ما هي نظرتنا إلى الله: نظرة الرعب أم الحب؟
صورتان لله: الرعب والحب — قراءة في الرحمة والجلال الإلهي
مقدمة
قبل الدخول في صلب المحاضرة، تجدر الإشارة إلى أن المحاضرات السابقة، وخصوصًا محاضرة الذكاء الاصطناعي، أثارت أسئلة واستفهامات كثيرة من المتابعين، وسيكون التعرض لها في جلسة الأسئلة والأجوبة التي أُعلن عنها مسبقًا في الثاني عشر من محرم الحرام. كما ننوّه إلى ضرورة الإنصات التام أثناء المحاضرة حتى يكون أداؤها جيدًا، مع الاعتذار لمن حصل معه أي انزعاج نتيجة ذلك.
قال تعالى:
نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم
هذه الآية تفتح بابًا لسؤال جوهري: كيف ينظر الجيل الجديد من أبنائنا وبناتنا إلى الله تبارك وتعالى؟ هل يرونه إلهًا يترصد عباده بالعقوبة والرعب، أم ربًا شفيقًا رحيمًا يتعامل معهم بلغة اللطف؟ الحقيقة أن الإنسان يتعامل مع الله على ضوء الصورة التي يتصورها عنه. فمن يرى وجهًا واحدًا للعقوبة والخوف يجلد ذاته كلما أذنب حتى يصل إلى اليأس والقنوط والارتداد، ومن يرى الله رحمة بلا حساب يتجرأ على المعصية وتنشأ فيه روح التمرد. والحقيقة أن الله تبارك وتعالى يريد منا أن نعبده باللغتين معًا: لغة الخوف ولغة الحب.
سنتناول هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور رئيسية.
المحور الأول: كيف ينظر مجتمعنا الإيماني إلى من يمارس المعصية؟
لا إشكال أن كثيرًا من أبنائنا وبناتنا يمارسون المعصية رغم تدينهم وحفاظهم على الصلاة؛ فتجد من يصلي ويصوم لكنه لا يمتنع عن صداقة محرمة، أو امرأة ملتزمة بالصلاة لكنها لا تتحجب، أو مؤمنًا ملتزمًا بصلاة الجماعة لكنه لا يتردد في الغيبة والنميمة. هذا الإنسان يعيش صراعًا داخليًا بين نزعة الإيمان والضعف البشري، فإما أن يبحث عن مبرر شرعي لاستمراره في المعصية، أو يسترسل وراء شهواته اتكالًا على رحمة الله.
فكيف ينظر مجتمعنا الإيماني إلى هذا الإنسان؟ هناك ثلاثة مواقف:
الموقف الأول: موقف الإقصاء
يعتبر أصحاب هذا الموقف أن هذا الإنسان منافق يعيش على مبنى النفاق، ويُطبَّق عليه آيات النفاق:
يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
فهم يرون وجوب إخراجه من حريم المتدينين لأنه يعيش مشكلة النفاق.
الموقف الثاني: موقف الاحتواء
يرى أصحاب هذا الموقف أن هذا الإنسان في الإطار العام لخط التدين، وما دام كذلك فهو في الاتجاه الصحيح، ولعله يهتدي يومًا ويرجع إلى ربه، فلماذا نعامله بلغة الإقصاء؟ يستدلون بقوله تعالى:
وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم
وبقوله تعالى:
يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم
فلماذا نختزل شخصية الإنسان في معصية واحدة وله كثير من الطاعات؟ كما لا يجوز أن نختزل العاصي في طاعة واحدة مع أن له كثيرًا من المعاصي. ويستشهدون بقوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
الموقف الثالث: موقف التبرير
يطرح بعض الباحثين أطروحة مفادها أن التدين شكلان: الالتزام الكامل بكل التعاليم، وهذا خاص بالأولياء، أما بقية الناس فمن الطبيعي أن يكون لهم بعض الذنوب مع بقائهم في الإطار العام للتدين. والمشكلة بنظرهم ليست في الدين بل في الخطاب الديني الذي يصوّر الإله مصدرًا للرعب، مركزًا على سكرات الموت وعذاب القبر وأهوال البرزخ، مما ينفّر الناس من الدين. بينما الدين الحقيقي يعرض الله على أنه عين الرحمة، كما قال تعالى:
كتب ربكم على نفسه الرحمة
وأول آية في القرآن هي آية الرحمة: بسم الله الرحمن الرحيم.
تقييم المواقف الثلاثة
بين الموقف الأول والثالث بون شاسع، وبينهما إفراط وتفريط. فالموقف الأول يحوّل آيات الوعيد، وهي أداة تربوية، إلى صورة مشوهة للدين. والموقف الثالث يحوّل آيات العذاب إلى أداة تبرير بدلاً من كونها أداة تنبيه وتحذير.
