شهر صفر٣ صفر ١٤٤٧ هجريمدينة لندن، المملكة المتحدة

مظاهر الجمال والجلال الإلهيين في عالم الوجود

لماذا خلق الله الشر؟ قراءة في عدالة الله ورحمته

مدخل قرآني: الشخصية الإنسانية المضطربة

قال الله تبارك وتعالى:

وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض

تتحدث هذه الآية المباركة عن الشخصية الإنسانية القلقة المضطربة، تلك التي لا تمتلك التوازن في التعامل مع الأحداث. فالإنسان إذا أُنعم عليه أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر أكثر من الدعاء والشكوى. هذه الشخصية المضطربة كثيرة الشكوى والتبرم والتظلم، تركز دائمًا على الجوانب السلبية للحياة وتغفل الجوانب الإيجابية، تهتم بجوانب النقص وتغض النظر عن جوانب الكمال.

من هنا تنشأ شبهة قديمة تناولتها الأجيال: لماذا خلق الله الشر؟ لماذا خلق الأوبئة والأمراض والحشرات الضارة؟ لماذا يولد بعض الأطفال مشوهين أو مرضى؟ وهل هذه الشرور مظهر لعدالة الله ورحمته، وهو القائل:

وما ربك بظلام للعبيد

والقائل: ورحمتي وسعت كل شيء؟ فأين عدالته ورحمته من هذه الشرور المنتشرة؟

هذا الاعتراض له عدة أجوبة نتناولها فيما يلي.

الجواب الأول: الجواب الكلامي

عندما يُطرح السؤال: أين عدالة الله؟ يجب أن نعرف أولًا معنى العدل، وهو إعطاء كل ذي حق حقه، بينما الظلم هو سلب ذي الحق حقه. والسؤال الجوهري هنا: هل للإنسان أصلًا حقوق على الله؟

الحق ينشأ من نتاج؛ فإذا قدّم موجودٌ نفعًا لموجود آخر استحق عليه حقًا، وإذا لم يقدّم شيئًا فلا يستحق شيئًا. فهل قدّم الإنسان لربه شيئًا قبل أن يُخلق؟ وهل قدّم له منافع بعد أن وُجد في هذه الحياة؟ الجواب: الإنسان لا يستحق على الله شيئًا. فوجود الإنسان فضل من الله، والنعم التي تحيط به فضل من الله، واستمراره في الحياة فضل من الله، وكل ما عنده فهو فضل من الله يعيش في ملكه.

إذا لم يكن للإنسان حقوق على الله، فلا يصح أن يفرض عليه تعاملًا معينًا، وإلا اعتبر أن عدم حصوله على ذلك التعامل ظلمًا. فولادته من أبوين فقيرين، أو ابتلاؤه بمرض، ليس ظلمًا؛ لأن العلاقة بين الله والإنسان هي علاقة فضل ولطف، وليست علاقة استحقاق.

الجواب الثاني: الجواب الفلسفي العلمي

الوجود كله خير، ولا توجد منطقة في الوجود اسمها "شر" على الإطلاق. والسبب أن الوجود أثر الله، والله خير محض، وأثر الخير لا بد أن يكون خيرًا؛ فـفاقد الشيء لا يعطيه. الله وجود جامع لصفات الجلال والجمال، كله قدرة وعلم وحياة وحكمة، فلا يصدر منه إلا الخير المحض.

ما نسميه "شرًا" هو مسألة نسبية وليست حقيقية. فالأشياء التي نعتبرها شرًا هي في حقيقتها خير، لكننا نصفها بالشر لعدم تلاؤمها معنا في ظرف معين. فالحيوانات كلها طاقة، والطاقة خير، لكن إذا لم تتلاءم طاقة مع طاقة أخرى، عبّرنا عن عدم التلاؤم هذا بكلمة "شر"، مع أنه في الواقع خير.

حيوانات نكرهها... وهي خير في حقيقتها

خذ مثلًا الحيوانات التي نصفها بـ"حيوانات القمامة" كالضباع والنسور والديدان، ونعتبرها شرًا. لكنها في الواقع تمارس أدوارًا جوهرية في حفظ التوازن البيولوجي الذي تعتمد عليه حياة الإنسان:

  • الضباع: لها قدرة على هضم العظام وأكل الأنسجة المتحللة التي لو بقيت لأضرت بالبيئة.
  • النسور: تمنع انتشار العدوى والأمراض في المناطق البرية.
  • الديدان: تسهم في تكوين التربة الصالحة للزراعة عبر تدوير المواد العضوية وتحويلها إلى سماد.

الذباب: مثال قرآني على عظمة الله

قال تبارك وتعالى:

يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

هذه الذبابة، عندما تسلب الطعام، تقوم بحركة طيران عمودي ثم مناورات سريعة فائقة السرعة لا تتجاوز واحدًا بالمئة من الثانية، مستعينة بخلايا حساسة في قرون استشعارها وجناحين يمكنها الاستغناء بأحدهما عن الآخر، وتقطع في الساعة عشرة كيلومترات. وهي في الوقت نفسه تسهم في تلقيح النباتات والزراعات. فهي مظهر لعظمة الله وقدرته، ونحن نعتبرها شرًا لعدم تلاؤمها معنا فقط.

