نقد الاستدلال بمذاق الشارع على حرمة البيتكوين
مذاق الشارع وحرمة تعريض المال للخطر: قراءة نقدية في دليل حرمة التعامل بالبيتكوين
تمهيد
كان الكلامُ في الاستدلال بمذاق الشارع على بطلان التعامل بالبيتكوين، وقد قسّمنا البحث إلى جهتين: الجهة الأولى في الكبرى، وهل يُعدّ "مذاق الشارع" طريقًا من طرق الاستنباط أصلًا؟ والجهة الثانية في الصغرى، وهل ينطبق هذا المفهوم -على فرض تسليمه- على مسألة البيتكوين؟
الجهة الأولى: هل مذاق الشارع طريق استنباطي مستقل؟
الصحيح أنّ مذاق الشارع ليس إلا منهجه، ومنهج الشارع عبارة عن حكمه؛ إذ المفروض أنّ ما يصدر من المُشرِّع لا يخرج عن أمرين اثنين: الحكم، والحقيقة الشرعية، سواء كانت هذه الحقيقة الشرعية في الموضوعات -كما في الكرّ والسفر- أو في المتعلَّقات -كما في الصلاة والوضوء-.
وحيث إنّ الحقيقة الشرعية منتفية في محل الكلام، لأنّ المقصود هنا هو حرمة تعريض المال للخطر، وهذا من شؤون الأحكام لا من شؤون الموضوعات أو المتعلَّقات، فلا محالة لا معنى لمذاق الشارع في محل الكلام إلا حكم الشارع نفسه. فمذاق الشارع -إذن- نتيجة استنباطية وليس طريقًا للاستنباط، بخلاف تنقيح المناط والإجماع والارتكاز المتشرعي التي هي طرق حقيقية.
غاية ما في الأمر أنّ حكم الشارع قد يكون تشريعًا خاصًا بمسألة معينة كأحكام الصلاة والصوم، وقد يكون تشريعًا عامًا شاملًا لعدة أبواب ومسائل. وما يُعبَّر عنه بـ"مذاق الشارع" هو من قبيل التشريع العام، وحينئذٍ يحتاج هذا التشريع العام إلى طريق يُثبته، لا أنه هو نفسه طريق.
طريقا الوصول إلى مذاق الشارع
الطريق إلى إثبات هذا التشريع العام له نحوان:
النحو الأول: جمع القرائن المفضية إلى الاطمئنان العقلائي، بحيث يكون المدرك هو الاطمئنان المستند إلى قرائن ومصححات عقلائية. ومثاله: تتبع التشريعات في المناصب المهمة التي يترتب عليها أثر شرعي -كالشهادة والقضاء والائتمام- يُرشد إلى أنّ الشارع يشترط العدالة في كل موقع ديني يترتب عليه أثر.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد في رواية معاتبة الإمام عليه السلام لابنه إسماعيل:
عن حريز، قال: كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله دنانير، وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن، فقال إسماعيل: يا أبه، إن فلانًا يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينارًا، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا بني أما بلغك أنه يشرب الخمر؟ فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس. فقال: يا بني لا تفعل. فعصى إسماعيل أباه ودفع إليه دنانيره فاستهلكها ولم يأت بشيء منها... فلحقه أبو عبد الله عليه السلام فهمزه بيده من خلفه وقال له: يا بني، فلا والله ما لك على الله هذا، ولا لك أن يأجرك ولا يخلف عليك، قد بلغك أنه يشرب الخمر فأتمنته! فقال إسماعيل: يا أبه، إني لم أره يشرب الخمر إنما سمعت الناس يقولون. فقال: يا بني، إن الله عز وجل يقول في كتابه: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، يصدّق لله ويصدّق للمؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم.
