عاشوراء١٢ محرم ١٤٤٨ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

مجلس الأسئلة والأجوبة: إجابات على استفسارات المحاضرات الحسينية

مجلس الأسئلة والأجوبة: إجابات سماحة السيد منير الخباز على استفسارات المحاضرات الحسينية

مقدمة الجلسة

في اليوم الحادي عشر من شهر محرم الحرام، وبعد أيام العزاء على سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، اجتمع المؤمنون لمواصلة التزود من مدرسة أهل البيت عليهم السلام، مدرسة الوعي والبصيرة والإيمان، وذلك في حضرة الضيف الحسيني سماحة آية الله السيد منير الخباز دام ظله.

ونظرًا لكثرة الأسئلة والاستفسارات التي وردت حول المواضيع الفكرية والعقدية والاجتماعية التي طرحها سماحته خلال الليالي العشر الأولى من محرم، خُصصت هذه الجلسة بأكملها للإجابة عنها، وفق ترتيب المحاضرات السابقة، بدءًا بأسئلة المحاضرة الأولى وصولًا إلى ما تلاها.

أسئلة المحاضرة الأولى

هل وجود الإنسان ضروري لاستمرار الحياة؟

ورد سؤال حول أن بقاء الحياة يمكن أن يتم دون وجود الإنسان، وأن وجوده لا يضيف شيئًا لها، بل هو "مستهلك لا مُعطٍ"، وهذا - بحسب السؤال - يثبت أنه لا هدف من وجوده.

وأجاب سماحته بأن وجود الإنسان عنصر ضروري للحياة ولا يمكن الاستغناء عنه، فلو لم يوجد الإنسان على الأرض لكانت الأرض غابة كسائر الغابات التي تفترس فيها الحيوانات بعضها بعضًا، دون تطور أو نمو. كما أن معادن الأرض وطاقات الكون ستبقى خبيئة إذ لا يوجد من يكتشفها أو يفعّلها أو ينمّيها.

وأشار إلى أن التصميم الدقيق للكون يكشف عن وجود هدف منه؛ فهذه الدقة المتناهية في التصميم - التي لو اختل منها قدر ذرة لما أمكن وجود الحياة - لا تتناسب مع فرض أن يبقى الكون مجرد "حياة غابات" لا استثمار فيها ولا نمو. وبما أن تحقيق الهدف من الوجود يتوقف على وجود مخلوق عاقل يستثمر عقله في استخراج المعادن واستنطاق الطاقات وبناء حضارة كونية، فإن وجود الإنسان ضروري لتحقيق هذا الهدف. واستشهد سماحته بقوله تعالى:

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

وقوله تعالى:

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ

هل القيم الأخلاقية حس فطري أم توافق اجتماعي؟

طُرح سؤال حول أن الحس القيَمي قد يكون نتاج تطور المجتمع البشري ثقافيًا، لا حسًا أصيلًا في الإنسان، وهو رأي مطروح في الفلسفة يذهب إلى أن القيم كالعدالة والكرامة والمساواة مجرد توافقات عقلائية توصل إليها الإنسان لضرورة بناء الحياة.

وردّ سماحته بأن هذا الرأي غير صحيح، لأن السؤال يبقى بلا جواب: لماذا اختار الإنسان هذه القيم بالذات (العدالة، الأمانة، الإحسان) دون غيرها كأساس لبناء الحياة؟ فلو لم تكن هذه القيم بذرة مغروسة في صميم الإنسان، لما توصل إليها تحديدًا من دون سواها. وأوضح أن هناك فرقًا بين الاعتقاد الفطري بضرورة العدالة كمبدأ عام، وبين التفاصيل التشريعية للحقوق (حق الزوج، حق الأولاد، حق الجار...) التي جاءت متأخرة بعد نضج ثقافي ونزول الشرائع السماوية.

كيف تبنت الفلسفات المادية منظومة حقوق الإنسان؟

أُثير سؤال حول كيفية تبني بعض المدارس المادية كالعلمانية الإنسانية لمنظومة حقوق إنسان صارمة، مع أن منطلقاتها الفلسفية لا تسعفها في تبرير هذه القدسية للإنسان، وهل هذا تناقض معرفي بين نفي الغائية وإثبات الحقوق؟

وبيّن سماحته أن لائحة حقوق الإنسان التي صدرت أول مرة عن عصبة الأمم عام 1948، ثم تفصيلًا عن الأمم المتحدة، لم تُبتدع من العلمانية أو الرأسمالية بما هما فلسفتان، بل نتجت عن دراسات كتبها علماء قانون من الشرق والغرب، كثير منهم كان يؤمن بالدين ويعتقد بأن الإنسان وجود هادف. أما الفلسفات اللادينية الأخرى فهي مضطرة للخضوع لهذه اللائحة كونها أساس الكيان العالمي المعاصر.

