شهر رمضان المبارك١٣ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

الربا الاستهلاكي والربا الاستثماري في الرافعة المالية

محاولات التخلص من محذور الربا في المعاملات المصرفية: مناقشة تخريج الربا الاستهلاكي والربا الاستثماري

تمهيد

من أبرز المحاذير الشرعية في معاملات الرافعة المالية محذور الربا، وبما أن هذا المحذور وارد في عدد من المعاملات البنكية، فقد ذُكرت تخريجات عدة للتخلص منه، من أبرزها:

  • الفرق بين الربا الاستهلاكي والربا الاستثماري.
  • الفرق بين كون البنك واسطة في الإقراض وكونه هو المقرض بذاته.
  • كون الفائدة شرطًا في القرض أم أن الإقراض معلَّق على القبول بشرط الفائدة.
  • كون الفائدة المشروطة في القرض معادلة لتضخم العملة أو زائدة عليه.

وسنعرض في هذا المقال للمحاولة الأولى من هذه المحاولات، وهي التفريق بين الربا الاستهلاكي والربا الاستثماري.

أقسام الربا: المعاملي والقرضي

الربا قسمان: معاملي وقرضي.

فالربا المعاملي هو بيع مكيل أو موزون بما هو متحد معه في الجنس مع الزيادة، كبيع طنٍّ من الحنطة بطنين أو بطنٍ ونصف، نقدًا أو نسيئة.

والربا القرضي هو القرض المشروط بالفائدة، سواء قلَّت أو كثرت. وينقسم بدوره إلى قسمين:

  1. الربا الاستهلاكي: وهو ما كان بدافع الحاجة، كأن يقترض الإنسان لرفع العَوَز والحاجة فيشترط عليه المقرِض الفائدة، أو يكون القرض إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل ولم يقدر المدين على الأداء أعطاه الدائن فرصة للتأجيل أو التقسيط مقابل زيادة.
  2. الربا الاستثماري (الإنتاجي): وهو المتعارف لدى التجار، حيث يعتمد التاجر أو الشركة على القروض لرفع مستوى الإنتاج أو حجم الاستثمار، لا بدافع الحاجة، بل بدافع تنمية رأس المال.

وقد ذهب بعض الباحثين القميين -رحمه الله تعالى- إلى أن الربا المحرَّم هو خصوص الربا الاستهلاكي، ولا شمول فيه للربا الاستثماري أو الإنتاجي، خلافًا للمعروف فقهيًا من حرمة الربا بكلا نوعيه، استهلاكيًا كان أو إنتاجيًا، كحرمة الربا المعاملي بجميع صوره.

وقد استُدلَّ على هذا التخريج بوجهين رئيسين: الأول من القرآن الكريم، والثاني من الروايات الشريفة، مضافًا إلى وجوه أخرى.

الوجه الأول: الإطلاقات القرآنية ليست في مقام بيان مصاديق الربا

يقوم هذا الوجه على أن المطلقات القرآنية الواردة في تحريم الربا ليست في مقام البيان من جهة مصاديق الربا وأنواع المعاملات الربوية، بل هي في مقام بيان أصل الحرمة فحسب. ويُستشهَد على ذلك بعدة آيات:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]

فهذه الآية إنما هي في مقام النهي عن مضاعفة الفائدة في الربا، وليست في مقام بيان أصل تحريمه.

﴿وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]

فهي في مقام بيان أن الربا مما حُرِّم على اليهود، لا في مقام بيان ما هو المحرَّم من الربا بتفاصيله.

﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]

فسياقها واضح الدلالة على أنها في مقام الرد على من قاس الربا على البيع، وأن هذا القياس مع الفارق، فالبيع حلال والربا حرام، من دون بيان لأنواع الربا المحرَّم وحدوده.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩]

فظاهر هذه الآية أن ما بقي من معاملات الربا بعد التحريم يجب الانتهاء عن ترتيب الأثر عليه، وأنه إن تيب فيؤخذ مقدار المال من دون زيادة.

وكما قيل إن الآيات المتعرضة لوجوب العبادات، مثل قوله تعالى:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾

وقوله:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾

وقوله:

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]

لا يصح التمسك بإطلاقها لأنها في مقام بيان أصل الوجوب لا في مقام عرض التفاصيل، فكذلك يقال في أدلة تحريم الربا؛ فلا يُستفاد منها حرمة جميع أنواعه، ويُقتصر فيها على القدر المتيقن، وهو الربا الاستهلاكي.

