السيرة العقلائية في فقه المسائل المستحدثة
السيرة العقلائية في فقه المسائل المستحدثة
مدخل
من أهم الأدلة على شرعية الأمور المستحدثة هو السيرة العقلائية، ولذلك كان لا بد من الحديث عنها من خلال أمرين: الأمر الأول في أقسام السيرة العقلائية، والأمر الثاني في تطبيقاتها الفقهية.
الأمر الأول: أقسام السيرة العقلائية
تنقسم السيرة العقلائية إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: السيرة الواقعة في طريق إثبات الحكم الشرعي
وهي أن تكون السيرة بنفسها دليلاً على الحكم الشرعي، كقيام السيرة على أمارية اليد على الملكية، فإنها دليل على نفس الحكم الشرعي وهو الأمارية، أو قيام السيرة على أن من حاز شيئاً من الأموال المنقولة المباحة فقد ملكه، فإن الملكية أو سببية الحيازة للملكية من الأحكام الشرعية التي قامت عليها السيرة.
مثال معاصر - مبدأ سلطان الإرادة:
من أهم الأمثلة على ذلك ما يعبَّر عنه في القانون الوضعي بـمبدأ سلطان الإرادة، وهو مبدأ لا يوجد له اسم مماثل في الفقه، ومعناه أن إرادة الفرد هي مصدر كل الحقوق القانونية والاقتصادية، فإرادة الإنسان مُشرِّعة لإثبات حقوقه، سواء كانت حقوقاً قانونية أو اقتصادية أو سياسية.
والسؤال المطروح: إذا وضع المشرّع الأقدس حدوداً لسلطان الإرادة في أبواب معينة كالقضاء والحدود والديات والمعاملات، فهل يعني ذلك إقراره لهذا المبدأ فيما سوى تلك الحدود؟ مثال ذلك: إرادة الشعب في انتخاب السلطة التشريعية كالبرلمان، أو انتخاب دستور لا يصطدم مع ثوابت الدين. فهل يكون هذا الانتخاب شرعياً من باب قيام سيرة العقلاء على مبدأ سلطان الإرادة، بحجة أن المشرّع ضيّق دائرة هذا السلطان في موارد محددة وأقرّه فيما سواها؟
أم نقول: بما أن الشارع وضع حدوداً لسلطان الإرادة في بعض الموارد وسكت عن الموارد الأخرى، فلعل سكوته ناشئ من عدم الابتلاء بأمثالها في زمانه، فلا يكشف سكوته عن إمضائها وشرعنتها؟
والخلاصة أن السيرة القائمة على الاستدلال على حكم شرعي يحتاج إثباتها إلى إحراز الإمضاء، ولا يكفي مجرد قيامها في زماننا على نحو نقطع بعقلائيتها، أي حتى لو قطعنا بأن السيرة القائمة في زماننا صادرة عن العقلاء بما هم عقلاء محضاً، فهذا لا يكفي في شرعيتها ما لم يُحرَز إمضاؤها.
القسم الثاني: السيرة القائمة على موضوع الحكم الشرعي
وهي السيرة التي يُفرَغ فيها عن ثبوت الحكم الشرعي، وإنما البحث في تحديد موضوعه. فهذه السيرة متى تحققت ترتب عليها الحكم الشرعي بلا حاجة إلى إحراز الإمضاء، لأنها سواء كانت معاصرة لزمن المعصوم عليه السلام أو لم تكن، ليست دليلاً على استنباط حكم شرعي، وإنما هي دخيلة في تحديد موضوع الحكم.
وتنقسم هذه السيرة إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يكون بنفسه موضوعاً لحكم شرعي
كالسيرة العقلائية القائمة على الإشهاد في العقود، كعقد النكاح وعقد البيع وعقد القرض. فهل تعد السيرة القائمة على الإشهاد موضوعاً لحكم شرعي؟
وقد استُدل على ذلك بقول أمير المؤمنين علي عليه السلام لمالك الأشتر رضي الله عنه في عهده المشهور:
ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن.
والملاحظ أن هذه الرواية لا تفيد هذا المدعى، إذ غاية ما تدل عليه أنه إذا قامت سنة عمل بها صدور هذه الأمة - أي أعلام الأمة المعروفون بالصلاح - وكانت هذه السيرة منشأة أيضاً للصلاح، دخلت تحت ضمن أمر الإمام عليه السلام، وليس أي سيرة عقلائية بحيث يصدق عليها أنها سنة.
مثال على ذلك: السيرة القائمة بين المتشرعة في زماننا على المشي لزيارة سيد الشهداء الحسين عليه السلام، فهذا المشي - إن لم يقم عليه دليل خاص - يمكن أن يقال إنه سنة لأن صلحاء هذه الأمة عملوا بها وكانت منشأة للصلاح، فتندرج تحت الحديث الشريف، لا لكونها مجرد سيرة عقلائية.
