خطوات معرفة النفس والوصول إلى معرفة الله
رحلة اكتشاف النفس: خطواتٌ إلى معرفة الله
المدخل إلى الموضوع
ما هي الخطوات التي يسلكها الإنسان في سبيل اكتشاف النفس؟ وفي سبيل معرفة النفس، وفي سبيل أن يضع قدمه على طريق السالكين إلى الله تبارك وتعالى؟ سنستعرض في هذا المقال ثلاث خطوات أساسية يمرّ بها من يريد أن يعرف نفسه معرفةً حقيقية، تُفضي به إلى معرفة ربه.
الخطوة الأولى: إدراك نقطة المنتهى
الخطوة الأولى أن يُدرك الإنسان نقطة المنتهى. فكيف يُدرك ذلك؟ لنا في القرآن الكريم عدة آيات تُصرّح بأن الإنسان يسير إلى الله، وهو لا يدري أنه يسير إلى الله؛ سوى أنه لا يشعر بذلك. يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]
فأين هو كادح؟ ليس كادحًا للراتب ولا للمعاش ولا للثروة، بل هو كادح إلى ربه. فهناك لقاءٌ في يوم من الأيام؛ الإنسان يسير نحو الله، وإن كان يظنّ أنه يسير نحو الثروة أو المال أو الجاه، فهو في حقيقة الأمر يسير نحو الله. وقال تعالى في آية أخرى:
﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: ٤٢]
فمنتهى السير هو الله؛ ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. فكل إنسان هو سالكٌ إلى الله شاء أم أبى، لكن المهم أن يلتفت ويشعر أنه يسير إلى الله. هذا هو المهم. فالخطوة الأولى من خطوات معرفة النفس أن يشعر الإنسان أنه سالكٌ نحو الله، وأن يعرف أنه في الطريق إلى الله عز وجل، وأن إلى ربه المنتهى. هذه هي الخطوة الأولى: شعور الإنسان بالمنتهى، وشعوره باللقاء الحتمي؛ لقاء الله عز وجل.
الخطوة الثانية: إدراك أن النفس عين التعلق
الخطوة الثانية أن يُدرك الإنسان أن النفس البشرية عين التعلق، لا شيءٌ له التعلق. يقول صدر المتألهين الشيرازي رحمه الله: لو كان الإنسان شيئًا له التعلق، لا أنه عين التعلق، لكان مستقلًا في شيئيته عن الله عز وجل، وهذا محال.
فما معنى هذا الكلام؟ عندما يقارن الإنسان نفسه مع أفكاره، فما هي النسبة بينه وبين مشاعره وأفكاره؟ إن أفكاره مصنوعة له، وهو الذي يصنعها؛ فالنسبة بينه وبينها نسبة الصنع للصانع. فتلك الفكرة التي ارتسمت في ذهن الإنسان، هل هي شيءٌ له التعلق به، أم أنها عين التعلق به؟ إنها ليست شيئًا مرتبطًا به، بل هي عين الربط به؛ لأنها ما دامت مصنوعة له، فلا يمكن أن تستقل عنه في "أنٍ" من الآنات. فهي في حد ذاتها وفي ذات شيئيتها ارتباطٌ به؛ فهي عين الارتباط، لا شيءٌ له الارتباط.
وأين يُقال "شيءٌ له الارتباط"؟ إذا كان هناك شيئان وحصل بينهما ارتباط، يُقال: هذا شيءٌ مرتبطٌ بذاك. مثال ذلك: عندما يُفيض الله تبارك وتعالى على الإنسان علمًا منه، فهذا العلم لم يصنعه الإنسان، بل الله أضافه إليه. هنا يُقال: هذا العلم الذي أفاضه الله على القلب شيءٌ مرتبطٌ به؛ فالإنسان جاهلٌ، وهذا العلم نعمةٌ من الله، والعلم شيءٌ والإنسان شيءٌ آخر، والله ربط بينهما بإنعامه بالعلم على القلب. قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]
لكن الأفكار التي يصنعها الإنسان بنفسه ليست علمًا يُضاف إليه، بل هو الذي صنعها؛ كالمهندس الذي يصمم مخططًا لعمارة، فهذه الفكرة التي صنعها ليست شيئًا مرتبطًا به، وإنما هي نفس التعلق والارتباط به، لأنها من صنعه، فلا تستقل عنه لحظةً واحدة.