المحور الثاني: خطر الازدواجية
الفرق بين المؤمن والفاسق
الإيمان لا يعني العصمة. فالإيمان ليس دوام الطاعة بل دوام الرجوع إلى الله. فرق بين من لا يعصي أبدًا (وهذا هو المعصوم)، ومن يذنب لكنه يعود إلى الله بمجرد أن يذنب، يتأذى ويندم ويتحسر. فهو في حالة دوام رجوع وإن لم يكن في حالة دوام طاعة.
ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
كفى بالندم توبة
وورد في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام:
ما من مؤمن إلا وله ذنب يهجره زمانًا ثم يلمّ به، فإن المؤمن مفتن تواب
فـالمفتن هو من تأسره الشهوة أحيانًا، والتواب هو من يرجع ويندم كلما عرضت عليه الشهوة. وورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
إن المؤمن مفتن تواب، وذلك قوله عز وجل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
أما الفاسق فهو الذي لا يبالي بذنوبه، يفعل الذنب ولا يكترث به، وهذا ما يحوّل الإنسان من خط الإيمان إلى خط الفسق. ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
أشد الذنوب ما استهان به صاحبه
لأنه يجرّئه على المعصية وعلى ما هو أعظم منها. وورد عن النبي صلى الله عليه وآله:
ما يزال العبد يذنب حتى تخرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب محت، وإن عاد عادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدًا
وفي المعنى نفسه يُقال:
تعصي الإله وأنت تُظهر حبه *** هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع
الفرق بين النفاق العقدي والنفاق السلوكي
النفاق العقدي هو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وهو في الواقع كافر به أو بالنبوة، والآيات القرآنية عن المنافقين ناظرة إلى هذا النوع:
ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
أما النفاق السلوكي فهو أن يعيش الإنسان ازدواجية في الشخصية: شخصية ملتزمة بصلاة الجماعة، وشخصية أخرى تمارس المحرمات دون أي إحساس بالتناقض. وهذا لا يقل خطورة عن النفاق العقدي، لأنه إذا رأى الناس هذه الازدواجية في من يعشقون العمرة والحج وزيارة الأربعين، نفروا من الدين وقالوا: كيف يكون هذا دينًا وهو يبرر الازدواجية؟
المحور الثالث: الله مجمع الجلال والجمال
من هنا ننطلق لمعالجة المشكلة. قال تعالى:
تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام
فالجلال إشارة إلى صفات الجلال، والإكرام إشارة إلى صفات الجمال.
صفات الذات وصفات الفعل
صفات الله تبارك وتعالى على قسمين:
صفات الذات: وهي عين ذاته وليست زائدة عليها، وهي ثلاث: العلم، القدرة، الحياة. فالله ليس شيئًا له علم، بل هو عين العلم؛ وليس شيئًا له قدرة، بل هو عين القدرة؛ وليس شيئًا له حياة، بل هو عين الحياة. هذه الصفات مختلفة مفهومًا، متحدة مصداقًا، لا ثنائية بين الله وصفاته، خلافًا للإنسان الذي هو شيء وعلمه شيء آخر.
صفات الأفعال: وهي أفعاله كالرزق والإحياء والإماتة والخلق. وهنا وقع بحث بين علماء الكلام: فبعض أفعاله جلال (كالجبار، المتكبر، شديد العقاب)، وبعضها جمال (كالكريم، الغفور، الرحيم، الودود). فهل هذه الأفعال شيئان أم شيء واحد؟
اتجاهان في فهم أفعال الله
الاتجاه الأول: أن لله فعلين حقيقيين، حقيقة جلالية وحقيقة جمالية، وهذا هو ظاهر الآيات والروايات، كما في قوله تعالى:
هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون
فهذه الآية جمعت بين لوني الجلال والجمال. ولكل فعل موضعه، لأن الله حكيم، والحكيم يضع الأشياء في مواضعها، كما جاء في دعاء الافتتاح:
وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة
وقال تعالى:
عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون
الاتجاه الثاني: أنه لا ثنائية بين أفعاله كما لا ثنائية بين صفاته، فجميع أفعاله حقيقة واحدة وهي الرحمة، وهو جميل في عين جلاله، وجليل في عين جماله. وهذا معنى: تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. فالله قد يتعامل مع العبد بما ظاهره الجلال وهو جمال، وقد يتعامل معه بما ظاهره جمال وهو جلال.