النحو الثاني: الارتكاز المتشرعي، وهو حجة بلحاظ كشفه عن رأي المعصوم، ككاشفية الخطاب عن رأيه. وهذا هو ما نصّ عليه السيد الخوئي قدس سره في نفس هذا المورد، حيث قال في معرض الحديث عن اشتراط العدالة في مرجع التقليد (موسوعته، ج١، ص١٨٥):
بزعامة من لا عقل ولا إيمان أو لا عدالة له، بل لا يرضى بزعامة كل من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار؛ لأن المرجعية من أعظم المناصب الإلهية بعد الولايات، وكيف يرضى الشارع الحكيم أن يتصدى لمثلها من لا قيمة له لدى العقلاء والشيعة المراجعين إليه؟... فإن المستفاد من مذاق الشارع الأنور عدم رضى الشارع بإمامة من هو كذلك في صلاة الجماعة، حيث اشترط في إمام الجماعة العدالة، فما ظنك بالزعامة العظمى التي هي أعظم المناصب بعد الولايات؟
ثم يقول في موضع آخر (ص١٨٧) بشأن اشتراط الرجولة في المقلَّد:
وذلك لأنا قد استفدنا من مذاق الشارع أن الوظيفة المرغوبة من النساء إنما هي التحجب والتستر وتصدي الأمور البيتية، دون التدخل فيما ينافي ذلك... وبهذا الأمر المرتكز القطعي في أذهان المتشرعة يُقيَّد الإطلاق ويُردع عن السيرة العقلائية.
فمقتضى كلام السيد الخوئي أنه لا يرى مذاق الشارع دليلًا مستقلًا، بل هو حكم استُكشف عبر الارتكاز المتشرعي، فالارتكاز طريقٌ لتحصيل مذاق الشارع، لا أنّ المذاق نفسه طريق.
مناقشة الأمثلة التطبيقية لمذاق الشارع
المثال الأول: كفارة الإفطار على الحرام
ذكر السيد الخوئي في باب الصوم (الموسوعة، ج٢١، ص٣٤٥) أنّ من أفطر على الحرام وعجز عن إحدى خصال الكفارة، لا تسقط عنه البقية؛ لأنه إذا كانت الكفارة لا تسقط عمّن أفطر على الحلال، فكيف تسقط عمّن أفطر على حرام؟
والجواب: هذا استدلال بالأولوية، وليس استدلالًا بمذاق الشارع، فهو خارج عن محل الكلام.
المثال الثاني: اشتراط العدالة في مرجع التقليد
استدلّ السيد الخوئي بمذاق الشارع على اعتبار العدالة في المرجع، بالقياس على اشتراطها في إمام الجماعة. والجواب: هل يوجد جامع بين الائتمام وحجية الفتوى؟
- فإن وُجد جامع -كالمعذرية والمسقطية المشتركة، إذ الائتمام مسقط للقراءة عن المأموم كما أنّ العمل بفتوى الفقيه مسقط للأمر الواقعي بناءً على الإجزاء- فالانتقال من اشتراط العدالة في إمام الجماعة إلى اشتراطها في المرجع يكون من باب الأولوية، لا من باب مذاق الشارع.
- وإن لم يوجد جامع، فلا يصح التعدي من مورد إلى آخر أصلًا، لاحتمال التعبد الخاص في المورد الأول دون الثاني.
وعلى التقديرين، لا معنى للتوصل بما يُعبَّر عنه بمذاق الشارع.
المثال الثالث: نقل الزكاة عند عدم وجود مستحق في البلد
ذكر السيد الحكيم في المستمسك (ج٩، ص٣٢٢) أنه يلزم نقل الزكاة من بلد المكلف إلى غيره عند عدم وجود مستحق فيه؛ لأنّ عدم وجوب النقل يلزم منه تضييع الحق على مستحقه، وهذا معلوم من مذاق الشارع حرمته.
والجواب: المستحق خارج البلد إما أن يكون مصرفًا لزكاة المكلف داخل البلد أو لا:
- فإن كان مصرفًا، شمله الإطلاق دون حاجة إلى توسيط مذاق الشارع.
- وإن لم يكن مصرفًا، فلا يلزم من عدم النقل تضييع حق مستحق أصلًا.
فالاستدلال بمذاق الشارع هنا ينطوي على نوع من المصادرة على المطلوب.
المثال الرابع: تعارض المجتهدَين المتساويَين
في مسألة تساوي المجتهدَين من كل جهة واختلافهما في الفتوى، عبّر السيد الحكيم الصدر في المحكم في أصول الفقه (ج٦، ص٣٧٩)، وكذلك الشيخ التبريزي في دروسه في مسائل علم الأصول (ج٥، ص١٨٩)، أنّ وجوب الاحتياط الجامع بعيد عن مذاق الشارع المقدس، بل يُقطع بالتسهيل على المكلفين والاكتفاء بالتخيير.