فإذا أدرك الإنسان أن نفسه هكذا، كما يقارن بين أفكاره ونفسه، فليقارن بين نفسه وبين ربه. هل هو شيءٌ مرتبطٌ بربه، أم أنه عين الارتباط بربه؟ لو كان شيئًا مرتبطًا بربه، لكان هو شيءٌ والربّ شيءٌ آخر، واحدٌ ارتبط بالآخر؛ لكن الأمر ليس كذلك، فليست نفسه إلا صنعه وإفاضته وعطاءه؛ فنفسه مصنوعةٌ له، مُفاضةٌ منه، فنفسه هي عين التعلق والارتباط، لا أنيّة لها ولا استقلال لها ولا حقيقة لها إلا أنها عين الارتباط بالله تبارك وتعالى.
هذا هو إدراك حقيقة النفس: نفسٌ عاجزةٌ لا قدرة لها إلا من القادر المطلق، جاهلةٌ لا علم لها إلا من العالم المطلق، ميتةٌ لا حياة لها إلا من الحي المطلق، محدودةٌ لا تتحرر من حدودها إلا بالله المطلق؛ فهي في تمام شؤونها وتفاصيل وجودها محتاجةٌ إلى المدد والعطاء. فإذا أدرك الإنسان أن نفسه بهذا النحو، فقد خطا الخطوة الثانية في سبيل اكتشاف النفس.
الخطوة الثالثة: الإدراك الحضوري لا الحصولي
الخطوة الثالثة أن يُدرك الإنسان حقيقة نفسه إدراكًا حضوريًا لا إدراكًا حصوليًا. وهناك فرقٌ بين العلم الحصولي والعلم الحضوري؛ ففي علم المنطق يقولون: العلم الحصولي هو حصول صورة الشيء، والعلم الحضوري هو حضور نفس الشيء لا صورته.
فكل ما هو خارج جسم الإنسان، يُعلم به الإنسان عن طريق الصورة؛ فأنت تعلم بمن أمامك من خلال صورته المنتقشة في ذهنك، وعندما تسمع صوتًا فإن الصوت يتحوّل إلى صورة في الدماغ، وعندما تضع يدك على جسمٍ حار، فإن الحرارة تتحول من لمسٍ إلى صورةٍ تحضر في الذهن. فعلمنا بالأشياء التي حولنا -المرئية والمسموعة والملموسة والمشمومة- كلها عن طريق الصور؛ وهذا ما يُسمى علمًا حصوليًا، أي حصول صورة الشيء في الذهن.
وهناك قسمٌ آخر من العلم هو العلم الحضوري، أي حضور نفس الشيء لا صورته؛ مثل علم الإنسان بفرحه وحزنه وأفكاره. فهذا ليس نتيجة صورة، بل الفكر حاضرٌ بنفسه عند صاحبه؛ فإذا صنع الإنسان فكرةً، فإن فكره حاضرٌ بنفسه عنده، وعلمه بفكره علمٌ حضوريٌّ وليس علمًا حصوليًا، إذ لا يحتاج إلى واسطة الصورة، فالفكرة حاضرةٌ بنفسها عنده.
وهذا العلم الحضوري، الذي نسميه العلم الوجداني، هو المطلوب في علم العرفان؛ فالعلم الحصولي، علم الصور، ليس هو المطلوب، بل المطلوب هو الوجدان. أي أن يتعرّف الإنسان على نفسه وعلى ضعفها وعجزها ومحدوديتها تعرفًا وجدانيًا حضوريًا، بأن يشعر شعورًا واضحًا -كما يشعر بالألم وكما يشعر بالفرح- شعورًا وجدانيًا بضعف نفسه وحاجتها وعجزها ومحدوديتها، وأنها في تمام شؤونها عين الربط والتعلق بالله عز وجل؛ لا بد أن يتحول هذا إلى شعورٍ ووجدان.
شهادة أهل البيت على حقارة النفس وعظمة الله
ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«ما لابن آدم والفخر، وإنما أوله نطفةٌ قذرة، وآخره جيفةٌ مذرة، وهو ما بينهما يحمل العذرة»
هذه التعبيرات كنايةٌ عن معرفة عجز النفس وضعفها وحقارتها. وإذا أدرك الإنسان ذلك إدراكًا وجدانيًا، أدرك ربه إدراكًا وجدانيًا. فنحن الآن ندرك ربنا إدراكًا صوريًا؛ فعندما يُذكر اسم الله تتشكل عندك صورةٌ إليه، وإن كنت لا تستطيع تحديد معالم هذه الصورة، لكنها صورةٌ في ذهنك.