الآية الشاهدة على اختصاص الحرمة بالربا الاستهلاكي

يُستدل بدلالة جملة من الآية الكريمة على أن المنظور في تحريم الربا هو خصوص الربا الاستهلاكي:

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]

فالجملة الأولى، وهي اعتراض المشركين على تحريم الربا، ناظرة إلى قياس أخذ الفائدة مقابل التأجيل في القروض على البيع بالنسيئة؛ فالبيع إما نقد أو نسيئة، فلو باع البائع طنًا من الحنطة بمئتي دولار نقدًا، وبمئتين وخمسين دولارًا نسيئة، فلا إشكال في حِلِّ ذلك رغم أن الزيادة مأخوذة مقابل الأجل. فإذا قال المقرِض للمقترض: أقرضك مئة دولار إلى شهر، فلما جاء الأجل ولم يقدر على الدفع طلب التأجيل مقابل زيادة، فقيل: هذا حرام! فاعترض المشركون قائلين: "إنما البيع مثل الربا"، أي أن كليهما مشتمل على الزيادة بإزاء الأجل، فلماذا يحل في البيع ويحرم في القرض؟

فجاء الجواب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وله احتمالان:

  • أن تكون الجملة استئنافية، بمعنى بيان حكم تعبدي محض، وهذا بعيد لأن نوع التشريعات القرآنية تشتمل على التعليل، كقوله:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]

وقوله:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]

  • أن تكون الجملة حالية، أي أنهم قاسوا الربا على البيع مع أن وجدانهم يشهد بالفرق بينهما؛ فالبيع معاوضة تُعقد من الأول على مقابلة السلعة بالثمن الكلي دون تجزئة، بينما في الربا القرضي تكون الزيادة مأخوذة خصوصًا مقابل الأجل، ولأجل ذلك كانت نوعًا من الاستغلال، إذ من يطلب التأجيل لعدم تمكنه من الأداء هو مورد لقوله تعالى:

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]

فعدم إنظاره إلا بالزيادة يعني أن الزيادة مقابل الأجل حصرًا، وهذا ما يشهد وجدان العقلاء بالفرق فيه بين المقيس والمقيس عليه.

وبما أن هذا هو المنظور في الآية المباركة، فإن مورد أخذ الزيادة مقابل الأجل إنما يكون في الربا الاستهلاكي لا الاستثماري، فتكون هذه قرينة على اختصاص التحريم في هذه الجملة بالربا الاستهلاكي دون الإنتاجي.

الوجه الثاني: دلالة الروايات الشريفة

الروايات الشريفة الواردة في الربا على قسمين: ما ورد في الربا المعاملي، وما ورد في الربا القرضي.

الروايات الواردة في الربا المعاملي

منها صحيح زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام:

«لا يكون الربا إلا فيما يُكال أو يُوزن»

ومنها موثق منصور بن حازم:

سألتُه عن الشاة والشاتين، والبيضة والبيضتين، قال: «لا بأس ما لم يكن كيلًا أو وزنًا»

فهذه الروايات في مقام حصر الربا المعاملي في المكيل والموزون، بحيث لا يشمل المعدود، وإن احتاط بعض فقهائنا في شمولها له، إلا أن المعروف فقهيًا اختصاص الربا المعاملي بالمكيل والموزون.

وبما أنها في مقام بيان الحصر، لا في مقام بيان المحصور -أي هل المحرَّم مطلق المكيل والموزون أم بعض أنواعه- فقد يقال: لو باع طنًا من الحنطة الممتازة بطنين من الحنطة المتوسطة مع تساويهما في المالية، فهل يشمل التحريم مثل هذه الصورة مع انتفاء الظلم فيها؟

كما قد يقال بأن هذه الروايات مورد إجمال، لأن المرتكز العقلائي لا يرى فرقًا بين المكيل والموزون والمعدود، فإذا حرمت مبادلة طن من الحنطة بطنين، فلماذا لا تحرم مبادلة مئة بيضة بمئتي بيضة، مع أن ملاك الحرمة واحد؟ ويشهد لذلك ما ورد في بعض الروايات من عظيم أمر الربا مطلقًا:

«درهمٌ من ربا أعظم عند الله من سبعين زَنية بذات محرم في البيت الحرام»

فهل يُتصور فرق في هذا العظم بين المكيل والموزون والمعدود؟

الروايات الواردة في الربا القرضي

منها رواية حفص بن غياث عن الإمام الصادق عليه السلام:

«الربا رباءان: أحدهما حلال والآخر حرام؛ فأما الحلال فهو أن يُقرض الرجل قرضًا طمعًا أن يزيده ويعوِّضه بأكثر مما أخذه من غير شرط بينهما، فإن أعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له، وليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، وهو قول الله عز وجل: فلا يربو عند الله. وأما الربا الحرام فهو أن يُقرض قرضًا ويشترط أن يرد أكثر مما أخذه، فهذا هو الحرام»

