عاشوراء٧ محرم ١٤٤٨ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

هل يمكن أن يكون النبي محمد (ص) قدوة حضارية للبشرية في عصرنا الحاضر؟

النبي محمد صلى الله عليه وآله: القدوة الحضارية الخالدة

طرح الإشكالية

هل يمكن أن يكون النبي المصطفى صلى الله عليه وآله قدوة للمجتمع البشري في عصرنا الحاضر؟ وهل يمنع اختلاف الزمان والثقافة بين عصر النبي وعصرنا من كونه قدوة حضارية للإنسان في هذا العصر؟ وما الفرق بين القدوة السلوكية والقدوة الحضارية المادية؟

هذه الأسئلة سنجيب عنها من خلال ثلاثة محاور: الأول في الفرق بين القيم الحضارية الثابتة والوسائل المتغيرة، والثاني في عناصر القدوة الحضارية وتطبيقها على شخصية النبي، والثالث في القيم المُثلى في سيرته الشريفة.

المحور الأول: عناصر القدوة الحضارية

عندما نتساءل هل النبي صلى الله عليه وآله قدوة حضارية للبشرية، لابد أن نحدد أولاً العناصر التي يجب توفرها في القدوة الحضارية، وهي أربعة:

العنصر العلمي والمعرفي

بعض البشر قدّم مخترعات كأديسون الذي اخترع الكهرباء، أو نظريات علمية كأينشتاين الذي توصل لنظرية النسبية، أو أطروحات في العلوم الإنسانية. فماذا قدّم النبي محمد صلى الله عليه وآله على هذا المستوى؟

العنصر الحقوقي

وهو صيانة الكرامة الإنسانية بما يحقق العدالة والمساواة وحماية الفئات المستضعفة. فماذا قدّم النبي على مستوى حقوق الإنسان، وحقوق المرأة خصوصًا؟

العنصر الاقتصادي

الاقتصاد يعني نظمًا مالية تحرك الأسواق وتحقق الرفاه، ونظام توازن بين وسائل الإنتاج وطرق توزيع الثروة. فماذا قدّم النبي في هذا المجال؟

العنصر الاجتماعي

وهو فلسفة الحياة الاجتماعية التي تحكم العلاقات الأسرية وتحافظ على التماسك الاجتماعي. فماذا قدّم النبي على مستوى حقوق الجيران والأرحام؟

هذا هو الإشكال المطروح: هل الفارق الزمني الشاسع بين عصر النبي وعصرنا، واختلاف الثقافة، يمنع من كونه قدوة حضارية للبشرية اليوم؟

الفرق بين القيم الثابتة والوسائل المتغيرة

قبل الإجابة، لابد أن نفرّق بين القيم الحضارية الثابتة والوسائل الحضارية المتغيرة بتغير الأزمنة والحضارات. فالقرآن الكريم يركز على القيم الثابتة لا على الوسائل المتغيرة. يقول تعالى:

هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها

فـ"استعمركم" تعني طلب إعمار الأرض، وهذه قيمة حضارية ثابتة، وهي أن من وظائف الإنسان ومن أهداف وجوده أن يقيم حضارة على الأرض تحقق التفاعل بين معادنها وثرواتها بما يضمن حياة آمنة رفاهية له. لكن وسائل إعمار الأرض تختلف من زمن إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى. فما جاء به القرآن هو القيم الثابتة، أما الوسائل فهي المتغيرة بتغير الثقافات والأنظمة والمجتمعات، فلا ينبغي الخلط بينهما.

