الروايات الواردة عن الباقر والصادق عليهما السلام تحث شديداً على زيارة الحسين والبكاء عليه وإحياء مجالسه، وكل هذه الألوان هدفها صنع شعيرة إعلامية لمذهب أهل البيت، تبقيه متوهجاً متجدداً في نفوس الأمة الإسلامية ببركة هذه الشعائر التي نص عليها أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين. قال تعالى:
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سأل: "أتجلسون وتتحدثون؟"، فقيل له: "بلى سيدي"، فقال:
إني أحب تلك المجالس، فأحيوا فيها أمرنا، فمن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
الاتجاه التحليلي
هذا الاتجاه يرى أن الاهتمام بالحسين سببه أن الحسين سجّل خطاً حاسماً بين لونين في الشريعة الإسلامية، لا مجال للخلط بينهما. فهناك فرق واضح جداً بين الخط الأموي والخط العلوي، وبإمكان الباحث أن يكتشف ذلك من قراءة التراث الإسلامي، أي الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله في كتب الفريقين، الشيعة والسنة. فمن يقرأ هذا التراث قراءة إنصاف وتأمل يجد فيه خطين: خط أموي وخط علوي.
النهج الأموي يركز على الشكل والمظهر؛ المهم هو مظهر الإسلام بغض النظر عن الجوهر. ولذلك نجد في كتب المذاهب الأخرى تمجيداً للفتوحات الإسلامية بشكل منقطع النظير، بينما لا نجد هذا التمجيد في تراث أهل البيت عليهم السلام. فعندما تطرح سؤالاً على أي مسلم: ما هو المجد الذي صنعته بنو أمية للإسلام؟ يقول لك مباشرة: الفتوحات. لأن هذا الخط عُني بهذه النقطة، بالمظهر، على حساب الجوهر والمبدأ.
بينما في تراث الإمام علي والإمام الحسين وأهل البيت، تجد التأكيد على ثلاثة أمور: العدالة، الكرامة، وحركة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الأهداف التي ركز عليها القرآن الكريم:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
فروايات الإمام علي عليه السلام مليئة بالتأكيد على هذه المعالم والعناوين.
شاهد قرآني على الخطين
هذا الفرق بين الخطين ليس متأخراً، بل هو من البداية. اقرأ قوله تعالى:
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ.
فهذان خطان، هذان لونان لا يستويان عند الله. فالعباس بن عبد المطلب كان يسقي الحجيج ويطعمهم، وانتقلت هذه المهمة إلى أبي طالب عليه السلام، ثم إلى العباس بن عبد المطلب، وكان هذا شأناً من شؤون بني هاشم معروفاً في المجتمع قبل الإسلام؛ فبنو هاشم مصدر الكرم وسقي الحجاج وإطعامهم.
وقال عتبة بن شيبة: "من مثلي وبيدي مفاتيح الكعبة؟ أنا الذي أفتحها وأصونها وأصلحها وأرمم بنيانها". فقال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام:
لا أدري ماذا تقولان، ولكن أقول: أنا أول من آمن بالله وجاهد بين يدي رسول الله.
أنتم ركزتم على المظهر، وأنا أركز على الجوهر. أنتم ركزتم على لون، وأنا أركز على لون آخر. فنزل قوله تعالى: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله".
إذن هناك لونان، هناك صورتان، وجاءت ثورة الحسين عليه السلام لتضع خطاً فاصلاً بين اللونين، وأن الخط الثاني، الذي نعبر عنه بالنهج العلوي، هو النهج الحق الذي بذر بذرته النبي محمد صلى الله عليه وآله، ونمّت شجرته يد الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأرّت ثمرته دم الحسين عليه السلام، حيث قال عليه السلام:
ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب.
وقال لأمير المدينة عندما طُلب منه أن يبايع يزيد بن معاوية: "يا أمير، هذه دولة وهذه دولة، نحن جماعة وهؤلاء جماعة أخرى، نحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومثلي لا يبايع مثله". يعني لا يجتمع الخطان، لا يجتمع اللونان، نحن نهج وهذا نهج. وكانت هذه صرخة صريحة واضحة للفصل بين الخطين والفرز بين النهجين، أطلقها الإمام الحسين عليه السلام منذ خروجه من المدينة إلى أن استُشهد على أرض كربلاء يوم عاشوراء.
مأساة يوم عاشوراء
يوم عاشوراء أُبيد فيه نسل رسول الله، كباراً وصغاراً، شباباً وأطفالاً، في مجزرة أُبيد فيها نسل رسول الله صلى الله عليه وآله. ولولا مشيئة الله لقُتل الإمام زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه، لكن الله أراد حفظه حفظاً للإمامة.
هذه المجزرة الدموية التي حصلت يوم عاشوراء، وتجسدت في تلك الجريمة الكبرى، قتل الحسين عليه السلام، نعاها الإمام الرضا عليه السلام بقوله:
إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسال دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلى.
ونذكر في هذا المقام ما تناقلته الأخبار من رثاء الشعراء لمصاب الحسين عليه السلام أمام الإمام الصادق عليه السلام، وما وصفه الرواة من حال أهل بيته حوله عند مقتله، من نساء يحفّن به يبكين ويلوذن بجسده الطاهر، وما جرى من سلبه ثيابه وقطع أطرافه، وما كان من موقف السيدة زينب عليها السلام وهي تبعد الأطفال عن جسده الشريف حتى يتم تجهيزه، ثم توجهها بخطابها إلى جدها رسول الله صلى الله عليه وآله تنعى له مصرع أخيها الحسين عليه السلام، معلنة عظم ما أصاب أهل البيت في تلك المجزرة الدامية التي لا يعادلها مصاب في التاريخ.
السلام على الحسين وعلى أرواح التي حلّت بفنائه، آلاف التسليم عليه يوماً وردت المدينة أو خيّمت بكربلاء.
