شهر صفر٤ صفر ١٤٤٧ هجريمدينة لندن، المملكة المتحدة

مفاتح الغيب والعرش وأم الكتاب: علاقة الأرض بالسماء ومعاني الكتاب

علاقة الأرض بالسماء، ومعنى الكتاب، واستشعار رقابة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. قال الله تبارك وتعالى:

﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾

انطلاقًا من هذه الآية المباركة، نتناول ثلاثة محاور: علاقة الأرض بالسماء، ثم بيان معنى الكتاب في القرآن الكريم، وأخيرًا استشعار رقابة الله تبارك وتعالى.

المحور الأول: علاقة الأرض بالسماء

طرح كثير من الباحثين سؤالًا مهمًا: لماذا يقرن القرآن الأرض بالسماء في كثير من الآيات؟ نجد ذلك في قوله تعالى:

﴿الله نور السماوات والأرض﴾

وقوله:

﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾

وقوله:

﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾

فما نسبة الأرض إلى السماء حتى يقرن الله بينهما؟ الأرض كوكب صغير جدًا مقابل السماء؛ إذ يبلغ حجم الأرض التي نعيش عليها تريليون متر مكعب تقريبًا، بينما الكون المرصود - وهو كل ما استطاع الإنسان رصده من هذا الوجود المتمدد باستمرار، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾

يبلغ نصف قطره ستة وأربعين مليار سنة ضوئية، والسنة الضوئية الواحدة تعادل تسعة تريليون كيلومتر. فإذا قارنّا حجم الأرض بهذا الاتساع الهائل، وجدنا أن نسبة الأرض إلى السماء أقل من نسبة ذرة الغبار إلى الكرة الأرضية نفسها. ومع ذلك، يكرر القرآن ذكر الأرض حين يذكر السماء، فما قيمة هذا الذكر؟ هناك سببان لذلك:

السبب الأول: الأرض مهد الإنسان

قيمة الأرض ليست بذاتها، بل بالإنسان الذي تحمله، فهي مهده ووعاؤه، وهذا الإنسان عظيم عند الله. قال تعالى:

﴿وقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر﴾

وقال سبحانه:

﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا﴾

وقال أيضًا:

﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾

وقال:

﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾

فذكر الأرض إذن لا لأجل عين الأرض، بل لأجل عين الإنسان؛ فكأنما الله حين يقول "خلق السماوات والأرض" يعني خلق السماوات والإنسان. وهذا المعنى يتضاعف حين نعلم أن الأرض مهد الإنسان الكامل، محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله، أشرف مخلوق وأعظم نور، كما نقرأ في زيارة الجامعة:

"خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين، حتى منّ علينا بولايتكم، فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه"

السبب الثاني: الأرض كوكب مميز

في كتاب "الكوكب المميز" الذي ألّفه عالمان هما غونزاليس وريتشاردز (طُبع عام 2004)، يُذكر أن الأرض، رغم كونها ذرة غبار في هذا الكون الفسيح، إلا أنها كوكب مميز فعلًا من بين الكواكب كلها، وذلك بأربع صفات:

  1. الأرض محاطة بغلاف جوي شفاف يتيح للإنسان رؤية النجوم ورصد المجرات.
  2. حجم الأرض وتكوينها يسهمان في استقرار التوازن بين الغلاف الجوي والجاذبية.
  3. للأرض قمر بحجم فريد يسهم في استقرار محور دورانها، وهذا ما لا تملكه كثير من الكواكب الأخرى.
  4. الأرض مرصد للإنسان، إذ اختار الله لها موقعًا متميزًا في مجرة درب التبانة، يتيح للإنسان رؤية مركز المجرة وقراءة بنيتها. فالكون كتاب، ومفتاح قراءته هو الإنسان على الأرض؛ فلولا وجوده لما استُطيع قراءة الكون ولا غزوه ولا استثمار معارفه.

من هنا كان قوله تعالى:

﴿الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن﴾

إشارة إلى أن للأرض سبع طبقات، كما أن للسماء سبعًا.

المحور الثاني: معنى الكتاب في القرآن الكريم

للكتاب في القرآن الكريم أربعة معانٍ:

المعنى الأول: كتاب الأعمال

أعمالنا تُدوَّن في كتاب، قال تعالى:

﴿كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾

وقال أيضًا عن هذا الكتاب:

﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾

فهذا الكتاب يُحصي علينا خطرات قلوبنا ونبض أفئدتنا، فضلًا عن أعمالنا وسلوكنا، مصداقًا لقوله:

﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾

المعنى الثاني: كتاب التقدير

الآجال والحوادث والأعمار كلها مدونة في كتاب التقدير. قال تعالى:

﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾

وقال:

﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾

فأقدارنا وآجالنا وأرزاقنا كلها مدونة في هذا الكتاب، مصداقًا لقوله:

﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾

المعنى الثالث: كتاب التشريع

القرآن كتاب لأنه كتاب تشريع، وكذلك التوراة والإنجيل. قال تعالى:

﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾

فالدين واحد، والشرائع متعددة، كما قال تعالى:

﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا﴾

وقد وصف القرآن نفسه بقوله:

﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾

وقوله:

﴿إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾

المعنى الرابع: الكتاب بمعنى خارطة الوجود

وهذا هو المعنى الأهم. فكما أن لكل مؤسسة خارطة تنظّمها، ولكل دولة مركز معلومات يحصي تفاصيلها، فإن هذا الوجود كله له خارطة، عبّر عنها القرآن الكريم بـ"كتاب"، و"كتاب مبين"، و"أم الكتاب". قال تعالى:

﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾

وقال:

﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾

وقال:

﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾

فما الفرق بين هذه العناوين الثلاثة؟ لبيان ذلك نذكر ثلاثة أمور:

الأمر الأول: كل موجود له بُعدان: بُعد مادي يعبَّر عنه بـ"الملك"، مصداقًا لقوله تعالى ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، وبُعد غيبي يعبَّر عنه بـ"الملكوت"، مصداقًا لقوله ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون﴾. البعد المادي متغير متبدل، والبعد الغيبي ثابت لا يتغير.