المحور الثاني: بيانان في الإجابة عن الإشكال

البيان العام: الفرق بين أسس الحضارة وركائزها

هذا الإشكال لا يختص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله، بل يعمّ كل الأنبياء وكل الكتب السماوية: ماذا قدّمت السماء للمجتمع البشري في العصر الحاضر؟

والجواب أن هناك فرقًا بين ركائز الحضارة وأسس الحضارة، ولا يمكن بناء الركائز قبل بناء الأسس. فركائز الحضارة هي الاقتصاد والتكنولوجيا والنظام الحقوقي، لكنها لا يمكن أن تنهض لتبني حضارة عادلة ما لم تكن هناك أسس سابقة عليها، وهي:

الأساس الأول: هدفية الحياة هل الحياة هادفة أم عبثية؟ لا يمكن بناء الحضارة إلا بعد تحديد الهدف من وجود الإنسان والحياة. يقول تعالى:

وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين

وما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون

الأساس الثاني: تحديد المحورية هل المحورية في الوجود للإنسان أم للخالق؟ إذا كانت للإنسان، فهو من يشرّع لنفسه النظام الحقوقي والاقتصادي وفلسفة الحياة. أما إذا كانت المحورية لخالق الإنسان، فالإنسان حينئذ وكيل وخليفة، ولابد أن يُؤخذ النظام الحقوقي من خالقه لا منه:

قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة

جعلكم خلائف في الأرض

الأساس الثالث: القيم لا يمكن أن تقوم حضارة بلا قيم. بناء القيم قبل بناء المؤسسات، وبناء الضمير الأخلاقي قبل بناء الحضارة المادية، لأن الضمير الأخلاقي هو الحاكم على إدارة الاقتصاد والتكنولوجيا.

الأساس الرابع: الإيمان المحقق للانتماء من الحاجات الأولية للإنسان الحاجة إلى الانتماء، والانتماء للخالق عز وجل هو انتماء فوق كل الانتماءات، لأنه يحقق للإنسان السكينة والاطمئنان والاستقرار. يقول تعالى:

الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب

إذن، فالحضارة البشرية المعاصرة قائمة على ركائز تحتاج إلى أسس، وتلك الأسس قدّمها الأنبياء والرسل والكتب السماوية.

البيان الخاص: الهدف من بعثة النبي

قبل السؤال عمّا قدّمه النبي، لابد أن نسأل: ما هو الهدف من بعثته؟ الهدف هو بناء الإنسان، وبناء الإنسان أسبق رتبة من بناء الدولة، فالإنسان هو الذي يبني الدولة والاقتصاد والحضارة المادية العادلة. لذلك يقول القرآن الكريم:

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

فالهدف من بعثة النبي صلى الله عليه وآله هو الهداية، أي بناء الإنسان. والآن نعرض العناصر الأربعة على شخصيته الشريفة:

على مستوى العلم والمعرفة

قدّم النبي من خلال القرآن والأحاديث النبوية أن العلم والمعرفة أثمن قيم لدى الإنسان، بل هي عبادة حضارية. يقول تعالى:

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

ويقول النبي صلى الله عليه وآله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، ويقول: «الحكمة ضالة المؤمن». كما قدّم فلسفة للحياة تحدد الهدف منها، ومحور الوجود، والقيم الأصيلة التي تدور عليها رحى الحياة الاجتماعية.

على المستوى الحقوقي

وضع النبي صلى الله عليه وآله لائحة حقوقية قبل أن تضع عصبة الأمم لائحتها عام 1948، تشتمل على عدة مبادئ:

المبدأ الأول: كرامة الإنسان

ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر

المبدأ الثاني: المساواة

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم

ويقول النبي صلى الله عليه وآله: «كلكم لآدم وآدم من تراب، الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لعربي على عجمي».

المبدأ الثالث: العدالة

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى

على المستوى الاقتصادي

لابد أن نفرّق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي. علم الاقتصاد كسائر العلوم الطبيعية من وظيفة عقل الإنسان اكتشافه وابتكاره، أما وظيفة السماء فهي وضع مبادئ لبناء الإنسان وضمان توزيع الثروة توزيعًا عادلاً. ومن مبادئ المذهب الاقتصادي الذي وضعته الشريعة المحمدية:

المبدأ الأول: منع الطبقية

كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم

أي أن تدور الثروة بين أبناء المجتمع فلا تنحصر في فئة معينة.