وهنا تعليقان:
التعليق الأول: إذا بلغ الأمر حدّ القطع أو الاطمئنان العقلائي، فحجيته من باب القطع والاطمئنان أنفسهما، وليس من طرق الاستنباط.
التعليق الثاني: بغضّ النظر عن القطع، فالاختلاف بين الفقيهين على أنحاء ثلاثة:
-
وجود علم إجمالي بالتكليف بغض النظر عن اختلاف الفقيهين -كمن يعلم إجمالًا أنّ صلاته إما قصر وإما تمام- فهنا لا أثر لاختلاف الفقيهين، ومقتضى منجزية العلم الإجمالي الجمع بين الوظيفتين.
-
تفاوت في درجة الاحتياط، كأن يفتي أحدهما بوجوب الجمعة تعيينًا ويفتي الآخر بالتخيير بين الجمعة والظهر، فهنا يُعمل بـأحوط القولين كما ذهب إليه السيد الخوئي.
-
الاختلاف على نحو التباين التام، كأن يفتي أحدهما بالجمعة تعيينًا والآخر بالظهر تعيينًا، فلا علم إجمالي بالتكليف، ويُقال بالتخيير.
والسؤال المطروح: هل عدم إلزام الشارع بالاحتياط الحقيقي يعني المصير إلى التخيير، أم يُصار إلى مرتبة من الاحتياط كالعمل بأحوط القولين؟ مجرد العلم بأن مذاق الشارع لا يلزم بالاحتياط لا يكفي وحده لتعيين البديل، وهذا يكشف مجددًا عن أنّ الاستناد إلى "مذاق الشارع" كطريق استنباطي مستقل محل تأمل.
الجهة الثانية: هل تنطبق الصغرى على مسألة البيتكوين؟
يُستدل بأنّ الله تعالى يقول:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]
وقد استُفيد من هذه الآية أنّ الملاك في عدم تسليم المال للسفيه هو معرضية المال للضياع والزوال، فيُقال: إنّ مذاق الشارع لا يرضى بتعريض المال للزوال، والتعامل بالبيتكوين فيه معرضية لضياع المال، فيكون محرَّمًا.
الجواب
لو سلّمنا بالكبرى -وأنّ مذاق الشارع طريق- فهل تنطبق على هذه الصغرى؟ الجواب: لا.
فغاية ما يُستفاد من الآية المباركة، بضميمة الروايتين المفسِّرتين لها، أنّ السفيه لا ولاية له على الأموال، أي أنّ الآية إرشاد إلى حكم وضعي هو حجر السفيه عن التصرف في المال -سواء كان ماله أم مال غيره المحجور عليه- والحكمة في هذا الحجر أن لا يتعرض المال للزوال.
فالذي يُستفاد من هذا المورد هو أنّ من مذاق الشارع عدم تسليم المال بأيدي من يكون تسليم المال بيده معرضًا للزوال، وهذا أمر مختلف تمامًا عن الإقدام على معاملة تجارية مع احتمال الخطر المالي فيها.
فهذا الأخير لا يُستفاد من مذاق الشارع أنه مبغوض، وإلا لحرم التعامل بالأسهم الاعتبارية، ولحرمت كثير من التجارات؛ بل ذُكر في بعض الكلمات أنّ التجارة أصلًا قائمة على فن المغامرة والمخاطرة. فلو كان مجرد احتمال الخطر المالي في المعاملة موجبًا لفسادها، لقلنا بحرمة التعامل بالبيتكوين، لكن هذا لا دليل عليه.
وغاية ما دلّت عليه الآية بضميمة الروايات أنّ تسليم المال بيد من يكون معرَّضًا للزوال ممنوع لأنه محجور عليه، وهذا مورد مختلف تمامًا عن مسألتنا.
الخلاصة
النتيجة أنّ الاستدلال بمذاق الشارع على حرمة التعامل بالبيتكوين غير تام، سواء من جهة الكبرى -كون مذاق الشارع طريقًا مستقلًا للاستنباط- أو من جهة الصغرى -انطباق هذا المذاق على معرضية البيتكوين للخطر المالي-. ويبقى الدليل الأخير في هذا الباب، وهو الاستدلال بمقاصد الشريعة، وهو ما سيأتي الكلام عنه.
والحمد لله رب العالمين.