الأمر الثاني: ما يقابل المتغير هو الكرسي، وما يقابل الثابت هو العرش. قال تعالى في الكرسي:

﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾

وقال في العرش:

﴿الرحمن على العرش استوى﴾

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، حين سأله حنان بن سدير عن الكرسي والعرش، أنه قال:

"الكرسي والعرش بابان من أكبر أبواب الغيوب، وهما بالغيب مقرونان، فالكرسي هو الباب الظاهر من الغيب ومنه مطلع البدع والأشياء، والعرش هو الباب الباطن من الغيب، وفيه علم الكيف والكون والقدر والحد والأين والمشيئة وصفات الإرادة"

فالكرسي هو الكتاب الذي منه تنطلق الملائكة لإدارة هذا الكون المتغير، والعرش هو خزانة أسرار الكون، وهو "أم الكتاب"، وهو مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى:

﴿أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون﴾

الأمر الثالث: من هنا نفهم قصة آصف بن برخيا وزير سليمان عليه السلام، حين قال:

﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾

وقد وصفه القرآن بأن "عنده علم من الكتاب"، أي علم ببعض أسرار الكون، فاستطاع أن يتصرف في مسار كوني فيرفع عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين في لحظة. أما الآية الأخرى:

﴿قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾

فقد وردت الرواية أن المقصود بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي عنده علم بجميع أسرار الكتاب بكل معانيه ومصاديقه.

المحور الثالث: القرآن مفتاح قراءة الوجود واستشعار الرقابة

كما أن القرآن كتاب تشريع، فهو أيضًا مفتاح التأمل في الكون، ومفتاح قراءة الإنسان والدنيا والآخرة. لذلك أمر الله بالتدبر فيه:

﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾

﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾

فالقرآن باب لا ينقطع عطاؤه، كلما تدبره الإنسان كشف له أسرارًا لم يكن يعلم بها. ولتعظيم حق القرآن، يأمرنا بعدة أمور:

الأمر الأول: القراءة

قال تعالى:

﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾

وقال:

﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾

وورد عن النبي صلى الله عليه وآله: "إن عدد درجات الجنة بعدد آيات القرآن"، فكلما قرأ الإنسان آية رقي درجة. وورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "من قرأ عشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قرأ عشرين آية كُتب من الذاكرين، ومن قرأ ثلاثين آية كُتب من القانتين".

الأمر الثاني: الترتيل

القراءة تختلف عن الترتيل؛ فالترتيل أن يقرأ الإنسان القرآن بصوت حزين يحرّك الشجون ويثير الفطرة، لا بصوت مستعجل ولا بأنغام مطربة. قال تعالى:

﴿ورتل القرآن ترتيلًا﴾

وورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصف المتقين:

"أما الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلًا، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم"

الأمر الثالث: الحفظ

حفظ القرآن نور في القبر. وردت الروايات أن من حفظ سورة من القرآن أضاءت له قبره ليلة نزوله فيه. بل ظاهر بعض الروايات وجوب تعاهد المحفوظ كي لا يُنسى.

الأمر الرابع: التدبر والتأمل

على المؤمن أن يخصص وقتًا لقراءة تفسير موجز لآيات القرآن، ليكون على صلة دائمة به. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: "إن البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تحضره الملائكة وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدري لأهل الأرض، وإن البيت الذي يُعزف فيه القيان تهجره الملائكة وتحضره الشياطين".

خاتمة: الأئمة عدل القرآن

هكذا كان الأئمة الطاهرون صلوات الله عليهم مع القرآن قراءة وترتيلًا وتدبرًا، وكيف لا يكونون كذلك وهم عدل القرآن، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:

"إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي"

فهم مستودع علم القرآن، لا يفترون لحظة عن قراءته. حتى في أشد لحظات المحنة، حين رُفع رأس الإمام الحسين عليه السلام الشريف على الرمح، روى زيد بن أرقم أنه رأى ذلك الرأس يتمتم بآيات القرآن، فاقترب منه فسمعه يقول:

﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا﴾

فكان ذلك الرأس الشريف آية من آيات الله، حتى وُضع في طشت بين يدي يزيد بن معاوية، الذي عبث به وضربه على خده، بينما كانت العقيلة زينب عليها السلام ترى ذلك المنظر الأليم وتنادي جدها رسول الله صلى الله عليه وآله.

اللهم بحق رأس الحسين بن علي، اللهم بالحسين الوجيه وجده وأبيه وأمه وأخيه والتسعة من بنيه، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم عجّل فرج وليك وابن أوليائك واجعلنا من أنصاره وأعوانه.