لماذا ننحاز إلى العقيدة التي تعلمناها من مجتمعنا؟
الدين بين المنطق والفطرة: قراءة في أصل الاعتقاد وطريق الوصول إلى الله
مدخل: أسئلة حول منشأ المعتقد
هناك أسئلة تَرِد على ذهن الإنسان: من الذي يحدد معتقداتنا؟ هل هو العقل أم البيئة التي عشنا فيها؟ هل معتقداتنا نتيجة قناعة، أم أنها مجرد صدفة نتيجة مكان الميلاد؟ قد يُقال إن المولود في بيئة مسلمة يصبح مسلمًا، والمولود في بيئة مسيحية يصبح مسيحيًا، والمولود في بيئة هندوسية يصبح هندوسيًا، وهذا يعني أن الاعتقاد بالدين لم ينشأ عن منشأ منطقي، بل نشأ عن البيئة والمحيط الذي يعيش فيه الإنسان. فكيف نثق بمعتقداتنا إذا كانت ناشئة عن البيئة والمحيط، كسائر أصحاب الأديان الأخرى الذين نشأت عقائدهم عن بيئاتهم؟
من أجل بحث هذه النقطة بحثًا علميًا، نستعرض أربعة أسئلة رئيسة ونجيب عنها.
السؤال الأول: هل منشأ الاعتقاد بالدين منشأ منطقي أم غير منطقي؟
هناك دراسات معاصرة تحاول تفسير منشأ الدين بتفسير غير منطقي، أي أن الدين نشأ عن مناشئ غير عقلائية. نضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
المثال الأول: تجارب الاقتراب من الموت
مجموعة من البشر اقتربوا من الموت ثم عادوا إلى الحياة متدينين، رغم أنهم لم يكونوا كذلك من قبل. وقد قالوا إنهم أُصيبوا بشعور بالسلام والحب والدفء، وشعروا أنهم يدخلون في نفق يؤدي إلى نور مطلق يحتضنهم، وهذا هو الله الذي يعتقد به المتدينون.
لكن هذا المنشأ غير منطقي؛ لأن المنطق العلمي يرى أن الدماغ إذا اقترب من الموت يعيش حالة توهج شديدة، تشتعل فيها الخلايا العصبية وتُطلق موادَّ كيميائية في كل جانب من الدماغ، فيشعر الإنسان بنشوة وتجاوز لبدنه. وهذا مجرد شعور لا أساس علمي له.
المثال الثاني: خوذة الله
عالم الأعصاب مايكل بيرسينجر في مختبر بجامعة لورنسيان الكندية صمّم غرفة معزولة الأصوات، ووضع في وسطها كرسيًّا يجلس عليه الإنسان تحت مسمى "جلسة استرخاء"، ثم يُوضع على رأسه خوذة مزودة بملفات كهرومغناطيسية تُرسل تيارًا يُحفّز الفص الصدغي من المخ. نتيجة هذا التحفيز يشعر الشخص بنشوة وتجاوز لجسمه، ويعتقد أن هذا العالم الآخر هو الله. وهذا أيضًا منشأ غير علمي، مجرد تجربة مخبرية.
المثال الثالث: جين الألوهية
عالم البيولوجيا الجزيئية دين هامر في كتابه "جين الألوهية" ادّعى أنه فحص عينات من الحمض النووي لمجموعة من المتدينين، فوجدهم يشتركون في جين واحد رمز له بـ"VMAT2"، وربطه بتجاوز الإنسان لذاته سواء بالكرم أو الشجاعة، وسمّاه "جين الألوهية"، مدّعيًا أن الاعتقاد بالله مستند إلى هذا الجين المشترك.
النتيجة: نزوع طبيعي لا مناشئ شاذة
هذه الأمثلة الثلاثة التي طرحها علم الأعصاب وعلم النفس الإدراكي خضعت لدراسات مفصّلة توصل من خلالها ما يُسمى علم الإدراك الديني إلى أن هذه المناشئ كلها آراء متطرفة شاذة، وأن نزوع الدماغ نحو الله نزوع طبيعي لا يحتاج إلى هذه المناشئ، وليس الاعتقاد بالله مستندًا إليها.
السؤال الثاني: لماذا يتجه الذهن بطبعه إلى الله؟
لماذا يوجد في الدماغ نزوع طبيعي جبلّي نحو الله، بغض النظر عن التفاصيل التي يذكرها المسلمون؟ فحين نقول "الله" هنا، نقصد الاعتقاد بأن هناك قوة صمّمت هذا الكون وأبدعته.
