التخلص من محذور القرض الربوي في البنوك: دراسة في مدلول الشرط المعاملي والرافعة المالية
التخلص من محذور القرض الربوي في البنوك: دراسة في مدلول الشرط المعاملي
تمهيد
قد سبق أنّ هناك خلافين بين الأعلام في تحديد مدلول الشرط المعاملي الوارد في الروايات الشريفة، كقوله صلى الله عليه وآله:
«المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً»
حيث وقع البحث في تحديد المقصود بالشرط المعاملي المذكور في هذه الروايات. وقد ذكرنا أنّ هناك تعريفين:
- التعريف الأول، وهو تعريف المشهور، وقد تبناه بعض الأكابر قدس سره في كتاب البيع، من أنّ الشرط عبارة عن التزام في التزام، بمعنى أنّ العلاقة بين العاقد وبين الشرط هي علاقة الظرفية والمقارنة، من دون أن يكون بينهما ربط.
- التعريف الثاني، وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني وسيدنا الخوئي قدس سرهما، من أنّ حقيقة الشرط هي الربط والتعليق، وذلك يعني تعليق المُنشأ العقدي على التزام المشروط عليه بالعمل، وتعليق التزام العاقد على تحقّق المشروط عليه في الخارج.
ولهذين التعريفين ثمرات ذُكرت في كلماتهم، نستعرضها فيما يلي.
الثمرة الأولى: في باب النكاح
لو فُرض أنّ المرأة زوّجت نفسها من رجل واشترطت عليه ضمن العقد أن يكون لها الخيار في الفسخ، فيقال:
على المبنى الأول الذي اختاره بعض الأكابر قدس سره، من أنّ الشرط التزام في التزام: فإنّ النكاح وقع صحيحاً، كما أنّ الشرط وقع صحيحاً؛ إذ النكاح وإن كان بالعنوان الأولي عقداً لازماً لا يقبل الفسخ، لكنّه إذا اشترط فيه الخيار كان خيارياً يقبل الفسخ. وحيث إنّه وقع صحيحاً فالشرط في ضمنه أيضاً صحيح، ومقتضى الشرط أنّ النكاح وقع خيارياً، أي أنّ الخيار بيد الزوجة كما اشترطت.
أما على تعريف المحقق النائيني والسيد الخوئي، من أنّ الشرط مرجعه إلى التعليق، فقد أفاد سيدنا الخوئي قدس سره بأنّ النكاح وقع باطلاً. والسرّ في ذلك أنّ الزوجة عندما علّقت المنشأ العقدي - وهو الزوجية - على ما اشترط بينهما، وهو أن يكون الخيار لها، فالزوجية المنشأة ليست زوجية دائمة ولا منقطعة:
- أما أنّها ليست زوجية منقطعة، فواضح؛ لأنّ النكاح المنقطع ما كان محدوداً بالآجال، وهذا ليس محدوداً بالآجال.
- وأما أنّه لم يقع دائماً، فلأنّ المفروض أنّ المرأة لم تُنشئ زوجية لا بشرط، والنكاح الدائم ما كان المنشأ فيه الزوجية لا بشرط، بل أنشأت زوجية محدودة بعدم الفسخ من قِبلها؛ لأنّها حيث اشترطت أن يكون لها الخيار، فهي لم تُنشئ زوجية لا بشرط، بل أنشأت زوجية محدودة بأن لا تفسخ، إذ لو فسخت لكانت الزوجية منقضية.
وحيث إنّ الزوجية لا دائمة ولا محدودة بزمن معين، فلم تقع لا نكاحاً دائماً ولا نكاحاً منقطعاً. وحيث إنّ النكاح الشرعي إما دائم وإما منقطع، فهذا نكاح باطل.
مناقشة ما ذهب إليه السيد الخوئي
ولكن قد يقال إنّ ما ذكره سيدنا الخوئي قدس سره من أنّ النكاح باطل، إذ لم يقع دواماً ولا انقطاعاً، محل تأمّل حتى على المبنى المختار لديه، وهو مبنى المحقق النائيني من أنّ الشرط تعليق. والوجه في ذلك أنّ ما ذكره سيدنا الخوئي قدس سره مبني على مبنى آخر اختاره في باب الخيار، مضافاً إلى المبنى في باب الشرط.
فمثلاً في باب البيع: لو أنّ البائع قال للمشتري: بعتك السلعة بألفٍ على أنّ لي الخيار، فإنّ المشهور يرون أنّ اشتراط الخيار ليس مضيّقاً لمدلول العقد، وإن كان شرطاً في العقد، لكنّه ليس مضيّقاً للمدلول، أي أنّ الملكية التي أنشأها البائع للمشتري ملكية طلقة، غاية ما في الباب أنّ له الخيار في أن يرفعها متى شاء، فالفسخ رافع للملكية.
