الرافعة المالية: التعريف والأركان والأحكام الشرعية
الرافعة المالية (المارجن): التعريف والأركان والأحكام الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
المعاملة الأخرى التي نتناولها هي ما يُعبَّر عنه بـالرافعة المالية، أو المارجن، أو الهامش.
تعريف المعاملة
تُعرَّف هذه المعاملة بأنها استدانة المستثمر من شركة وسيطة لشراء المزيد من الأسهم أو العملات، مقابل استخدام هذه الأسهم من قبل الشركة الوسيطة كضمانٍ أو رهنٍ للدَّين.
وهناك تعريف آخر ورد على لسان بعض الخبراء الاقتصاديين، وهو: إيداع العميل - بواسطة السمسار - مبلغاً مالياً لحساب الشركة، يمثل جزءاً يسيراً من قيمة العقود المشتراة لصالحه، مقابل أن يكون هذا المبلغ تأميناً لمخاطر المتاجرة، على أن يقوم الوسيط بدفع الجزء الأكبر من قيمة الصفقة على سبيل القرض.
ولبيان حقيقة هذه المعاملة وحكمها، نتعرض لعدة مطالب.
المطلب الأول: أركان المعاملة
الركن الأول: العميل، وهو الذي لو كان يملك المبلغ الكافي لشراء الأسهم أو العملات أو المعادن لَما احتاج إلى الرافعة المالية، ولكنه لضعفه المالي يضطر للاستعانة بها من أجل أن يتمكن من الاسترباح والاستثمار عبر تداول الأسهم أو العملات أو المعادن.
الركن الثاني: الوسيط، وهو الشركة التي تتعهد بإعطاء هذا العميل المبلغ الوافي لشراء هذه الأسهم أو العملات أو المعادن.
الركن الثالث: المبلغ المدفوع من قبل العميل نفسه، إذ لا بد أن يوفر العميل مبلغاً - ولو خمسمائة دولار أو ألف دولار - يودعه في حساب الشركة المتعهدة بأن تضاعف هذا المبلغ بما يفي لشراء الأسهم أو العملات المطلوبة.
الركن الرابع: المبلغ المدفوع من قبل هذه الشركة، وهو المتمم لقيمة العملات أو قيمة الأسهم في عملية الاستثمار.
الركن الخامس: مورد العقد، فإن العقد إما أن يكون تعاملاً على أسهم، أو تعاملاً على عملات، أو تعاملاً على معادن، ومن أهمها الذهب والفضة.
هذه هي أركان المعاملة.
المطلب الثاني: بيان المصطلحات
المصطلح الأول: الفوركس، وهو عبارة عن نفس الصفقة، أي أن هناك صفقات معروضة في المنصات من قبل هذه الشركات أو البنوك، سواء كانت هذه الصفقات في الأسهم أو العملات أو المعادن. وهذه الصفقة يكون لها نسبة معينة، أي محددة بالمبلغ ومحددة بهامش من الربح، مع تقديرات للخسارة على مدى معين. فالصفقة التي تتضمن المبلغ وهامش الربح المتوقع والخسارات المحتملة في مدى معين تُسمى بالفوركس.
المصطلح الثاني: المارجن أو الهامش، ويُراد به المبلغ الذي يقدمه المتداول - وهو ضعيف مالياً - ويضعه في حساب البنك أو حساب الشركة، فهذا المبلغ البسيط يُسمى هامشاً في المعاملة؛ لأنه ليس المبلغ الأساس الذي ترتكز عليه المعاملة، ولأجل هذا عُبِّر عنها بـ"المعاملة على الهامش"، باعتبار أنها متقوّمة بجزء من المبلغ الذي يدفعه العميل أو المتداول ويضعه في حساب الشركة.