نظرية التطور ومساراها المزدوج
الفيلسوف الأمريكي جيمس كلارك في كتابه "الله والدماغ" (ترجمة محمد سيد سلامة) يتناول هذه النقطة بناءً على نظرية التطور - وهي نظرية مشهورة علميًا وإن لم تكن قطعية. وبناءً عليها هناك مساران لتطور العقل:
المسار الأول: يرى أن تطور العقل نتيجة عصور سحيقة من التطور البيولوجي، يتجه لا نحو الحقيقة، بل نحو ما يضمن البقاء والتكاثر والنفع. وبناءً على هذا المسار، سنفقد الثقة بكل النتائج العلمية؛ إذ كيف نضمن أن معلوماتنا صائبة إذا كان الذهن يتجه إلى ما ينفعه لا إلى ما هو حقيقي؟
المسار الثاني: وهو الذي يؤيده كثير من علماء نظرية التطور، ويرى أن الذهن يتجه إلى الحقيقة لا إلى النفع، وأن العقل البشري في تلك العصور السحيقة أصبح يمتلك منظومات معرفية متخصصة، منها ما يُسمى علم الإدراك الديني.
آليتا الوصول إلى الله
يقرر علم الإدراك الديني أن الذهن يصل إلى الله عبر آليتين طبيعيتين:
- الآلية الأولى: جهاز الكشف عن الفاعلين (ADD).
- الآلية الثانية: نظرية العقل التحليلي (TOM).
فالإنسان حين يسمع صوتًا في الظلام، لا يفسره بأنه حركة ميكانيكية، بل يتجه ذهنه مباشرة إلى وجود فاعل ذي إرادة. وكذلك حين يرى سيارة تتحرك، لا يفسر حركتها بأنها ميكانيكية، بل يتجه ذهنه فورًا إلى وجود سائق ذي إرادة وقصد. عبر هاتين الآليتين يصل العقل إلى الله تبارك وتعالى.
وهذا ما نسميه في علم الكلام برهان النظم: فحين يقرأ الإنسان الكون وأنظمته وتفاصيله، لا يحكم بأنه حركة مادية عمياء، بل يتجه إلى أن هذا الكون ذو معنى وغاية، أي أن وراءه عقلًا صممه وأبدعه.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
إذن نزوع الدماغ إلى الله ليس ناشئًا عن مناشئ شاذة كتجارب ما قبل الموت أو خوذة الله أو جين الألوهية، بل ناشئ عن منشأ طبيعي هو جهاز الكشف عن الفاعلين ونظرية العقل التحليلي.
السؤال الثالث: هل يمكن أن يكون اعتقادنا بالدين موضوعيًا؟
هل يمكن أن نتجرد عن بيئتنا التي نشأنا فيها وغذّتنا بمعلوماتها الدينية؟ لو وُلدنا في بيئة أخرى، هل كنا سنصل إلى الله تبارك وتعالى؟
استحالة التجرد المطلق عن البيئة
الجواب: لا يمكن أن يتجرد الإنسان في معارفه عن كل المؤثرات النفسية والاجتماعية؛ ذلك لأن روافد المعلومات خمسة:
- الحواس: تنقل لك معلومات المحيط الذي حولك.
- الذاكرة: تنقل لك تاريخ ماضيك ومحيطك.
- تجارب الآخرين: تنقل لك معلومات بيئية واجتماعية.
- اللغة: فهي حضارة وتراث، وتعلّمها تعلّم لحضارة مجتمع.
- البيئة التعليمية: من المدرسة إلى الجامعة، تعلّمك ما في محيطك.
فالإنسان أسير بيئته شاء أم أبى، وكل معارفه ناشئة عن روافد تربطه بمحيطه، لا معادلات رياضية بحتة.
معنى الموضوعية الحقيقي
إذن ماذا نقصد بالموضوعية؟ نقصد بها: هل يمتلك الإنسان آليات يستطيع من خلالها أن يعرض موروثاته الاجتماعية على العقل وينقدها ويقوّمها؟ والجواب نعم، توجد آليات. فصحيح أننا نكتسب المعلومات من البيئة، لكننا نمتلك آليات عقلية نعرض من خلالها هذه المعلومات الموروثة على منطق العقل لنقدها وتقويمها.
فليس المطلوب أن يتجرد الإنسان من المؤثرات النفسية والاجتماعية، بل المطلوب أن ينتقل من التقليد الأعمى إلى اعتقاد ناشئ من منشأ عقلائي، عبر التأمل والنظر وعرض المعلومات على منطق العقل. وبإمكان أي إنسان أن يعرض معتقداته العقائدية على منطق العقل والدليل ليرى هل تصب في درب الحقيقة أم لا، ولأجل أنه يمكنه ذلك يحاسبه الله على ما يستطيع وما يتمكن منه في هذه الجهة.
السؤال الرابع: ما هي معالم المنهج القرآني في الوصول إلى الله؟
وضع القرآن الكريم معالم في طريق الوصول إلى الله تبارك وتعالى، نذكر منها أربعة معالم:
المعلم الأول: ذم اتباع البيئة والآباء دون دليل
القرآن يذم اتباع البيئة من دون تعقل:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
كثير من الأشياء عندنا هي مجرد عادات وتقاليد وليست من الدين في شيء، ونحن نصر عليها ونعتبرها من الدين ونحاسب الآخرين عليها.