أمثلة من الواقع
قد يبتلي الله الإنسان بالفقر أو المرض أو فقد الأحبة، وهذا ظاهره جلال، كما في قوله تعالى:
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
فقد يكون هذا في باطنه جمال، إذ يريد الله منا تفويض الأمر إليه، كما قال تعالى:
أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
وقد يكون الأمر بالعكس: يعطينا الله الغنى والصحة والأولاد فنفرح ونظن أن هذا كله جمال، وهو في الواقع جلال، لأن الله يريد بهذه النعم أن ينبهنا إلى مسؤولية شكر النعمة. ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:
من أعطي الشكر أعطي الزيادة، وذلك قوله تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم. ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية، وذلك قوله تعالى: ومن يتوكل على الله فهو حسبه. ومن أعطي التقوى أعطي الرزق، وذلك قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
أجر الطاعم الشاكر له أجر كأجر الصائم المحتسب، والمعافى الشاكر له أجر كأجر المبتلى الصابر، والمعطى الشاكر له من الأجر كأجر المحروم القانع
ومما يروى أن أمير المؤمنين علي عليه السلام دخل دار العلاء بن زياد الحارثي، وكانت دارًا واسعة فخمة، فقال له:
يا علاء، ما تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها أحوج في الآخرة؟
فسكت العلاء ولم يجب، فقال له الإمام:
تستطيع أن تبلغ بها الآخرة، تقري بها الضيف، وتصل بها الرحم، وتُطلِع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت فعلت ذلك فقد بلغت بها الآخرة
فالنعمة جمال في ظاهرها، جلال في باطنها يدعو إلى الشكر؛ والفقر جلال في ظاهره، جمال في باطنه يدعو إلى التفويض.
جناحا الخوف والرجاء
كيف نوازن بين الجلال والجمال؟ على المؤمن أن يعيش بجناحين: جناح الخوف وجناح الحب؛ حب لا يجرّئه على المعصية، وخوف لا يقنطه من رحمة الله، فيتعادل الخوف والرجاء فيه، فلا يفرط به طمع يومًا ولا ميل. قال تعالى:
ادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين
وقال تعالى:
ويدعوننا رغبًا ورهبًا
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
المؤمن في قلبه نوران: نور الخوف ونور الرجاء
فإذا نظر إلى صفة الجمال غمره الحب، وإذا نظر إلى صفة الجلال غمرته الرهبة، فيعيش بهذين الجناحين متوازنًا كما نطق به القرآن الكريم. وليس الخوف مسألة غريزية، بل هو استشعار للرهبة والعظمة الإلهية، وليس الحب مسألة غريزية، بل هو رجاء وشكر للنعمة.
مناجاة الإمام زين العابدين
للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام خمس عشرة مناجاة مذكورة في مفاتيح الجنان، منها مناجاة الخائفين ومنها مناجاة المحبين. ففي مناجاة الخائفين يقول:
إلهي، أتراك بعد الإيمان بك تعذبني؟ أم بعد حبي إياك تبعدني؟
وفي مناجاة المحبين يقول:
إلهي، من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدلاً؟ ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حِوَلاً؟
فهكذا كان أئمتنا، صلوات الله وسلامه عليهم، مظهرًا لله في الأرض، جماله في جلاله وجلاله في جماله.
مظهر الجلال والجمال في الإمام الحسين عليه السلام
يظهر الإمام الحسين بن علي، سيد الشهداء عليه السلام، بمظهر الجمال وبمظهر الجلال معًا. ففي ليلة العاشر من المحرم، كان قائمًا قاعدًا راكعًا ساجدًا، يتزود من العبادة والصلاة، يبتهل إلى ربه ويعود إليه عودة البكاء والنحيب، متزودًا من الدنيا إلى الآخرة؛ وهنا يظهر بمظهر الجمال.
أما يوم العاشر من المحرم، فقد أطلق صرخته صامدًا واقفًا أمام أعدائه، وقفة التحدي والإباء والصمود، قائلاً:
ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام
وهنا يظهر بمظهر الجلال.
يقول الإمام زين العابدين إنه لما اشتد الأمر على الحسين، نظر إليه الناس فإذا هو بخلاف حالهم؛ فقد كان الناس إذا اشتد عليهم الأمر تغيرت ألوانهم وارتعدت فرائصهم، أما الحسين فكان كلما اشتد عليه الأمر أشرقت ألوانه وتهلل وجهه.
مسير الركب إلى كربلاء
قال الحسين عليه السلام: من يدلنا على الطريق؟ فقال الطرماح: أنا الذي أدلك على الطريق. ومشى الحسين والطرماح أمامه وهو يقول:
يا ناقتي لا تجزعي من زجري *** وشمّري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر *** آل رسول الله آل الطهر
وبينما الحسين يسير، وقف جواده فأراد أن يحركه فلم يتحرك، فصعد جوادًا ثانيًا فلم يتحرك، وثالثًا فلم يتحرك، فالتفت إلى القوم وقال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: تسمى الغاضريات. قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى وادي الفرات. قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى كربلاء. فتنفس الصعداء وقال:
هاهنا محط رحالنا، هاهنا تُسفك دماؤنا، هاهنا تُحرق خيامنا، هاهنا تُقتل رجالنا، هاهنا تُذبح أطفالنا
نزل الإمام الحسين وطُنبت الخيام، وخرجت العقيلة زينب فرأت الجيوش قد أحاطت بهم من كل مكان، فأقبلت إلى أخيها أبي الفضل العباس تشكو إليه ما رأت من ازدحام الجيوش وإحاطتها بهم من كل جانب.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم، واجعلنا من أنصار الحق والحسين عليه السلام.