يُحكى أن المنصور العباسي جاء إلى المدينة المنورة، ووُضعت أمامه مأدبة، فجاء الذباب إليها، وكان الإمام الصادق عليه السلام جالسًا عنده، فالتفت إليه المنصور قائلًا: يا أبا عبد الله، لماذا خلق الله الذباب؟ فأجابه الإمام عليه السلام: "ليذل به أنوف الجبابرة". فالذباب مخلوق صغير لكنه أقوى من الإنسان أحيانًا، كما تدل عليه الآية الكريمة.

إذن، ما نعتبره شرًا هو مسألة نسبية، ولا يوجد شر حقيقي في الوجود، بل الوجود كله خير.

الجواب الثالث: الجواب العلمي

كثير من الشرور التي ننسبها إلى الله هي في الحقيقة من صنع الإنسان وجوره، لا من الله تبارك وتعالى:

  • انتشار الأمراض والأوبئة، كوباء كورونا الذي عطّل حركة العالم، سببه جور الإنسان.
  • ظاهرة الاحتباس الحراري التي تؤثر على البيئة في كل مكان سببها ظلم الإنسان.
  • ولادة الأطفال المشوهين أو المصابين بأمراض خطيرة كالسرطان، غالبًا ما تكون بسبب خطأ ارتكبته الأم أثناء الحمل، أو نتيجة التزاوج بين شخصين مريضين، أو بسبب زواج الأقارب الذي يُعد منشأً لانتشار كثير من الأمراض الوراثية.

فالشفرة الوراثية لا تنقل فقط نسبة الذكاء أو الطول أو اللون، بل تنقل أيضًا الأمراض من الأجداد إلى الأحفاد عبر أجيال متعاقبة. ومن الأمثلة العلمية على ذلك: أظهر تحليل الكروموسوم الذكري أن التنوع الجيني للذكور قبل سبعة آلاف سنة قد ضعف بشكل لافت، بينما بقي التنوع الجيني للإناث محافظًا على حاله. وهذا يدل على وقوع مجازر وإبادات جماعية للذكور في تلك الحقبة، بسبب صراعات على الموارد أو حروب أو نزاعات قبلية، وأثر ذلك امتد عبر آلاف السنين.

ومثال آخر معاصر: الأسلحة الكيميائية التي ألقاها صدام على مناطق في العراق؛ فأثرها لم ينتهِ في يوم أو يومين، بل يبقى لمئة سنة وأكثر، مؤثرًا على الأجنة والأطفال ومسهمًا في انتشار الأمراض. فحين يتساءل الإنسان: لماذا خلق الله الأطفال مشوهين؟ فالجواب أن هذا جور طاغية وظلم ظالم، لا علاقة له بالله، إلا أن يُقال إن الله يجب أن يمنع الظلم بقوة قاسرة، وهذا يتنافى مع طبيعة الإنسان القائمة على الاختيار والإرادة الحرة في العدل أو الظلم.

الجواب الرابع: الجواب العلمي المقارن

خلق الله هذا الوجود وعاءً للأضداد؛ نور وظلام، موت وحياة. قال تبارك وتعالى:

وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربكم

وقال تعالى:

الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

خلق الله الكون بأضداد لأنه لا تُعرف أهمية الشيء إلا بضده؛ فلا يمكن معرفة منفعة النور حتى تعيش الظلام، ولا معرفة أهمية الصحة حتى تعيش المرض، ولا معرفة عظمة الحياة حتى ترى مظاهر الممات. وقد خلق الله الأضداد لتكون مظهرًا لجلاله وجماله؛ فجماله يظهر في مظاهر الحياة والرحمة، وجلاله يظهر في مظاهر القوة والجبروت.

مظاهر الجمال

قال تعالى:

وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًا فمنه يأكلون وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون

فالأرض الميتة، والنخيل، والأعناب، والزهور، والورود، كلها مظاهر لجماله ورحمته تبارك وتعالى.

مظاهر الجلال: الزلازل والبراكين

كل ما في الوجود من شرور يستند إلى الإنسان، إلا الزلازل والبراكين التي هي خارج عن إرادته ولا يمكن التنبؤ بها؛ فهذه تستند إلى الله تبارك وتعالى لتكون مظهرًا لجلاله، كما جعل مظاهر أخرى لجماله.

الزلزال: في باطن الأرض توجد صفائح عملاقة متحركة فوق طبق مائع يسمى بـ"الوشاح"، فإذا تكدست التوترات بين هذه الصفائح وبلغت حدًا لا يُطاق، حصل الزلزال الذي قد تعادل قوته آلاف القنابل النووية، فتنهار المدن وتتصدع الجبال ويموت الإنسان وكل ما حوله.