بينما على مبنى سيدنا الخوئي قدس سره، فإنّ اشتراط الخيار مرجعه إلى تضييق الملكية، وأنّ الملكية المنشأة ملكية محدودة بأن لا يُفسخ، فإذا فُسخ لم يكن الفسخ رافعاً، بل هو حدّ للملكية من الأول. وهذا خلاف المرتكزات العقلائية التي ترى أنّ الخيار خارج عن إطار المنشأ العقدي.
فبناءً على ذلك، إذا زوّجت المرأة نفسها من رجل على صداق واشترطت أن يكون لها الخيار، لم تكن الزوجية المنشأة مضيّقة بأن لا تفسخ، بل الزوجية طلقة لا بشرط، غاية ما في الباب أنّها إن فسخت رفعت الزوجية. فوقع النكاح المشروط بالخيار - حتى على مبنى السيد الخوئي في باب الشرط - نكاحاً دائماً، لا أنّه نكاح لا دائم ولا منقطع، وإنّما هو نكاح جائز، أي قابل للفسخ.
الثمرة الثانية: فيما تواطأ عليه المتعاقدان قبل العقد
لو فرضنا أنّ المتبايعين تواطآ على أمر قبل العقد، حيث اتفق البائع والمشتري على أن يتعهد المشتري بكنس المسجد، ثم أُجري عقد البيع مبنياً على ما تواطآ عليه، فهنا ذكر بعض الأكابر قدس سره أنّه:
على مبنى أنّ الشرط التزام في التزام، بمعنى أنّ العلقة بين العقد والشرط مجرد ظرفية: فهذا البيع ليس مشروطاً بشرط؛ إذ لم يُذكر في ضمنه شرط، وإنما بُني البيع لبّاً على ما تواطآ عليه قبل البيع، وإلا فالبيع لم يتضمن شرطاً.
بينما على المبنى الآخر، مبنى النائيني، من أنّ الشرط تعليق: فالمفروض أنّ العقد صدر معلّقاً لبّاً على ما تواطآ عليه، وإن لم يتضمن لفظاً شرطاً.
مناقشة هذه الثمرة
قد يقال إنّ هذه الثمرة أيضاً غير تامة، وذلك لأنّ المناط في الشرطية على كلا المبنيين: هل هو على مقام الإثبات أو على مقام الثبوت؟
- فإن كان المدار على مقام الإثبات، أي أنّ الشرط التزام في التزام إثباتاً (لفظاً)، وأنّ التعليق عند النائيني تعليق إثباتي (في مقام التلفظ بالعقد)، فحينئذٍ لا يوجد شرط على كلا المبنيين؛ لأنه حتى على مبنى المحقق النائيني لا يوجد تعليق إثباتي للعقد على الشرط، وإنما التعليق لبّي وليس إثباتياً.
- وإن كان المدار على مقام الثبوت، فهناك شرط على كلا المبنيين؛ لأنه كما وقع العقد ثبوتاً معلّقاً على ما تواطآ عليه على مبنى المحقق النائيني، فكذلك على مبنى بعض الأكابر، حيث إنّ ما تواطآ عليه بمثابة القرينة المتصلة بالعقد، وبما أنه كذلك فالعقد متضمن عُرفاً للشرط بحسب النظر العرفي.
فهذه الثمرة الثانية غير تامة.
الثمرة الثالثة: محل الكلام - القرض الربوي في البنوك
هذه الثمرة هي محل كلامنا، وهي أن يقال: على مبنى المحقق النائيني، من أنّ الشرط عبارة عن التعليق والربط، فلو صدر القرض من البنك أو من أي جهة مقرضة معلّقاً على التزام المقترض وتعهده حال القرض بأداء الفائدة - حيث تقول الجهة المقرضة: أُقرضك على أن تتعهد الآن بأن تؤدي الفائدة في ظرفها، أو بأن تجعل التداولات تحت سلطنتي -:
فعلى مبنى المحقق النائيني وسيدنا الخوئي قدس سرهما، إنّ المقترض لا يجوز له أن يقبل الشرط؛ لأنه شرط ربوي لا يجوز له قبوله، حتى القبول نفسه لا يجوز (لا الأداء فحسب، فالأداء محرَّم آخر)؛ فأصل القبول حرام لأنه قبول بشرط ربوي، أي التزام بشرط ربوي.
