شهر رمضان المبارك٩ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

مقاصد الشريعة وتطبيقها على التعامل بالبيتكوين

مقاصد الشريعة وتطبيقها على مسألة التعامل بالبيتكوين

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين، اللهم صلِّ على نبينا، واللعنُ الدائمُ على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قد يُستدَلُّ على حُرمة المعاملة بالبيتكوين بأنَّها مُقتضى مقاصد الشريعة، والبحث في ذلك يقع في مقامين: الأول في تحديد الكبرى، والثاني في التطبيق على الصغرى.

المقام الأول: في كبرى مقاصد الشريعة

ويُبحث فيه من عدة جهات:

الجهة الأولى: تعريف مقاصد الشريعة

ما هو المراد بـمقاصد الشريعة؟ مقاصد الشريعة هي الأهداف العليا، سواء كانت للمجتمع الإسلامي أو المجتمع الإنساني، في أمور الدين أو أمور المعاش أو العلاقات الاجتماعية. كأن يُقال إن من مقاصد الشريعة إقامة العدالة، لقوله عز وجل:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]

فإقامة القسط وتحقيق العدالة من مقاصد الشريعة.

وأما ما ذكره الشاطبي رحمه الله في كتابه "الموافقات" (ج٢، ص١٧) حيث قال: "المصالح على ثلاثة أقسام: ضرورية كنفقة الإنسان على نفسه، وحاجية كنفقته على زوجته، وتحسينية (تتميمية) كنفقته على أقاربه؛ لأنها من تتمة مكارم الأخلاق"، فلا شاهد في هذه العبارة على تحديد مقاصد الشريعة بمعنى الأهداف العليا. نعم، نفقة الإنسان على نفسه إذا توقف عليها حفظ حياته فهو من مقاصد الشريعة، وإلا فوجوب النفقة على الزوجة أو الأولاد هو من الأحكام الشرعية، لا أنها بذاتها من مقاصد الشريعة بمعنى الأهداف العليا.

الجهة الثانية: طرق اكتشاف المقاصد العليا للشريعة

الطريق الأول: لسان الدليل

قد يكون لسان الدليل بحسب سياقه، أو ببركة بعض القرائن الارتكازية، ظاهرًا في أن مضمونه من الأهداف والمقاصد العليا للشريعة. كما ذكرنا في آية إقامة القسط، فمقتضى جعل إقامة القسط غاية لبعثة الأنبياء والرسل أنها من المقاصد العليا، وإلا لا معنى لجعلها غاية للبعثة.

ومن ذلك أيضًا حرمة الإنسان، كما يظهر من عدة نصوص، منها قوله تبارك وتعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]

فإن للإنسان حرمته ما لم يهتك حرمته بكفر أو حرب أو نحو ذلك، وإلا فالأصل فيه الحرمة.

ومن المقاصد أيضًا حفظ النظام، حيث إن وجود النظام الحامي للأنفس والأعراض والأموال من المقاصد العليا للشريعة، وهو ظاهر عدة من النصوص، منها قوله تبارك وتعالى:

﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]

فإن ظاهره أن الفساد بمعنى فساد النظام، أي اختلاله بنحو تكون الأنفس أو الأعراض أو الأموال في معرض التلف، من المقاصد العليا التي تُحفظ.

ومنها ضرورة العبادة وأماكن العبادة، كما يظهر من قوله عز وجل:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]

فظاهره أن ذكر اسم الله وحفظ المواطن التي يُذكر فيها اسم الله من المقاصد المهمة.

ومن المقاصد أيضًا عدم فرقة المسلمين، كما يظهر من عدة آيات، منها قوله عز وجل:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]

وقوله عز وجل:

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]

ومنها حفظ النفس عن الهلاك والتلف، كما يُستفاد من قوله تعالى:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]

ومنها أن الشريعة سهلة سمحة مبنية على اليُسر، كما هو المستفاد من عدة نصوص، منها قوله عز وجل:

﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]

وقوله عز وجل:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]

فإن هذه الألسنة، بمقتضى احتفافها بالمرتكزات العقلائية القائمة على ضرورة هذه الأمور، تكون ظاهرة في كون مضامينها من المقاصد العليا. ولذلك قيل إن لسانها يأبى التخصيص، إما لخصوصية لسانية كأن يكون اللسان لسان الحصر، أو لاحتفاف الدليل بمرتكز عقلائي واضح يوجب إباء سياقه عن التخصيص.