هل الأخلاق شرط لعدالة الحضارة أم لاستمرارها؟

ورد سؤال عن الركائز الأربعة للحضارة (احترام النظام، استثمار الوقت، العلم، مكافحة الفساد)، وهل غياب المسؤولية القيمية يؤثر فقط على عدالة الحضارة، أم يؤدي إلى انهيارها الوجودي أيضًا؟

فأجاب سماحته بأن الضمير الأخلاقي ليس شرطًا لعدالة الحضارة فقط، بل شرط لاستدامتها وبقائها. فلولا بقايا الضمير الأخلاقي لضربت الدول بعضها ببعض ولاستُخدمت التكنولوجيا للقضاء على الإنسان نفسه، ومن يعيش بلا ضمير أخلاقي لا يفكر إلا في صدارته وسيادته الخاصة، متجاهلًا التفاعل الذي تقوم عليه الحضارة الكونية، مستشهدًا بقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا

أسئلة المحاضرة الثانية

تسلسل مراحل علم الله في رواية "العالم"

طُرح سؤال حول تفسير التسلسل الوارد في رواية معلّى بن محمد عن العالم (وهو لقب يُطلق في رواياتنا على الإمام الكاظم عليه السلام) حين سُئل: كيف علم الله؟ فقال عليه السلام:

علم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد

وقدّم سماحته شرحًا مبسطًا لهذه المراحل:

  • العلم: علم الله منذ الأزل بمصالح الوجود، كعلمه بمصلحة وجود الأرض والإنسان والنبي صلى الله عليه وآله.
  • المشيئة: تعني إعداد الأسباب التي تحقق ما عُلمت مصلحته، كإعداد أسباب وجود النبي (عبد الله، آمنة بنت وهاب، مكة...).
  • الإرادة: هي الخطوة الأخيرة، أي تنفيذ الأسباب بحيث لا تتخلف، كما في قوله تعالى:

إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

  • التقدير: وضع حدود معينة للمشيئة (كتحديد الزمن والمكان والأب والأم لوجود شيء ما).
  • القضاء: إيجاد الأشياء على ضوء ما قُدّر، كمن يبني بيتًا على ضوء خارطة رسمها مسبقًا (فالخارطة تقدير، والبناء قضاء).
  • الإمضاء: هو رفع المانع من استمرار الشيء وبقائه، كجنين قد يُشاء له الوجود ويُقدَّر له عمر معين، لكن قد يطرأ عليه مانع يحول دون بقائه.

معنى قول الإمام علي: "أفرّ من قضاء الله إلى قدره"

سُئل عن هذه الرواية التي جاء فيها أن الإمام علي عليه السلام كان جالسًا عند حائط بدأ يتصدع، فانتقل عنه، فقيل له: كيف تفر من قضاء الله؟ فقال: "أفر من قضاء الله إلى قدره".

وبيّن سماحته أن معنى ذلك: سقوط الجدار لو تم لكان قضاءً منفذًا، لكن الله تعالى قدّر للإمام عمرًا وحياة والتفاتًا مسبقًا يجنبه الخطر، فهو بانتقاله يفرّ من احتمال القضاء إلى ما قدّره الله له من النجاة.

الإيمان بالبداء وضمان نتائج العمل

أُثير إشكال حول أن الإيمان بالقدر والبداء يمنع الشعور بضمان نتائج العمل، لكون الأمور بيد الله ومنوطة بمصلحة خاضعة لعلمه المجهول عندنا.

وأوضح سماحته أن الإمامية يعتقدون بالبداء، المستفاد من قوله تعالى:

يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

فهناك علم لا يتغير (أم الكتاب) وعلم خاضع للإثبات والمحو. وأما الجواب عن الإشكال، فإن المطلوب من الإنسان ليس الضمان الكامل (مئة بالمئة)، بل الضمان العقلائي المبني على حساب الاحتمالات، وهو ما يكفي لقيام الأعمال والمشاريع والدول والتجارات، دون تعارض مع الاعتقاد بالبداء.

أسئلة من الجمهور

لماذا أخفى الله نفسه عن الخلق؟

أجاب سماحته مستشهدًا بالحديث القدسي:

كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف

وبرواية عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

أن معنى "ليعبدون" هو "ليعرفون". وبيّن أن الإنسان محدود ولا يمكنه الإحاطة بمعرفة الله اللامحدود، لكن يمكنه التعرف عليه بمقدار ما يسعه عقله ومستواه الثقافي، فالله أخفى المعرفة الكاملة لا أصل المعرفة، لأن الإنسان لا يتحملها.