فإن لم يقبل هروباً من المحذور التكليفي، لم يملك القرض؛ لأنّ أصل التمليك وقع معلّقاً على تعهده والتزامه حين القرض بأداء الفائدة في ظرفها، وحيث لم يلتزم لم يقع المعلَّق عليه فلم يقع المعلَّق - ألا وهو أصل القرض. فهو وإن تخلّص من المحذور التكليفي، إلا أنه وقع في محذور وضعي، وهو عدم التملّك، فيكون استلامه للمال غصباً.
ولكن على المبنى الآخر - أنّ الشرط التزام في التزام، وأنّ العلقة بين العقد والشرط خالية من أي ربط وتعليق، بل هي مجرد ظرفية ومقارنة - فلا مانع من أن يقبل المقترض الشرط، ولا يلزم منه محذور؛ لأنه لا يوجد شرط ربوي، إذ الشرط عبارة عن الالتزام في الالتزام، وأما تعليق القرض على التعهد فليس من الشرط في شيء.
فيمكنه أن يقبل ويلتزم حين العقد بما فُرض عليه، فيملك المال المقترَض. ولو فكّك بينهما، بأن قال: قبلتُ القرض ولم أقبل الشرط، صحّ القرض وبطل الشرط. وهذا ما أفتى به قدس سره في تحرير الوسيلة في باب القرض، في المسألة الثالثة عشرة، حيث أفتى بأنّ المقترض إن قبل القرض ولم يقبل الشرط صحّ القرض.
لكن سيدنا الخوئي قدس سره، طبقاً لمبناه في باب القرض، قال: لو قبل القرض دون الشرط لم يملك؛ لأنّ معنى الشرط تعليق القرض على التزامه وقبوله، وحيث لم يلتزم لم يملك.
فقد يقال في محل الكلام - وهو التخلص من محذور القرض الربوي في البنوك - إنه بناءً على مبنى بعض الأكابر قدس سره لا محذور؛ حيث إنّ الشرط عبارة عن تعليق القرض على التزامه، وهذا ليس من الشرط الربوي في شيء.
هذا تمام الكلام في المطلب الثالث، وهو بيان الثمرات للخلاف في مدلول الشرط الوارد في الروايات الشريفة.
المطلب الأخير: المحاولة الثالثة
إنّ المحاولة الثالثة في التخلص من محذور القرض الربوي قد بُنيت على كون الشرط فيما ورد في الروايات المعتبرة، كما في معتبرة يحيى بن الحجاج:
«إنما جاء الربا من قِبل الشروط، وإنما تفسده الشروط»
أنّ الشرط بمعنى التزام في التزام، وهو مما لا ينطبق على تعليق القرض على التزام المقترض؛ لأنّ تعليق القرض على التزام المقترض ليس شرطاً، إذ ليس التزاماً في التزام.
المناقشة في الكبرى
أما المناقشة في الكبرى، فما ذكره بعض الأكابر قدس سره من أنّ الشرط عبارة عن التزام في التزام من دون ربط ولا تعليق، ليس صحيحاً؛ بل الشرط بمعنى الرابط، فشرْطه يعني ربطه بشيء، ولذلك يُطلق على الخيط الرابط بين طرفين بأنه "شريط"، مأخوذ من أصل المادة التي تعني معنى الرابط.
ومما يُنبّه على ذلك: أنه لو حصل العقد مشروطاً، كما لو باع شخص سلعته مشروطة بكذا، فقبل المشتري البيع دون الشرط، فإنّ المرتكز العرفي لا يرى تطابقاً بين الإيجاب والقبول، بل يقول بأنه لم يتطابق الإيجاب والقبول؛ إذ ما صدر من البائع بيعاً مشروطاً.
وهذا منبِّه على أنّ علقة العقد بالشرط ليست علقة المقارنة فقط، إذ لو كانت العلقة علقة المقارنة لقال المرتكز العرفي: نعم، تطابق الإيجاب والقبول، غايته أنه فكّك بين المشروط والشرط، فقبل المشروط دون الشرط. وهذا مصادم للمرتكزات. فعدم تطابق القبول مع الإيجاب بحسب المرتكزات العرفية منبِّه على أنّ الشرط عبارة عن الرابط لا مجرد الظرفية.
تحديد معنى الرابط في الشرط
غاية ما في الباب أنّ الرابط الذي هو مقوِّم لمعنى الشرط لا يتضمن تعليقين، كما ذهب إليه المحقق النائيني وسيدنا الخوئي قدس سرهما، حيث ذهبا إلى أنّ مرجع قوله: "بعتك هذا الكتاب بألفٍ بشرط أن تكنس المسجد" إلى تعليقين:
- تعليق لأصل الملكية على أن يلتزم فعلاً بالشرط، بحيث لو لم يلتزم فعلاً بالشرط لم يملك.