ومنها صحيحة خالد بن الحجاج:

سألته عن الرجل كانت له عليه مئة درهم عددًا فقضاه إياها مئة وزنًا؟ قال: «لا بأس ما لم يُشترط»، وقال: «جاء الربا من قِبَل الشروط، وإنما يفسده الشروط»

ويُقال في هذه الروايات ما قيل في الآيات: إنها في مقام بيان ما هو الربا المحرَّم من جهة اشتراط الفائدة، وليست في مقام البيان من جهة الحدود والمصاديق، فالقدر المتيقن منها هو الربا الاستهلاكي.

الوجه الثالث: المقابلة بين آيات الربا وآيات الإنفاق

يُستدل بالمقابلة الواردة في القرآن بين الربا والإنفاق، نحو قوله تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]

وقوله:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]

فهذه المقارنة بين الربا والإنفاق شاهد على أن الربا المحرَّم ما كان في موطن الإنفاق والعطاء، أي أن يحل أحدهما محل الآخر. ومن الواضح أن الربا الواقع موقع الإحسان هو الربا الاستهلاكي؛ لأن المقترض إذا حل أجل الدين ولم يقدر على الأداء وطالب بالتأخير، جاء موضع الإحسان، فإن أخَّره الدائن فهو إحسان، وإن طالبه بالزيادة فهو ربا. فكون الربا واقعًا موقع الإحسان قرينة على أن المنظور في آيات التحريم هو الربا الاستهلاكي.

الوجه الرابع: عطف "أكل أموال الناس بالباطل" على الربا

يُستدل بظاهر قوله تعالى:

﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]

على أن الجملة الثانية من عطف العام على الخاص، أي أن مناط تحريم الربا هو كونه من أكل المال بالباطل، ومن الواضح أن الباطل لدى العقلاء ما كان من الربا الاستهلاكي، وإلا فالربا الإنتاجي عليه قوام الاقتصاد، إذ لا تجارات ولا مصانع ولا إنتاج في زماننا هذا إلا بالاعتماد على مليارات الدولارات المقترضة التي تضمن القوى الإنتاجية للمصانع والشركات، فكيف يكون ذلك من أكل المال بالباطل؟

الوجه الخامس: دوران الحرمة مدار العلة المنصوصة

يقوم هذا الوجه على أن مقتضى بيان الروايات لعلة تحريم الربا هو دوران الحرمة مدار علتها، وأن هذه العلة لا تنطبق على الربا الإنتاجي.

ففي القرآن الكريم عُلِّلت حرمة الربا بالظلم، في قوله تعالى:

﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

ومن الواضح أن الظلم إنما يتصور في الربا الاستهلاكي القائم على الاستغلال، بخلاف الربا الإنتاجي الذي يكون بدافع تشجيع عجلة الإنتاج والاستثمار.

وأما في الروايات الشريفة، فمنها رواية هشام بن الحكم، إذ سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة تحريم الربا، فقال عليه السلام:

«لو كان الربا حلالًا لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرَّم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال، وإلى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض»

وكذا رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام:

«إنما حرَّم الله الربا لئلا يذهب المعروف»

فظاهر هاتين الروايتين أن العلة في تحريم الربا هي ترك الناس للمعروف وتعطيل التجارات، وهذا مما ينطبق على الربا الاستهلاكي، إذ الربا الإنتاجي مُشجِّع للتجارات وليس مانعًا منها.

وحمل هذه المبررات على مجرد الحكمة دون العلة خلاف الظاهر، فإن ظاهرها التعليل، خصوصًا في رواية هشام حين يُسأل: "ما علة تحريم الربا؟". كما أن حملها على كونها علة من بين علل أخرى منافٍ للإطلاق؛ فمقتضى الإطلاق أنها العلة المنحصرة، وإلا لذُكرت معها علة أخرى، نظير ما استدل به الأعلام على مفهوم الشرط من أن مقتضى الإطلاق فيه كونه العلة المنحصرة للجزاء، فينتفي الجزاء بانتفائه.

الخلاصة

وحيث لم يُحرز شمول أدلة حرمة الربا -نظرًا للوجوه السابقة- للربا الإنتاجي، وهو ما ينطبق على محل الكلام في الرافعة المالية بوصفها من نوع الربا الإنتاجي، فإن مقتضى عمومات الصحة نفوذ هذه المعاملة، عملًا بقوله تعالى:

﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.