أما الذين عرفوا أنفسهم معرفةً وجدانية، فإن معرفتهم بالله ليست عبر الصور؛ فبمجرد أن يمرّ ذكر الله، يشعرون بلذة النور في أنفسهم؛ نورٌ له لذةٌ خاصة، له طعمٌ خاص، له نكهةٌ خاصة يشعرون بها ضمن أنفسهم. فالله عندهم ليس صورة، وإنما نورٌ حاضرٌ مسيطرٌ على القلب. قال تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥]
فالخاصة هم الذين هُدوا إلى هذا النور، أي شعروا به شعورًا وجدانيًا.
المبادرة إلى اكتشاف النفس قبل فوات الأوان
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]
فلنبدأ باكتشاف النفس، ولنحاول أن نستغل العمر؛ فسواءٌ عاش الإنسان عشرين سنة أو ثلاثين أو خمسين أو ستين، فإن الفرص التي مضت لن تعود، لكن ما دام الإنسان حيًّا فالفرصة ما زالت موجودة. ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:
«بادر بأربعٍ قبل أربع: بشبابك قبل هرمك، وبصحتك قبل سقمك، وبغناك قبل فقرك، وبحياتك قبل موتك»
فما دام الإنسان شابًا عنده قوة، يستطيع أن يصلي النافلة، ويقرأ القرآن، ويأتي بالمستحبات؛ أما الكبير فلا يقدر على ذلك. وما دام الإنسان قادرًا على الوقوف للصلاة، فهذه نعمةٌ قبل أن يُصلي وهو على السرير. فإذا لم يكتشف الإنسان نفسه فيما مضى، فليكتشفها فيما يأتي؛ فليتفرّغ بعض الوقت للاشتغال بنفسه، باكتشاف ضعفها وعيوبها ونقائصها، كي يكون ذلك منطلقًا للوصول إلى الله.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]
أي أنهم ما اكتشفوا أنفسهم؛ مرت بهم السنون، وكل ما جمعوه لن يُسألوا عنه في قبورهم، ولن يُضيء لهم قبرهم، ولن يتحول إلى نورٍ وشعاعٍ في لحدهم؛ فكل ذلك زينة الحياة الدنيا. وإنما السؤال الحقيقي بعد أربعين سنة: هل اكتشفتَ نفسك؟ هذا هو السؤال؛ فسواء صار الإنسان دكتورًا أو مهندسًا أو تاجرًا، أو حمل أي عنوانٍ أو لقب، فذلك لا يفيد. والسؤال الذي ينبغي أن يسأله الإنسان نفسه: هل اكتشفتُ نفسي أم لا؟ تزوجتُ، أنجبتُ أولادًا، اكتسبتُ ثروة؛ كل ذلك لا يفيد. هل اكتشفتُ نفسي؟ هل عرفتُ هذا الداخل قبل أن أعرف الخارج؟ فكل ما سبق -من الزوجة والأولاد والثروة والعلم والدراسة والعمل- إنما هو من "الخارج"، والمطلوب هو "الداخل". فكيف تعرّف الإنسان على الخارج قبل أن يتعرّف على الداخل؟ هل اكتشف نفسه؟
الخاتمة: الملازمة بين معرفة النفس ومعرفة الله
فإذا اكتشف الإنسان نفسه اكتشافًا وجدانيًا، اكتشف ربه اكتشافًا وجدانيًا، وتبيّنت له الملازمة بين معرفة النفس ومعرفة الله؛ فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، أي من عرف محدودية نفسه معرفةً وجدانية، عرف أن لا محدودية لربه معرفةً وجدانيةً أيضًا.
وهذه المعرفة النفسية هي التي يتحدث عنها الأولياء وأهل بيت العصمة، وهي التي يقول عنها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:
«يا من دلّ على ذاته بذاته... بك عرفتك، وأنت دللتني عليك»
أي وصل العارف إلى ربه وصولًا وجدانيًا من خلال نفسه، لا من خلال أشياء أخرى. قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١]