- تعليق للالتزام بالمعاملة على حصول الكنس خارجاً، بحيث لو لم يحصل الكنس خارجاً لكان من حق البائع أن يفسخ.
لكنّ هذا لا يوافقه المرتكز العرفي والعقلائي؛ فلا يُرى بحسب المرتكزات العقلائية أنّ هناك تعليقين مضافاً إلى البيع - تعليق للمنشأ على الالتزام، وتعليق للالتزام على وقوع الشرط خارجاً - بل معنى الشرط بالنظر العرفي لا يتضمن هذه المعاني المتكلَّفة.
فالشرط بمعنى الرابط، لكن الرابط بمعنى أنّ للشارط سلطنة على المشروط عليه لا أكثر من ذلك؛ فإنّ قوله: "بعتك الكتاب بألفٍ على أن تكنس المسجد" مرجعه إلى أنني بقولي "بشرط" جعلتُ لنفسي سلطنة عليك، وثمرة هذه السلطنة حق المطالبة، فإن لم تحصل فلي الخيار، لا أكثر من ذلك.
فالتعريف المختار عندنا أنّ الشرط الوارد في الروايات ليس إلا ربطاً بنحو السلطنة، نعم لهذه السلطنة ثمرتان عند العقلاء:
- حق المطالبة.
- ثبوت الخيار عند عدم تحقق العمل المشروط.
هذا بالنسبة للنقاش في الكبرى (أصل المبنى).
المناقشة في الصغرى
وأما الصغرى، وهو تطبيق ذلك على محل الكلام، فإنه لو فُرض تمامية ما ذُكر في الكلمات من أنّ الشرط عبارة عن التزام في التزام، مع ذلك لا يصلح تخريجاً للتخلص من محذور القرض الربوي في البنوك.
وبيان ذلك: أنّ الروايات الشريفة، كما عُرضت في الجلسة السابقة، ذات لسانين:
- اللسان الأول: لسان الشرط، والذي جاء في المعتبرة:
«إنما جاء الربا من قِبل الشروط، وإنما تفسده الشروط»
- اللسان الآخر: ما ورد بعنوان الجرّ:
«إذا كان قرضاً يجرّ شيئاً فلا يصلح»
وهذان اللسانان إذا عُرضا على العرف لم يُفهم منهما سوى أنّ المناط في الربا المحرَّم هو استلزام القرض لعَوْد منفعة على المقرِض، سواء صدق عليه عنوان الشرط أو لم يصدق. فاختلاف اللسانين إنما هو اختلاف لفظي، وإلا فالمنسبك لدى العرف من "الجرّ" و"الشرط" معناه واحد، وهو أن يكون القرض مستلزماً لعَوْد منفعة على المقرِض.
وبالتالي، فالخلاف في أنّ الشرط هل هو بمعنى التعليق أو بمعنى الالتزام في الالتزام لن يكون ذا ثمرة في محل البحث؛ إذ على كليهما القرض استلزم عَوْد منفعة للمقرِض، وحيث استلزم عَوْد منفعة للمقرِض كان قرضاً ربوياً، سواء صدق عليه عنوان الشرط أم لا.
التطبيق على رفع المالية
وبالتالي، فالرافع المالية - وهي أصل البحث - حيث تضمّنت أنّ البنك الاستثماري يتعهد بإقراض مبلغ للعميل المتداول من أجل رفع القوة الشرائية لرصيده في البنك، بحيث يتمكن من المداولة في الأسهم بنحو أوسع، ويشترط عليه - مضافاً للفائدة - أن تكون المداولات تحت سلطنته: فإنه قرض استلزم عَوْد منفعة للمقرِض لا محالة، فهو قرض ربوي.
هذا تمام الكلام في المحذور الأول في رافع المالية، وهو محذور القرض الربوي، وقد ذكرنا أنّ هناك محاولات ثلاث للتخلص منه، ولم تنفع أي محاولة منها.
المحذور الثاني: الجمع بين سلف وبيع
نأتي إلى المحذور الثاني، وهو ما ذكره المجمع الفقهي في القاهرة، من أنّ رافع المالية عبارة عن الجمع بين سلف وبيع، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله - وهو حديث صحيح حتى في طرق الإمامية، رواية صحيحة معتبرة -:
«نهى النبي عن سلفٍ وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يُقبض»
ويأتي الكلام في الجلسة القادمة عن معنى هذا الحديث ومداليله، وما هو، وتطبيقه على المقام، تامّاً كان أم لا.
والحمد لله رب العالمين.