البركان: في أعماق الأرض ترتفع درجة الحرارة ويزداد الضغط حتى تصل إلى درجة الانفجار، فتقذف الأرض شظايا منصهرة تتحول إلى حمم نارية ترتفع عن الأرض ثلاثين كيلومترًا، ويغطي رمادها الشمس، وينتشر دمارها ليطال مناطق قارية كبرى.

فالزلازل والبراكين ليست ظاهرة جيولوجية فحسب، بل هي مظهر لرهبة الله وقدرته وجلاله، تشير إلى تلك النهاية العظمى التي وصفها القرآن الكريم:

وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه

وقال تعالى:

إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسان ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها

فالله خلق الزلازل والبراكين ليلجأ إليه الإنسان، وليدرك أن فوق كل قوة وقدرة وجبروت، الملجأ الوحيد هو الله تبارك وتعالى.

الجواب الأخير: الجواب القرآني

عندما يتساءل الإنسان: لماذا تنتشر الأمراض؟ لماذا يولد أطفال مشوهون؟ لماذا نعيش الكوارث والمجاعات والحروب؟ فالقرآن الكريم يجيب أنه إذا اقتصر الإنسان على النظر إلى هذه الحياة القصيرة التي يعيشها -خمسين أو سبعين أو ثمانين سنة- فسيقول إن هذه نقمة وليست رحمة. لكن إذا نظر إلى الحياة الطويلة التي من أجلها خُلق الإنسان، فسيرى فيها مظاهر الرحمة والعدالة.

محطات الحياة الأربع

نحن نعيش في محطة من محطات الحياة، ونمر بأربع محطات:

  1. الجبروت: عالم العقول، وهو أول ما خلق الله، حيث قال للعقل: "أقبل فأقبل"، ولم يقل له: "أدبر فأدبر"، وقال: "بك أثيب وبك أعاقب".
  2. الملكوت: عالم الأرواح الذي كنا فيه قبل هذا العالم.
  3. الناسوت: عالم المادة، وهو هذا العالم الذي نعيش فيه، وهو مجرد محطة من محطات الحياة.
  4. البرزخ: العالم الذي يأتي بعد الموت.

كل محطة هي إعداد وتمهيد للمحطة التي بعدها، وما خُلقنا لهذه المحطة الدنيوية وحدها حتى نتساءل: لماذا خلقنا الله فقراء أو في بيئة مريضة أو في عصر كله كوارث؟ بل خُلقنا لعمر طويل أطول من هذه المحطات كلها. قال تبارك وتعالى:

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب

وقال:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان

أي هي الحياة الحقيقية، وما خُلقنا لهذه الحياة المجازية، بل للحياة الحقيقية. فإذا نظرنا إلى تلك الحياة وما وهبنا الله فيها من نعم وكمالات، أدركنا أننا خُلقنا لرحمة الله، ووجدنا المظهر الواضح لعدالته.

دار الابتلاء

قال الله تبارك وتعالى:

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا

فهذه الدار دار ابتلاء شئنا أم أبينا، فإذا مررنا بها فاز الشكور والصبور، وأخفق القنوط اليؤوس. قال تعالى:

ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون

وقال تعالى:

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب

وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله: "أجر الغني الشاكر كأجر الفقير الصابر"، فمن خاض هذا الامتحان ونجح فيه بالشكر والصبر فاز في هذه المحطة. قال تعالى:

إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

وقال:

واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

صبر أهل البيت عليهم السلام: القدوة العليا

هكذا كان أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين نماذج الصبر الأعلى. يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت"، وعندما رماه صبيان الطائف بالحجارة والأشواك حتى دميت قدماه، استند إلى الحائط وقال: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: "صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبًا".

ويقول الإمام الحسين عليه السلام: "خُط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلا بين النواويس وكربلا، فيملأن مني أكراشًا جوفًا وأجربة سغبًا، لا محيص عن يوم خُط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين".

وهذه العقيلة زينب، عندما سألها عبيد الله بن زياد: "كيف رأيت صنع الله بأخيك والعتاة المرد من أهل بيتك؟" قالت: "ما رأيت إلا جميلًا، هؤلاء قوم كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ".

هذه المرأة الصابرة العظيمة، حين أُدخلت في مثل هذه الأيام إلى مجلس يزيد بن معاوية، والحبل في عنقها وعنق ابن أخيها زين العابدين، وكلما قصّرا عن المشي ضُربا وأُوذيا، ورفع يزيد المنديل عن رأس الحسين وصار يضرب ثناياه بالقضيب، وهي تنظر إلى هذا المشهد المفجع صابرة محتسبة.

اللهم بحق العقيلة زينب، وبحق أطفال الحسين سبايا كربلاء، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، اللهم عجّل فرج وليك وابن أوليائك واكتب له النصر والظفر واجعلنا من أنصاره وأعوانه، اللهم احفظ وانصر المسلمين في كل مكان يا رب العالمين.