النوع الثاني: ما له دخل في تنقيح الموضوع وتحقيقه ثبوتاً
وهذا النوع على نحوين:
النحو الأول: ما يتدخل في تحقيق الموضوع بتمامه
بأن تكون السيرة العقلائية محققة لفرد حقيقي من أفراد موضوع الحكم الشرعي، وهذا:
- إما فرد في طول الاعتبار، كمالية النقد؛ فمتى أصدرت الجهة المعتبرة كالدولة نقداً، قامت سيرة العقلاء على اعتبار ماليته ما دامت الجهة المعتبِرة له معتبرة، وهذه المالية محترمة شرعاً لقيام سيرة العقلاء عليها.
- وإما فرد حقيقي ابتداءً، كآلة القمار بناءً على تفسيرها بما تعورف التقامر به، ولباس الكفار المتحقق بجريان سيرتهم على لبسه. لكن هذين المثالين لا يحتاجان في الحقيقة إلى سيرة عقلائية عامة، بل يكفي في حرمة أداة القمار تعارف التقامر بها في بلد اللعب، وإن لم تكن كذلك في بلد آخر، ويكفي في صدق عنوان لباس الكفار أو الشهرة أن يكون متعارفاً في بلد اللبس.
ومن هذا القبيل: السيرة التي تنقّح ظهور الدليل، بحيث تعد بمثابة القرينة اللبية المتصلة بالكلام، المحققة لظهوره وتحديد المراد منه توسعة أو تضييقاً. ومن أمثلة ذلك:
-
مسألة خيار التأخير: جاء في الرواية أن "لو جاء المشتري بالثمن خلال ثلاثة أيام وإلا فلا بيع بينهما"، فلو أخذنا بحرفية الرواية لقلنا بانفساخ البيع بمجرد عدم إتيان الثمن، لكن احتفاف الرواية بالسيرة العقلائية القائمة على أن عدم أداء الثمن موجب لتزلزل البيع لا لانفساخه، يقتضي أن يكون ظهور الرواية في أن المنفي هو اللزوم لا أصل البيع.
-
مسألة عنوان "الولد": ورد في الروايات "يقضي الولد ما فات أباه"، وقد اختلف الفقهاء في شمولها لولد الزنا أو اختصاصها بالولد الشرعي. ومقتضى العرف العقلائي العام أن الولد هو من تولد من صلب شخص، وإن لم يكن عن عقد شرعي، فيشمله الدليل.
-
مسألة الركوع والسجود في قاعدة "لا تعاد": صحيحة زرارة تقول:
لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الركوع والسجود والقبلة والوقت والطهور.
فهل المراد من الركوع والسجود هو المفهوم العرفي أم المفهوم الشرعي؟ فلو أخل المكلف بالركوع الشرعي دون العرفي - كأن ركع عرفاً لكنه لم يصل إلى الحد المعتبر شرعاً - فإن قلنا بأن الظاهر من المستثنى هو المفهوم العرفي، كانت صلاته صحيحة لأنه لم يخل بالمستثنى، وإن قلنا بظهوره في المفهوم الشرعي، فصلاته باطلة وإن كان إخلاله عن عذر.
تطبيق معاصر: إجارة الأعمال
من الأمثلة المرتبطة بالمعاملات المستحدثة في باب الإجارة: ذكر علماء القانون الوضعي أن مرجع الإجارة إلى الحق الشخصي لا الحق العيني. والفرق بينهما أن الحق الشخصي هو الالتزام والتعهد فقط، بينما الحق العيني هو الملك.
فلا ريب في إجارة الأعيان أنها من باب الملك، كما في إجارة السيارة، لكن في إجارة الأعمال - كاستئجار شخص لكنس المسجد - المعروف فقهياً أنها أيضاً من باب الملك، بحيث يملك المستأجر على ذمة الأجير العمل، ويملك الأجير على ذمة المستأجر الأجرة، وهذا ملك حقيقي كسائر الأملاك، بينما في القانون الوضعي في جميع الدول، إجارة الأعمال ليست إلا تعهداً وحقاً شخصياً، فما لم يوفِّ الأجير العمل، لا تستحق له الأجرة.
والمهم في هذا المقام أنه لا يوجد دليل شرعي على هذا المرتكز الفقهي حتى عند القدماء، والمفروض أن السيرة العقلائية في زماننا قائمة على أن إجارة الأعمال من باب الحق الشخصي. فهل يمكن شرعنة ذلك؟ أم يقال بأن قيام المرتكز الفقهي على أن إجارة الأعمال من باب الحق العيني، إن لم يكن كاشفاً عن الردع، فلا أقل من كونه مانعاً من إحراز الإمضاء، فلا نحرز إمضاء هذه السيرة، وإن كانت عقلائية لا كلام عند العقلاء فيها؟
النحو الثاني: ما له دخل في تنقيح جزء الموضوع لا تمامه
مثال ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام:
سألته عن رجل تزوج جارية فوقع بها فأفضاها، قال: عليه الإجراء عليها ما دامت حية.
فالرواية لم تحدد نوع النفقة ولا مقدارها، وسكوتها عن ذلك مع كون المسألة ابتلائية يحقق إطلاقاً مقامياً، مقتضاه الاتكاء على العرف العقلائي الذي يختلف باختلاف البلاد والأزمنة والمجتمعات. فالمرجع في تحديد نفقة الزوج على زوجته في كل زمان هو العرف العقلائي في ذلك الزمان، لا ما ذكره بعض الفقهاء من تحديدات ثابتة كلباس يستر العورة وغرفة للنوم.
النوع الثالث: ما له دخل في تنقيح الموضوع إثباتاً لا ثبوتاً
بمعنى أن السيرة كاشفة عن تحقق فرد من مصاديق موضوع الدليل في بعض الموارد. مثال ذلك: نستكشف من سيرة العقلاء على خيار الغبن في باب البيع وغيره من المعاوضات، أن العقلاء يشترطون المساواة في المالية بين العوض والمعوَّض (بمعنى عدم وجود فاصل فاحش، لا المساواة الدقيقة). فقيام سيرة العقلاء على ثبوت خيار الغبن يكشف عن وجود شرط ارتكازي، وهذا الشرط الارتكازي يكون فرداً من موضوع دليل:
المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً.
فإذا تخلف هذا الشرط، ثبت الخيار من باب خيار تخلف الشرط.
الأمر الثاني: تطبيقات فقهية للسيرة العقلائية
تمسك الفقهاء بالسيرة العقلائية في عدة موارد فقهية، منها:
أصالة السلامة
ذكر صاحب العروة قدس سره في فرع من فروع باب الزكاة: لو شك شخص في تحقق شرائط وجوب الزكاة (كالبلوغ والعقل) في زمان تعلق الوجوب - وهو دخول الشهر الثاني عشر على النصاب - ولم تكن الحالة السابقة معلومة بحيث يمكن استصحابها، فما هو الحكم؟
ذهب صاحب العروة إلى الحكم بعدم وجوب الزكاة لأصالة البراءة، بينما ذهب السيد الخوئي قدس سره إلى أنه إذا كانت الحالة السابقة معلومة نستصحبها، وإذا كانت غير معلومة تجري أصالة السلامة، وهي أصل عقلائي قامت عليه السيرة العقلائية، مقتضاه أن الأصل في الإنسان هو السلامة.
أصالة القدرة
كما تمسك الفقهاء بالسيرة العقلائية في أصالة القدرة، إذ قالوا: الأصل في الإنسان أن يكون قادراً، كالأصل في كونه سليماً. فمثلاً إذا وُجد ميت أمامنا ولا نعلم هل نحن قادرون على حفر الأرض ودفنه أم لا، فالأصل هو القدرة، ولا يمكن الاعتذار بعدم إحراز القدرة، بل يجب على المكلف أن يتصدى ما دام الأصل العقلائي هو القدرة.
وهذه الأصول العقلائية (أصالة القدرة وأصالة السلامة) معتبرة لأنها سيرة لم يُحرز الردع عنها، أو - بعبارة أخرى - أُحرز إمضاؤها؛ مع وجود خلاف بين الفقهاء في أن حجية السيرة منوطة بعدم وصول الردع أو بإحراز الإمضاء.
اشتراط المالية في العوضين
من الموارد التي تمسك فيها الفقهاء بالسيرة: هل يشترط في صحة البيع أن يكون المبيع مالاً؟ وهذا السؤال يتصل مباشرة بمسألة معاصرة هي العملة الرقمية، حيث ذهب بعضهم إلى عدم صحة بيعها لكونها ليست بمال أصلاً.
ذكر السيد الخوئي قدس سره في بحوثه في كتاب المكاسب أن المالية غير معتبرة عند العقلاء، فالعقلاء لا يشترطون المالية النوعية في المبيع أو العوض، بل يكفي عندهم الغرض الشخصي. فمثلاً لو وجد شخص حجراً كان على قبر جد من أجداده البعيدين، وأراد أن يحتفظ به، فاشتراه بأغلى الأثمان، فالعقلاء لا يرون فعله سفهاً ولا محظوراً، لأنه يكفي عندهم في صحة المعاوضة الغرض الشخصي.
ومثال آخر لطيف: لو أعلن مزارع أنه يشتري كل فأر يضر بزرعه، بغرض جمعها وإعدامها لا لأي غرض آخر، فإن تمليكها وتملكها يعتبر بيعاً عقلائياً، وإن لم تكن الفئران مالاً بالمعنى النوعي.
ويأتي الكلام في البقية إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.