كذلك يذم القرآن الخضوع لضغط الأكثرية:
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
لكن العقل الجمعي المؤمن الناشئ عن دليل وبرهان عقل محترم، كما في قوله تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
المعلم الثاني: التركيز على البرهان
يقول تعالى:
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
فالقرآن يركز على استنتاج الصواب عبر الدليل:
فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ
وقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام أن لله حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة؛ فالحجة الظاهرة الرسل والأنبياء والأئمة، والحجة الباطنة هي العقول.
المعلم الثالث: الدعوة إلى التأمل
يدعو القرآن إلى استغلال طاقة العقل وتحريكها:
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
فالنفس الإنسانية صورة مصغرة عن العالم كله، وإذا قرأ الإنسان جسمه ونفسه فقد قرأ العالم:
وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
والمنهج العملي في ذلك هو ما سار عليه النبي إبراهيم عليه السلام، الذي قطع خطوات من مرحلة إلى أخرى مستخدمًا عقله حتى وصل إلى الله تبارك وتعالى:
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
المعلم الرابع: الفطرة
يقول تعالى:
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
ما هي الفطرة؟
توجد عدة روايات عن أهل البيت عليهم السلام تفسر هذا المعنى. فعن الإمام الباقر عليه السلام، معلّقًا على الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة"، قال: يعني على المعرفة بأن الله خالقه، وذلك قوله تعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
وفي رواية أخرى، سأل زرارة الإمام الباقر عليه السلام عن معنى الآية: "فطرة الله التي فطر الناس عليها"، فقال عليه السلام: فطرهم على التوحيد عند ميثاق المعرفة.
عالم الذر وميثاق المعرفة
المستفاد من الروايات الشريفة أن الله خلقنا في عالم قبل هذا العالم، عالم روحاني يُسمى عالم الذر أو عالم الميثاق، ثم نزلنا إلى عالم المادة والأجسام. ويشير القرآن إلى هذين العالمين في سورة الواقعة:
أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ
وقوله تعالى:
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
فالإنسان حين يرحل إلى الله ينتقل فردًا، لا أب ولا أم ولا أموال ولا أملاك، وهذا يشير إلى تلك النشأة الأولى في عالم الذر، حيث لم نكن مرتبطين بأب أو أم أو أموال أو أملاك، بخلاف الدنيا.
ويقول تعالى:
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
وفي ذلك العالم أُخذ علينا الميثاق، كما يقول تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
وذلك العالم هو الذي أشار إليه قوله تعالى:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
فجئنا إلى هذا العالم وعندنا الفطرة، أي الفطرة المبنية على ذلك العهد والميثاق.
الفطرة قابلة للتلوث
الفطرة ليست بالضرورة تبقى نقية دائمًا، بل قد تتلوث. وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:
كل مولود يولد على الفطرة، إلا أن يكون أبواه يهوديين فيهودانه، أو مجوسيين فيمجسانه
ولذلك بُعثت الأنبياء والمرسلون للمحافظة على الفطرة، كما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول
خاتمة: نعمة الإيمان وطمأنينة القلب
نحن نعيش في نعمة عظيمة، ومن لا يملك دينًا محروم من نعمة الارتباط بالله والتوكل عليه واللجوء إليه. فاللاديني يسخر من المتدين ويظنه يعيش في خرافة، بينما هو نفسه غير مرتاح، يعيش آلام القلق وألوان الكآبة ومعاناة الشك والريبة، بينما المؤمن المتدين يعيش حالة من الطمأنينة والهدوء والقدرة على الصبر والتجلد وقوة الإرادة.
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
فذكر الله يعالج الشك والقلق، ويغرس الطمأنينة والهدوء، ويخلص الإنسان من الكآبة والحزن، ويبعث فيه الإرادة والقوة والصبر والنشاط.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وفي دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة، إشارة إلى هذا التوجه الفطري نحو الله تبارك وتعالى:
لكنك أخرجتني رأفة منك وتحننًا علي، للذي سبق لي من الهدى الذي فيه يسرتني، وفيه أنشأتني... حتى إذا كملت فطرتي واعتدلت سريرتي، أوجبت علي حجتك بأن ألهمتني معرفتك، وروَّعتني بعجائب فطرتك... ونبهتني لذكرك وشكرك وواجب طاعتك وعبادتك، وفهمتني ما جاءت به رسلك وأنبياؤك
هذا الطريق - طريق الفطرة وتنمية الداخل وتعبئة الضمير والارتباط بالله - هو الذي صقل قلب الحسين عليه السلام العظيم، ذلك القلب الذي وقف بأبي وأمه على جبل الصفا خارجًا من مكة، قاصدًا العراق بنسائه وأطفاله وحريمه، مضحيًا بنفسه في سبيل الله، ليكون سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء، صلوات الله وسلامه عليه.