الطريق الثاني: استقراء الأدلة والأحكام المعلومة العلة

فإذا استقرأ الفقيه مجموعة من الأحكام المعلومة العلة، اكتشف من خلالها ما هو من مقاصد الشريعة. مثلًا، لو نظر لمجموع نواهي الشارع عن التصرف في مال المسلم بدون إذنه، مثل:

«لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطِيبِ نفسِه»

وحرمة الغيبة، وحرمة الإهانة، وحرمة سوء الظن، فمن مجموع هذه النواهي يُستفاد أن من مقاصد الشريعة حفظ حرمة المؤمن، فلا يُغتاب ولا يُهان ولا يُساء الظن به ولا يُعتدى على شيء من شؤونه.

الجهة الثالثة: حجية الاعتماد على مقاصد الشريعة

إذا ثبت المقصد الفعلي للشريعة أمكن التعويل عليه، أقلًا بتقريب أن الشارع المقدس لو لم يشرع ما يحفظ مقاصده التي عُلمت للزم الخُلف ونقض الغرض، وحيث إن نقض الغرض قبيح، نستكشف في كل مورد ينطبق عليه مقصد من مقاصد الشريعة أن هناك أحكامًا شرعية تحفظ بقاء هذا المقصد واستمراره.

وتطبيق ذلك يمر عبر ثلاث خطوات:

الخطوة الأولى: إحراز ثبوت المقصد بطريق معتبر، سواء كان قطعيًّا بأن أُحرز المقصد على نحو القطع أو الاطمئنان، أو لم يكن قطعيًّا كما لو قام عليه دليل معتبر؛ إذ لا يُشترط في ثبوت مقصد الشريعة أن يكون أمرًا قطعيًّا، بل يكفي أن يقوم عليه دليل معتبر. نعم، لو كان هذا الدليل معارضًا بدليل معتبر آخر يدل على حكم مضاد، دخل المورد في باب التعارض إن لم يكن بينهما جمع عرفي.

الخطوة الثانية: أن يكون المقصد مطلقًا، بمعنى أن يُستفاد من دليله أن الشارع يريده على كل حال، لا أنه يريده في بعض الموارد وفي حدود معينة. مثلًا، قد يُدَّعى في بعض الكلمات أن المقصد من تشريع العدة على المرأة عند طلاقها هو منع اختلاط المياه، فلا معنى لتشريع العدة للمرأة التي لا رحم لها، أو التي لم يعاشرها زوجها سنين ثم طلقها، باعتبار أن هذا المقصد لا ينطبق على مثل هذه الموارد. والجواب: أنه لم يثبت من النصوص أن هذا المقصد مطلوب على نحو الإطلاق، وأنه المدار الذي تدور عليه العدة وجودًا وعدمًا.

الخطوة الثالثة: إحراز عدم المزاحم، فإن مصلحة الإلزام في الشريعة قد تُزاحَم بمصلحة التسهيل، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله:

«لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمَرْتُهُم بالسِّواكِ مع كلِّ صلاةٍ»

ومن هذا الباب أن يُقال إن ظاهر بعض الروايات المعتبرة أن زيارة الحسين عليه السلام فريضة، حيث ورد عن الصادق عليه السلام:

«زيارةُ الحسينِ فريضةٌ على كلِّ مؤمنٍ يُقِرُّ للحسينِ بالإمامة»

فيُقال إن مقتضى هذه الرواية وجوب الزيارة، ولكن حيث إن مصلحة الإلزام بها مزاحمة بمصلحة التسهيل، لم يقل أحد من فقهائنا بوجوبها مطلقًا، مع أن لسان الرواية لسان الإلزام. ولذلك لا يبعد ما ذهب إليه صاحب الحدائق رضوان الله تعالى عليه من وجوب زيارة الحسين عليه السلام في العمر مرة، عملًا بظاهر جملة من الروايات.

فإذا تمت هذه الخطوات الثلاث أمكن أن يقال إن مقتضى مقصد الشريعة وجود حكم يحفظ به هذا المقصد.

مثال تطبيقي في كتب الفقه المعاصرة: استُدل في بعض كتب الفقه المعاصر على حرمة العزل (أن يعزل الرجل ماءه عن زوجته أثناء المقاربة) بأن حكمة النكاح الاستيلاد وتكثير النسل، ولا يحصل ذلك مع العزل، فيكون جوازه منافيًا لغرض الشارع ومقصده، فيكون العزل محرمًا في الزواج الدائم.