المصطلح الثالث: الرافعة المالية، وهي عبارة عن المبلغ الأساس الذي تقدمه الشركة أو البنك أو الوسيط في عمليات الاستثمار والمداولات، إذ توفر مبلغاً وافياً يرفع من قوة الهامش، فيُسمى بالرافع المالي؛ لأنه يزيد من القوة الشرائية للمبلغ الذي دفعه العميل أو المتداول (المعبَّر عنه بالهامش). ولذلك سُمّيت هذه المعاملة بالرافعة المالية، نظراً لارتكازها على هذا المبلغ الأساس في رفع القوة الشرائية للمبلغ المدفوع من قبل العميل المستثمر.
المطلب الثالث: أقسام التعامل بالهامش
التعامل بالهامش على قسمين:
القسم الأول: أن يكون بواسطة السمسار، فهناك سماسرة مستعدون كوسائط بين العميل وبين الشركات المتعهدة ببذل تلك المبالغ. وهذا السمسار يأخذ عمولة سواء باع العميل أم اشترى، فهو على أي حال لا يخسر شيئاً؛ لأنه مجرد واسطة يتعهد للعميل بتوفير الشركة التي تبذل له المبلغ، ويتعهد للشركة بتوفير هذا العميل. وبعد أن تقوم الشركة الممولة بتوفير المبلغ الوافي لشراء الأسهم ثم تداولها بيعاً أو مضاربة، فإن السمسار - سواء بيعت الأسهم أم احتُفظ بها، رُبح أم خُسر - يأخذ أجرته مقابل الوساطة.
القسم الثاني: ألا تكون المعاملة بواسطة، بل مباشرة بين العميل والشركة من دون حاجة إلى سماسرة يأخذون عمولة. وحينئذ فإن لُبّ المعاملة عند بحثها يرتكز على ما تقوم به الشركة المستثمرة لهذا المبلغ من تداول أو استثمار أو مضاربة بينها وبين العميل، وهذا هو لُبّ المعاملة بغض النظر عن وساطة السمسار.
المطلب الرابع: آلية عمل الرافعة المالية وشروطها
ثمرة هذه المعاملة، ومن أهم آلياتها، ما يُعبَّر عنه بنظام الهامش أو الرافعة المالية، حيث يبذل المتداول مبلغاً بسيطاً، مع قيام الشركة أو البنك بمضاعفة القوة الشرائية لمبلغ التداول. فالشركات تعرض روافع مالية متعددة، منها رافعة بنسبة 1-100، وأخرى بنسبة 1-200، وأخرى بنسبة 1-400، وهكذا. فإذا اختار العميل مثلاً الرافعة المالية بنسبة 1-100، وهو يحتاج إلى بذل ألف دولار، فإن الشركة تجعلها مئة ألف دولار. وإذا اختار رافعة بنسبة 1-200 ودفع خمسمائة دولار، فإن الشركة تضاعفها لتصير مئة ألف دولار. فمقابل كل دولار يقدمه العميل (وهو الهامش)، تقدم الشركة الباقي (وهو الرافعة المالية).
فهل تتم هذه العملية بلا شروط؟ الجواب: لا، بل هناك شروط أربعة تمثل مصبّ البحث الفقهي:
الشرط الأول: بقاء مبلغ الضمان تحت سلطنة الشركة
في الواقع لا يوجد أي مبلغ نقدي تسلّمه بيدك أنت أيها العميل، بل دورك أن تضع في حساب البنك ألف دولار، وتقوم الشركة بالشراء والبيع عنك عبر التحويلات والأرقام، من دون أن يوجد مبلغ متداول فعلي بيدك. فما تقوم به هذه الشركة من الشراء لك ثم البيع عنك - وهو المبلغ الذي تحول إلى أسهم أو عملات أو ذهب أو فضة - لا بد أن يبقى بيد الشركة، وأنت لا تستلم شيئاً أصلاً، بل تكتفي بمراقبة الشاشة.
الشرط الثاني: منع التداول مع أي وسيط آخر
بمعنى أن هذا المبلغ الموفَّر لا يمكن تداوله في منصة أخرى، بل لا بد أن يكون التداول عبر المنصة التي تختارها هذه الشركة المستثمرة دون غيرها.
الشرط الثالث: عمولة التبييت
باعتبار أن الشركات المستثمرة لديها الخبرة التامة بهذا العالم، فإنها تضع مدى زمنياً معيناً للتعامل، من يوم كذا إلى كذا، أو من ساعة كذا إلى كذا. فإن مرت هذه الفترة - ولو ليلة واحدة - والمبلغ لا يزال في الحساب لم يُتداوَل ولم يُصرَف، أخذت الشركة مبلغاً يُسمى عمولة التبييت.
الشرط الرابع: عدم تحمّل الشركة أي خسارة
لا تسمح هذه الشركة المستثمرة بورود أي خسارة عليها إطلاقاً، بل ترد كل خسارة على العميل المتداول. فإذا كانت الخسارة محتملة - بحساب الاحتمالات والعرف السوقي والأسعار - تنذر الشركة العميل بذلك، وتسأله: هل سترفع المبلغ الذي دفعته؟ وإذا حصلت الخسارة بنسبة معينة متفق عليها مسبقاً، تقوم الشركة ببيع الأسهم التي لك عليك، فترد الخسارة عليك، مع حجز أصل المبلغ الذي وفرته لك كرافعة مالية.
المعاملة ذات الحدين
لذلك فإن هذه المعاملة ذات حدين خطيرين:
الحد الأول: قد يحصل العميل على أرباح ضخمة إن ساعده الحظ، فتُشترى له أسهم بسعر مئة ألف دولار مثلاً، ثم ترتفع فتُباع بمئتي ألف، فتستوفي الشركة أصل مبلغها (مئة ألف) وتسلّمه الباقي (مئة ألف).
الحد الثاني: قد تنزل قيمة الأسهم بنسبة خسارة كبيرة - 20% أو 75% أو 90% - فترد الخسارة كاملة على العميل.
ولذلك قال بعض خبراء الاقتصاد: بالنسبة للقسم الأول من المعاملة (بواسطة السماسرة)، فإن السمسار قد يفرض عليك شروطاً معينة أو يعينك بخبرته. أما القسم الثاني (بين العميل الضعيف مالياً والشركة صاحبة الرافعة المالية مباشرة)، فقد عبّروا عنه بالشر المحض؛ باعتبار أن العميل الضعيف مالياً قد لا يمتلك الخبرة بهذا العالم، فيكتسب نتيجة المعاملة ديوناً ضخمة من دون أن يربح شيئاً في المقابل.
المطلب الخامس: المحاذير والمشكلات الشرعية
طُرحت في المجمع الفقهي في القاهرة عدة محاذير ومشاكل على هذه المعاملة:
المحذور الأول: الربا المحرّم
إن الشركة التي تضمن لك شراء الأسهم وبيعها، هذا الضمان عبارة عن قرض - أي دَين منها عليك - وبما أنه دَين مشروط (مشروط بأن يبقى المبلغ تحت حوزتها، ومشروط بأن تكون التداولات ضمن منصتها، ومشروط بعمولة التبييت عند التأخر)، فينطبق عليه أنه قرض ربوي؛ لأنه مشروط بشرط ربوي.