المبدأ الثاني: مكافحة الفقر والفرق الجوهري بين ما طرحه الإسلام وما يطرحه غيره أن الإسلام يرى المال شركة بين الغني والفقير، لا تفضلاً ولا منّة ولا صدقة. يقول تعالى:

وفي أموالهم حق للسائل والمحروم

فعندما يخرج الإنسان خُمس ماله أو زكاته، فهو ليس تفضلاً منه، بل تسليم للفقير حقه وملكه. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: «ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني».

المبدأ الثالث: منع الاستغلال الاقتصادي حارب الإسلام الاستغلال بسدّ أبوابه الثلاثة الرئيسية: الربا، والاحتكار، والغش.

وأحل الله البيع وحرم الربا

على المستوى الاجتماعي

الحضارة المادية التي نحن منبهرون بزخارفها لم تحقق لنا روابط اجتماعية ولا تواصلاً إنسانيًا. أما النبي صلى الله عليه وآله فقد دعا لحضارة مادية مبنية على أساس التواصل الإنساني والترابط البشري، فأكد على:

حقوق الأسرة:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة

حقوق الأرحام:

واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام

حقوق الجيران: قال صلى الله عليه وآله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»

حقوق الإخوة في الإيمان:

إنما المؤمنون إخوة

فبينما نرى في ظل الحضارة الرأسمالية تفككًا أسريًا وتقاطعًا بين الأرحام وتباينًا بين الجيران، أعطانا النبي إنجازات على المستوى الاجتماعي تجعله قدوة حضارية شاملة لكل عصر.

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر

المحور الثالث: القيم المُثلى في سيرة النبي صلى الله عليه وآله

النبي ليس شخصية تاريخية انقضت كما انقضت حضارات الفراعنة وبابل وفينيقيا وبيزنطة، بل هو مشروع إنساني حضاري باقٍ خالد، لأن رسالته عُنيت ببناء الإنسان والقيم والضمير. ونستعرض من سيرته عدة معالم:

الرحمة مع الخصوم

عندما ذهب النبي إلى الطائف داعيًا إلى الإسلام، أمروا صبيانهم وسفهاءهم برجمه بالحجارة حتى أدمت الأشواك رجليه، فاستند إلى حائط رافعًا يديه إلى السماء قائلاً: «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون». وحين ظفر بأشد خصومه يوم فتح مكة، قال لهم: «ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

احترام المرأة

نقل النبي المرأة من عالم كانت فيه متاعًا يورَّث إلى عالم الكرامة:

ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف

وقال صلى الله عليه وآله: «استوصوا بالنساء خيرًا»، و«النساء شقائق الرجال»، و«حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وقرة عيني الصلاة».

قبول التعددية الاجتماعية

بنى النبي في المدينة دولة ضمّت المسلمين واليهود والنصارى، وأوجد بينهم عقدًا اجتماعيًا يحترم كل دين الآخر:

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنه يحب المقسطين

وفرض على أهل الكتاب الجزية كما فرض على المسلمين الزكاة، فالجميع يدفع ضريبة لبناء دولة تُغدق خيرها على كل مواطنيها.

القيم الخلقية العليا

أثنى القرآن الكريم على خلقه العظيم:

فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك

وإنك لعلى خلق عظيم

وقد وصف الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام سيرته قائلاً إن رسول الله كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، يعيش عيشة الفقراء وهو يدير أموال الأغنياء ويحمي اقتصاد المسلمين.

قيمة الإيثار والفداء

ومن أروع القيم التي رسّخها النبي صلى الله عليه وآله قيمة الإيثار والتضحية والفداء، التي تجسدت يوم كربلاء بأجمل صورها، على يد أبي الفضل العباس عليه السلام، ناصر الحسين وكفيله، الذي حقق يوم كربلاء أروع معاني الفداء، حين قُطعت يداه وهو يحمي الماء لأهل بيت الحسين عليه السلام، وسالت دماؤه دون أن يذوق قطرة، وفاءً لعهده ونصرة لإمامه.


نسأل الله تبارك وتعالى بحق أم البنين عليها السلام وأولادها الشهداء الكرام، وبحق باب الحوائج أبي الفضل العباس عليه السلام، أن يقضي حوائج المؤمنين والمؤمنات، وأن يعجل فرج وليّه، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه.