فهرست المسائل المستحدثة في التعامل مع البنوك
فهرست المسائل المستحدثة في التعامل مع البنوك
واللَّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
نتعرَّض هذه الليلة لِفهرست إجمالي لبعض المسائل المستحدثة المعروفة في التعامل مع البنوك، تمهيدًا لتناولها بالتفصيل في الليالي القادمة.
المسألة الأولى: بيع الذهب عن طريق المنصّات
لهذه المسألة ثلاث صور ينبغي التمييز بينها:
الصورة الأولى: بيع الذهب مع التفاضل
ذَكَرَ الفقهاء - كما جاء في "المنهاج" للسيد الخوئي قدس سره، وكذلك في منهاج السيد السيستاني دام ظله - في مسألة بيع الذهب أنه:
- لا يجوز بيع الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، مع الزيادة، سواء كان ذلك نقدًا أو مؤجَّلًا. أما بدون زيادة فلا مانع منه.
- لا بأس ببيع الذهب بالفضة أو العكس، بشرط أن يكون نقدًا، ولا يُعتبر تساويهما في الوزن، فحتى لو كانا متفاوتين في الوزن، فلا مانع ما دام البيع نقدًا.
- أما إذا بيع أحدهما بالآخر نسيئةً، فلا يجوز ذلك مطلقًا، حتى لو كانا متساويين في الوزن.
- كذلك لا يجوز بيع الذهب بأزيد قبل قبضه؛ فلو اشترى شخص ذهبًا ثم باعه قبل أن يقبضه بأكثر مما اشتراه به، فهذا لا يجوز عندهم.
مع مراعاة هذه الأحكام الثلاثة، ننتقل إلى ما هو معروف في بيع الذهب عبر المنصّات: فبيع الذهب بالذهب مع التفاضل، أو بيع الذهب بالفضة مع التفاضل نسيئة، لا يجوز. أما بيعه بالنقد، فلا مانع منه؛ لأن المنع خاص بمبادلة الذهب بمثله مع الزيادة، أو مبادلة الذهب بالفضة نسيئة، وهذا هو الممنوع. أما مبادلة الذهب بالنقد فلا مانع منها أصلًا.
الصورة الثانية: بيع الكلّ بالكلّ
كأن يبيع شخص كيلوين من الذهب في ذمته بنقدٍ في ذمة المشتري (العميل) للبنك. والسؤال هنا: هل ينطبق على هذا بيع الكالئ بالكالئ الذي أشرنا إليه إجمالًا في الليلة السابقة؟ فقد ذكرنا أن بيع الكالئ بالكالئ محل إشكال، وهذا يحتاج إلى تفصيل: هل المنع مطلق؟ أم يختص بما إذا كان الدَّينان موجودين قبل البيع؟ أم يختص بما إذا نشأ الدَّينان بنفس البيع؟ وسيأتي تفصيل هذا لاحقًا.
الصورة الثالثة: الشراء بانتظار ارتفاع السعر
إذا اشترى شخص ذهبًا ولم يقبضه، وانتظر ارتفاع سعره، ثم باعه على الغير - فهل يشمل هذا مسألة عدم جواز بيع الذهب بأزيد قبل قبضه؟ أم أن هذه المسألة خاصة بـالبيع الشخصي، أي إذا اشترى ذهبًا معينًا شخصيًا من فلان، وقبل أن يقبضه باعه بأزيد؟ أما لو اشترى ذهبًا كليًّا (غير معين)، وقبل قبض هذا الكلي باعه بأزيد، فهل يشمله المنع، أم أن المنع يختص بالبيع الشخصي؟ وهذا أيضًا سيأتي الكلام عنه بالتفصيل.
المسألة الثانية: الرافعة المالية (المارجن)
هذه معاملة أصبحت مشهورة في المنصّات وعبر البنوك، يُعبَّر عنها بـ**"الرافعة المالية"** أو "المارجن" أو "الشراء بالهامش". وقد وردت حول هذه المسألة استفتاءات لعدد من المراجع.
صورة المعاملة
حاصل هذه المعاملة أنك إذا أردت شراء أسهم أو ذهب أو عملات للمتاجرة بها، ولم يكن عندك سيولة كافية، فإن البنك يقول لك: "كم عندك؟" فتقول مثلًا: عشرة آلاف دولار. فيقول البنك: "أنا أُضاعفها لك عشرين مرة، أعطيك مائتي ألف دولار لتتاجر بها، لكن بشرط أن تصرف هذا المبلغ في شراء أسهم أو عملات بعينها". فأنا لا أُقرضك مطلقًا، بل أُقرضك بشرط أن تلتزم بهذا القيد.
يقوم البنك حينئذ بشراء الأسهم لك بالمبلغ الذي أعطاك إياه، ضمن فترة محددة (شهرين أو ثلاثة مثلًا). فإذا ارتفع سعر السهم - لنفترض من ألف دولار إلى خمسة آلاف - فأنت تربح، والبنك يستوفي مبلغه الذي أقرضك إياه، ويعطيك الأرباح الزائدة.
أما إذا انخفضت قيمة الأسهم، فيجب عليك أن تُعوِّض البنك عن هذا الانخفاض، إما بمبلغ آخر أو من المبلغ الذي أعطاك إياه من البداية. فالبنك يتصرف بالبيع ويأخذ ماله ويُرجع الباقي لك، وتكون الخسارة من خالص مالك. بعبارة أخرى: البنك لا يشاركك في الربح ولا في الخسارة؛ الربح لك، والخسارة عليك، وقد تخرج من المعاملة صفرًا.
الإشكالات الثلاثة في هذه المعاملة
الإشكال الأول: أن القرض هنا مشروط بأن يُصرف المال في شراء أسهم أو عملات أو أعيان كالذهب. فهل هذا الشرط يجعل القرض غير مشروع؟ مع العلم أن البنك يستفيد من ترويج هذه المعاملات.
الإشكال الثاني: أن القرض لا يُقبَض؛ فالبنك لا يُسلِّمك المال بيدك، بل يشتري عنك الأسهم ويبيعها عنك مباشرة، وأنت لا تستلم شيئًا، ولا توجد وكالة منك للبنك بالقبض عنك؛ إذ لا يمكنك أن تبيع أو تشتري مستقلًّا عن البنك، بل كل ذلك يتم عن طريق وساطته.
الإشكال الثالث: وجود فوائد على تبييت الصفقة؛ فإذا مرَّت الفترة المحددة ولم تتصرف، يقوم البنك ببيع ما اشتراه لك ويأخذ فائدة على مدة "تبييت" الصفقة (أي مرور الوقت دون استخدام)، وكذلك في حال انخفاض القيمة، فإن لم تبعها، يقوم البنك بالبيع عنك شئت أم أبيت، ويأخذ فائدة على ذلك أيضًا.
جواب مكتب السيد السيستاني
وُجِّه سؤال إلى مكتب السيد السيستاني دام ظله حول هذه المعاملة، فكان الجواب كالتالي: إذا كان مرجع هذه المعاملة إلى توكيل جهة معينة في الشركة أو البنك (كمديرها مثلًا) بإقراضك المبلغ المذكور، أي بقبضه عنك، ثم قيامها بعملية البيع والشراء نيابة عنك - فالظاهر أنه لا بأس به.
ولماذا اشتُرِط توكيل جهة معينة؟ لأنه لا يصح توكيل المؤسسة بما هي مؤسسة، فلا يصح أن تقول: "أنا أوكل البنك"، بل لا بد من توكيل جهة معينة فيه، كمديره أو الموظف المفوَّض.
أما الفائدة (العمولة) التي يأخذها البنك، فهي ليست شرطًا في القرض، وإنما هي عمولة مقابل قيامه بالبيع والشراء نيابة عنك، باعتبار ذلك عملًا عقلائيًّا يستحق عليه أجرًا.