المحذور الثاني: الجمع بين المعاوضة والقرض
هذا الاشتراط نفسه - أن يكون القرض من قبلنا والمعاملات من قبلنا، فنحن المُقرِض ونحن الوكيل عنك في الاستثمار والتداول - جمعَ بين المعاوضة والقرض. وما المشكلة في ذلك؟ هناك حديث نبوي سيأتي البحث عنه:
«لا يحل سلفٌ وبيعٌ»
أو بصياغة أخرى:
«نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيعين في بيع، وعن سلفٍ وبيع»
واختُلف في معنى ذلك: فبعضهم قال إن مجرد الجمع بينهما منهي عنه، وبعضهم قال لا يصدق "سلف وبيع" إلا إذا كان السلف مشروطاً بالبيع أو البيع مشروطاً بالسلف. وفي مقامنا، عندما تقول الشركة المستثمرة: "نُقرِضك ونشترط عليك أن يكون الاستثمار من قبلنا"، فقد صار سلفاً مشروطاً بالبيع، أو بالعكس "نشتري لك ونبيع بشرط أن يكون القرض من قبلنا"، فصار بيعاً مشروطاً بالقرض. ويُطرح هنا سؤال: هل ينطبق على هذا قاعدة "كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا"؟
المحذور الثالث: بيع ما لم يُقبض
قد تشتمل المعاملة على موارد فيها إشكال، فتارة تكون المعاملة مجرد أسهم، فلا توجد هذه المشكلة، وتارة تكون معاملة على ذهب وفضة، أو معاملة على عملات (ولا مشكلة عندنا في العملات، وإن كانت هناك مشكلة عند بعض المذاهب الإسلامية الأخرى). فإذا فُرض أن المعاملة جرت على الذهب والفضة - بأن تشتري لي كذا وزناً من سبائك الذهب وتبيعها عني - فهل يمكن بيعها بأزيد قبل قبضها؟ وهل يمكن بيع العملات بأزيد قبل قبضها؟ هذا أيضاً إشكال شرعي، وهو: هل حرمة بيع الذهب قبل قبضه يختص بالجزء أم يشمل الكل أيضاً؟
المحذور الرابع: المخاطرة المالية وتراكم الديون
هذا المحذور مشترك مع المعاملة بالبيتكوين التي سبق البحث فيها، وهو أن هذه المعاملة تتضمن المخاطرة المالية وتراكم الديون، أي أن الإقدام عليها إقدامٌ على معاملة ذاتية المعرضية للخطر المالي وتراكم الديون. ويُقال إن الإقدام على معاملة ذاتية المعرضية للخطر قد تكون معاملة سفهية، مشمولة لقوله تعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]
كما أن من المحاذير أن الشركات المسيطرة على هذه المنصات تتلاعب بالأسعار بنحو فاحش وسريع، بحيث تستطيع اغتنام فرصة الربح بأي وسيلة ممكنة، وهذا يعني جمع الثروات بطرق لا يمكن تغطيتها بغطاء قانوني، وهو مصداق من مصاديق قوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
المحذور الخامس: مخالفة مقاصد التشريع الاقتصادي
هذا المحذور يركز عليه السيد الشهيد الصدر قدس سره في كتابه "اقتصادنا"، ولو أن فقهاءنا عادة لا يعتنون به كثيراً. ويقول: إن المستفاد من مجموعة من الآيات:
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
الواردة في الربا، و:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]
الواردة في الحجر على السفيه، والنصوص الواردة في منع "كي لا يكون دولة بين الأغنياء" ومنع تقادس الثروات لدى فئة معينة - أن مجموع هذه النصوص يُستفاد منه أن المشرّع من أهدافه العليا ومقاصده العليا أراد أن تُستثمر الأموال في الأنشطة الاقتصادية التي تساهم في نماء المال، وهي الأنشطة التي تدفع عملية الصناعة والإنتاج.
أما الأنشطة الاقتصادية التي تدور عبر الأرقام والشاشات، من دون أن يكون هناك نماء حقيقي على أرض الواقع، ومن دون أن تُحرَّك مصانع أو تُنتَج سلع، وإنما هي مجرد الحصول على أرباح من دون جهد ولا عناء - فهذه الأنشطة "وراء الستار" قد تؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة. وبالتالي لا يرضى المشرّع بفتح مثل هذا الباب من الأنشطة الاقتصادية التي تؤدي إلى إعراض الناس عن الأنشطة المثمرة والمنمية، وحصر أموالهم في هذه الأنشطة الربحية السريعة، مما يؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة.
فنحن نقطع بأن المشرّع لا يرضى بمثل هذه الألوان من الأنشطة الاقتصادية. أما ماذا يترتب على ذلك؛ هل يترتب عليه الحرمة كفتوى، أو أن هذا المقدار مسوِّغ للفقيه أن يصدر حكماً ولائياً بالمنع - كما رجّحناه في التعامل بالبيتكوين - فهذا ما سيأتي الكلام عنه غداً إن شاء الله تعالى، عن كل محذور من هذه المحاذير الشرعية بالتفصيل.
والحمد لله رب العالمين.