التوفيق بين علم الله الأزلي واختيار الإنسان

سُئل: كيف نوفق بين علم الله الأزلي بأفعال الإنسان وبين عنصر الاختيار؟ إذ إن علم الله ليس جهلًا، فما علمه سيتحقق حتمًا، فأين الاختيار؟

وأجاب سماحته بأن ما علمه الله ليس حصول الفعل مطلقًا، بل حصول الفعل عن اختيار. فعلم الله متعلق بقضية شرطية: أن فلانًا سيختار كذا، فعنصر الاختيار دخيل في المعلوم الإلهي نفسه. ولو لم يكن الاختيار دخيلًا في متعلق العلم، لكان علم الله غير مطابق للواقع، لأننا بالوجدان نرى أن أفعالنا تصدر عن اختيار.

مناقشة نظرية "الجين الإلهي"

طُرح سؤال حول نظرية دين هامر عن "الجين الإلهي"، وهل يوجد تعارض بينها وبين اعتقاد المسلمين بالفطرة؟

وأوضح سماحته أن الإسلام يعتقد بأن الميل إلى الله فطري في كل الإنسان دون استثناء، كما في قوله تعالى:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ

بخلاف نظرية هامر التي تفترض أن المتدينين فقط يمتلكون "جينًا" خاصًا يميزهم عن غيرهم، وهذه فكرة شاذة لا دليل علمي عليها. كما أوضح أن كون التوجه إلى الله فطريًا لا يعني أنه علة تامة، بل هو استعداد قابل للتأثر والتغير بالبيئة والمحيط والمستوى الثقافي، كسائر الأمور الفطرية الأخرى.

كيف يميّز الإنسان البسيط بين الدين والعادات الاجتماعية؟

سُئل عن المعايير التي يمكن للإنسان غير المتخصص استخدامها للتمييز بين ما هو حقيقة دينية ثابتة بالبرهان، وما هو مجرد عادات وتقاليد اجتماعية أُلبست لباس الدين.

واقترح سماحته طريقين:

  1. استغلال الفضاء المجازي (الإنترنت): من خلال الاستماع لمحاضرات متعددة، ومقارنتها، وتلخيصها، فهذا النوع من المقارنة يحرك العقل ويطور قدرة الإنسان على التمييز، وإن اختلفت القدرات بين شخص وآخر.
  2. الحوار مع أهل العلم: لا ينبغي أن تقتصر العلاقة بأهل العلم على السؤال عن الأحكام الفقهية، بل يجب أن تتضمن حوارًا حقيقيًا في الأفكار والمعتقدات، لأن مجرد الاستماع دون تفعيل العقل بالحوار يجعل مستوى الإنسان الفكري ثابتًا لا يتطور. واستشهد بالحديث الشريف:

تفكر ساعة خير من عبادة سنة

وبقوله تعالى:

فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ

مستقبل الجيل القادم في التعامل مع المعلومات

أجاب سماحته بأنه يحمل ثقة وأملًا في الجيل القادم، فمثلما يمتلكون القدرة التكنولوجية على الوصول للمعلومات، سيمتلكون أيضًا القدرة الذهنية على فرز هذه المعلومات الكثيرة (كالمحاضرات المتوفرة في المواقع الإلكترونية) وتقويمها وتلخيصها وتوظيف كل معلومة في موضعها الذي ينفع المجتمع الإيماني.

حكم القروض الربوية في بلاد الغرب

في ختام الجلسة، أجاب سماحته عن سؤال متعلق بواقع القروض (كقروض شراء السيارات والمنازل) في بلاد كأمريكا، مقدمًا حلين فقهيين:

الحل الأول: أن هذه القروض لا تُبنى على القبض والإقباض الفعلي، فالبنك لا يسلّم المال يدًا بيد، بل يحوّله مباشرة لحساب الشركة البائعة. وبناءً على الرأي الفقهي القائل بأن القرض لا يكون شرعيًا إلا بالقبض والإقباض، فإن هذه المعاملة ليست قرضًا شرعيًا من الأساس، وبالتالي فالشرط المرفق بها (الفائدة) لا يُعد شرطًا ربويًا.

الحل الثاني: وهو ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالسيد الخوئي والسيد السيستاني، ويقوم على الفصل بين التوقيع الشكلي والنية القلبية؛ بأن يوقّع المرء على المعاملة دون أن يقصد بقلبه الالتزام بشرط الفائدة، بل يكون التوقيع وسيلة لتحقيق غرضه الأصلي (شراء السيارة أو المنزل)، فيكون الدفع اللاحق من باب الاضطرار لا الوفاء بالشرط، وبذلك يكون عمله مباحًا.

ختام الجلسة

وبهذا خُتمت هذه الجلسة الحوارية، على أن تتواصل الأسئلة والأجوبة في جلسة لاحقة، وسط الشكر والتقدير لسماحة السيد منير الخباز على ما قدمه من إجابات وتوضيحات قيّمة، والدعاء له بالصحة والعافية.