نعم، لا بد من مراعاة الشروط المعتبرة في بيع المكيل والموزون فيما كان من قبيلهما، كالذهب والنفط والفضة؛ فلا يصح بيع الموزون بالموزون نسيئة، ولا مع التفاضل، ولا قبل القبض بزيادة.
إشارة إلى مسألة القبض في القرض
سيأتي في الليالي القادمة أننا نُرجِّح رأي الشيخ التبريزي قدس سره على رأي السيد الخوئي والسيد السيستاني في مسألة القبض.
رأي السيدين الخوئي والسيستاني
يريان أن القبض لا يتحقق إلا باليد، وبناءً على هذا الرأي، فإن كثيرًا من المعاملات في هذا الزمن تصبح إشكالية:
- أي مبلغ تُحوِّله الدولة إلى حسابي لا أملكه؛ لأنني لم أقبضه باليد.
- أي مبلغ أُهديه لولدي عن طريق التحويل إلى حسابه لا يصح، ولا يكون هبة؛ لأن الهبة مشروطة بالقبض.
- لو أدَّى المدين دينه عبر التحويل، فهذا لا يُفيد؛ لأنه لم يُقبَض.
- لو مات المُحوَّل إليه، فهذا المال لا يُعتبر من ميراثه، وهكذا.
ونتيجة هذا المبنى: أنه لا فرق في هذا الزمن بين البنك الحكومي والأهلي والمشترك، في أن التحويل بالحساب لا تجري عليه أحكام الربا؛ لأن القرض الربوي متقوِّم بالقبض. وهذا الرأي فيه مصلحة للناس من هذه الجهة: فعندما أطلب من البنك قرضًا بفائدة لشراء سيارة مثلًا، ولا يُسلِّمني المبلغ باليد بل يُحوِّله، فإن القرض غير صحيح، والشرط الربوي في ضمنه غير صحيح؛ فلا أكون قد ارتكبت معاملة محرَّمة، والحمد لله.
وكذلك إذا أودعت في البنك مبلغًا عن طريق التحويل، واشترطتُ فائدة عليه، فلا إشكال؛ لأن الإيداع هنا - وإن كان حقيقته إقراضًا - إلا أنه ليس إقراضًا شرعيًّا لعدم تحقق القبض، فاشتراط الفائدة ضمنه ليس شرطًا ربويًّا.
لكن يبقى الفرق بين البنك الحكومي والأهلي في حال القبض الفعلي باليد: فإن كان البنك أهليًّا فلا إشكال، وإن كان حكوميًّا فالمال المقبوض يكون مجهول المالك، يحتاج التصرف فيه إلى إذن الحاكم الشرعي. وإن كان البنك مشتركًا، فبمقدار نسبة الدولة من هذا المال يحتاج إلى إجازة في التصرف.
رأي الشيخ التبريزي
أما بناءً على مبنى الشيخ الأستاذ التبريزي قدس سره، فإن القبض هو السلطنة على التصرف، وليس القبض باليد تحديدًا. فرهنٌ مثلًا يكون "مقبوضًا" بالنظر العرفي إذا كانت لك سلطنة على التصرف فيه، حتى لو لم يكن تحت يدك، كما لو كانت أموالك في بلد وأنت في بلد آخر، لكن لك سلطة التصرف فيها - فهذا قبض.
وبناءً على هذا المسلك، فإن ما كان سلطنة على التصرف - وإن لم يكن قبضًا باليد - تنحل به كثير من المعاملات، لكن يترتب على ذلك جريان أحكام القرض الربوي في التعامل مع البنوك عن طريق التحويل.
هذا ما أردنا بيانه هذه الليلة، وفي الليالي الآتية إن شاء الله نتكلم عن هذه المسائل بشكل تفصيلي، والحمد لله رب العالمين.