ولكن يُلاحَظ على ذلك:

أولًا: عدم ثبوت حرمة العزل مطلقًا، كما يظهر من مراجعة أدلة هذا الباب. فقد وردت صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام أنه سُئل عن العزل، فقال:

«أما الأَمَةُ فلا بأسَ، وأما الحُرَّةُ فإنِّي أكرهُ ذلك، إلا أن يُشترَط عليها حينَ يتزوَّجُها»

وهذه الصحيحة، مضافًا إلى تعبيرها بالكراهة لا بالتحريم، معارضة برواية أخرى في الوسائل (ج٢٠، كتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، باب ٧٥، ح١)، عن محمد بن مسلم أيضًا، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العزل، فقال:

«ذاك إلى الرجلِ يصرِفُه حيثُ شاء»

فمقتضى الجمع بين الروايتين أن الحرمة غير ثابتة فعلًا، بل غايته الكراهة.

وقد ذكر صاحب العروة الوثقى قدس سره في مسألة العزل أن الأقوى ما هو المشهور من الجواز مع الكراهة، بل يمكن أن يقال بعدمها أو أخفيتها في العجوز والعقيم والسليطة (سليطة اللسان) والبذيّة، والتي لا تُرضع ولدها، والأمَة. وذلك استنادًا لرواية يعقوب الجعفي (الوسائل، أبواب مقدمات النكاح، باب ٧٦، ح٤) عن أبي الحسن عليه السلام:

«لا بأسَ بالعَزلِ في ستةِ وجوهٍ: المرأةِ التي تيقَّنتَ أنها لا تلِدُ، والمُسِنَّةِ، والمرأةِ السليطةِ، والبذيَّةِ، والمرأةِ التي لا تُرضِعُ ولدَها، والأَمَةِ»

وربما يُقال إن تعبيره عليه السلام بـ"المرأة التي تيقنت أنها لا تلد" يُشعر بأن العزل إنما يُباح عند انتفاء أمل الاستيلاد، وهذا يعني أن حكمة المنع هي حفظ النسل. لكن هذا مجرد تعداد لموارد ارتفاع الكراهة عن العزل، وليس دليلًا على الحرمة.

وثانيًا: منع الصغرى، إذ لا ملازمة بين العزل وامتناع النسل، فهناك وسائل عديدة، خصوصًا في العصر الحديث، للوصول إلى النسل من غير طريق العزل، فلا ينحصر الأمر فيه حتى يقال إن جواز العزل يُنافي مقصد الاستيلاد وتكاثر النسل.

نعم، لو فرض أن دولة أصدرت قانونًا يمنع الإنجاب مطلقًا، فحينئذٍ يمكن القول بأن المصادقة على هذا القانون تتنافى مع مقصد من مقاصد الشارع، وهو تكاثر نسل المسلمين، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

«تناكَحوا تناسَلوا فإنِّي مُباهٍ بكم الأُمَمَ يومَ القيامةِ حتى بالسِّقطِ»

الجهة الرابعة: تطبيقات مقاصد الشريعة

التطبيق الأول: ظاهر مجموعة من النصوص أن المشرّع يُبغض ما يثير الشهوة والريبة بين الرجل والمرأة، من ذلك قوله تبارك وتعالى:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠-٣١]

وقوله تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]

وقوله تبارك وتعالى:

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]

فإن مجموع هذه النصوص يُستفاد منه أن من مقاصد الشريعة المهمة ألا يقع عمل يثير الشهوة والريبة بين الجنسين، فللفقيه أن يُحرِّم بناءً على هذا المقصد أن تلبس المرأة لباسًا شفافًا أو ضيقًا، أو أن تكون وظيفتها مختلطة مع الرجال بحد يكون فيه معرضية لإثارة الشهوة والريبة.

التطبيق الثاني: موارد التزاحم. إذا وقع تزاحم بين واجبين، فإن تقديم أحدهما على الآخر فرع أهميته، ومعنى الأهمية أنه من المقاصد الأهم للشريعة، كما لو تزاحم حفظ النفس مع حفظ العرض، أو حفظ العرض مع حفظ المال، ففي هذه الموارد يُقدَّم الأهم على المهم.

التطبيق الثالث: موارد احتكار الطعام. في صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به (أي ينتظر غلاء الأسعار)، هل يجوز ذلك؟ فقال عليه السلام:

«إن كان الطعامُ كثيرًا يَسَعُ الناسَ فلا بأسَ به، وإن كان الطعامُ قليلًا لا يَسَعُ الناسَ فإنه يُكرَهُ أن يُحتَكَرَ الطعامُ ويُترَكَ الناسُ ليس لهم طعام»

(الكافي، ج٥، ص١٦٥). فقد يُقال إن الرواية، وإن عبّرت بالكراهة، إلا أن مقتضى مناسبة الحكم للموضوع أن يكون المنع هنا إلزاميًّا؛ لأن نتيجة الاحتكار حرمان الناس من الطعام، ومن الواضح أن وفور الغذاء للناس من المقاصد العليا بحسب المرتكزات العقلائية.

هذا تمام الكلام في الكبرى.

المقام الثاني: تطبيق مقاصد الشريعة على التعامل بالبيتكوين

ننتقل الآن للصغرى، أي تطبيق ما تقدم على مسألة التعامل بالبيتكوين: هل يتنافى هذا التعامل مع مقصد من مقاصد الشريعة أم لا؟

نذكر هنا دعوى ينبغي التأمل فيها: يُدَّعى أن المستفاد من عدة موارد من الأحكام الشرعية، نحو حرمة الربا:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

وظاهره أن أخذ الزيادة الربوية ظلم مالي. ومنها ما دلَّ على حرمة الغش، كما ذكره الأعلام في المكاسب المحرمة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

«من غَشَّ أخاهُ المسلمَ نزَعَ اللهُ بركةَ رزقِه، وسدَّ عليه معيشتَه، ووكَلَه إلى نفسِه»

وقد ذكر السيد الحكيم قدس سره في كتاب "منهاج الصالحين" (كتاب التجارة، ج١، ص٢٢٩) نقلًا عن صاحب الجواهر أن حرمة الغش مما لا خلاف فيه بل عليه الإجماع بقسميه، والنصوص فيه مستفيضة أو متواترة. ومن الواضح أن الغش يستبطن ظلمًا ماليًّا من أحد الطرفين على الآخر.

ومن هذه الموارد أيضًا حرمة الاحتكار التي تقدم ذكر دليلها، وحرمة السَّبَق إلا في موارد محددة، كما وردت بذلك عدة روايات، منها ما في الوسائل (ج١٩، كتاب السبق والرماية، باب٣، ح١)، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ أو حافرٍ أو نَصْلٍ»

(أي النضال)، فيُقال إن منع أخذ المال على السَّبَق في غير هذه الموارد الثلاثة باعتبار أن الشارع يرى ذلك كسبًا للمال بطريق غير مشروع.

ومن هذه الموارد أيضًا ما دلَّ على حرمة القمار (الرهان المحرَّم)، من ذلك الرواية المعتبرة عن زياد بن عيسى (أبي عبيدة الحذاء) في الوسائل (ج١٢، باب٣٥ من أبواب ما يُكتسب به، ح١)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله عز وجل:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]

فقال: «كانت قريشٌ يُقامِرُ الرجلُ بأهلِه ومالِه، فنهاهم اللهُ عن ذلك».

بتقريب أن النسبة بين مفاد هذه الآية المباركة - التي تذكر الكبرى الكلية - وبين هذه الروايات التي دلت على حرمة الربا والغش والرهان والسبق (إلا في الموارد المحددة) والاحتكار، بالنظر إلى مجموعها، أن يُقال إن الآية تضمنت الأصل والكبرى، وما ورد في أدلة المكاسب المحرمة بمثابة تطبيقات لهذه الكبرى.

وظاهر المجموع أن كسب المال من غير ما أُحرزت شرعيته، أو أُحرزت عقلائيته الممضاة شرعًا، فهو من الباطل. ويُدَّعى أن هذا منطبق على التعامل بالبيتكوين، فإنه كسب للمال عن طريق لم تُحرَز شرعيته بإطلاق دليل، ولا عقلائيته باتفاق العقلاء عليه، خصوصًا مع منع كثير من الأنظمة والدول والمؤسسات من التعامل به، فيكون مصداقًا للباطل، وبالتالي يكون هذا هو الوجه في تحريمه.

يأتي الكلام عن مناقشة هذه الدعوى إن شاء الله تعالى، نسأل الله أن ننهي في الليلة القادمة الكلام عن التعامل بالبيتكوين وندخل في معاملة أخرى، والحمد لله رب العالمين.