شهر رمضان المبارك١٨ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

الجمع بين السلف والبيع في معاملة الرافعة المالية

المحذور الثاني في معاملة الرافعة المالية: الجمع بين السلف والبيع

كان الكلام سابقًا في المحذور الأول في معاملة الرافعة المالية، وهو القرض الربوي، وقد ذُكرت ثلاث محاولات للتخلص منه والإجابة عنها. أما المحذور الثاني، فهو ما ذُكر في المجمع الفقهي بالقاهرة من أن الرافعة المالية تشتمل على الجمع بين الإقراض والمداولة، وهذا من مصاديق الجمع بين السلف والبيع، فيكون من مصاديق المنهي عنه في قوله صلى الله عليه وآله:

«نهى النبيُّ عن سلفٍ وبيع»

حيث إن البنك الاستثماري يقوم بمعاملتين: المعاملة الأولى هي التداول في بيع الأسهم وشرائها، والمعاملة الثانية هي الإقراض، فهو يجمع بين الإقراض وتداول الأسهم بالنسبة لعميل واحد، ألا وهو العميل المتداول.

ولأجل تحقيق المطلوب لا بد من ذكر أمور ثلاثة:

  1. سند الحديث ودلالته.
  2. صحة المعاملة على ضوء القواعد.
  3. تطبيق ذلك على محل الكلام، ألا وهو الرافعة المالية.

الأمر الأول: سند الحديث ودلالته

ورد حديث النهي عن سلفٍ وبيع من طرق العامة والخاصة، وقد ورد في طرق الخاصة بطريق معتبر كما في التهذيب، بإسناده عن محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن علي بن أسباط، عن سليمان بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام، والسند تام، قال:

«نهى رسولُ الله صلى الله عليه وآله عن سلفٍ وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يُضمَن»

ومحل الكلام في الفقرة الأولى: «نهى النبي عن سلفٍ وبيع»، فمن ناحية السند لا إشكال، والكلام في الدلالة، وقد اختلف العامة في تفسير هذه الفقرة على وجوه ثلاثة:

التفسير الأول: بيع بشرط القرض

أن يبيع سلعة ويقول لمن اشتراها: «بعتك هذه السلعة على أن تُسلفني مبلغ كذا»، أي بيع مشروط بالقرض.

التفسير الثاني: قرض يعقبه بيع بأكثر من الثمن

أن يقرضه ثم يبيع منه شيئًا بأكثر من ثمنه، كأن يقول: «أقرضك ألفًا، وأبيعك هذه السلعة التي تساوي ألفًا بألف ونصف ولو نسيئة»، فيحصل بالنتيجة على الزيادة. وكلتا الصورتين بنظر العامة تدخل في الربا، لأنه قرض جرّ نفعًا.

التفسير الثالث: القرض المتحول إلى بيع

يُقصد به السَّلَم، ويكون المعنى أن يُسلف شخص فيُقال له: إن لم يتوفر عندك سداده فهو بيعٌ عليك، كأن يُقرض زيدٌ بكرًا فيقول: «أقرضتك ألفًا، فإذا حلَّ الأجل وليس عندك سداده فهو ثمن لمبيع»، فما كان قرضًا يتحول إلى ثمن لسلعة.

الوجه الرابع: بيع بثمنين

وقد تعرّض بعض الأجلة حفظه الله في كتابه فقه العقود (كتاب البيع، صفحة 413) لهذه الرواية، وذكر وجهًا رابعًا في مدلولها، وهو كون البيع بنحوين بثمنين، كأن يقول البائع للمشتري: «اشتر هذه السلعة نقدًا بألف، أو نسيئة بألفين»، أي بيع واحد مشتمل على ثمنين. لكن هذا التفسير أنسب بالفقرة الثانية من الرواية: «وعن بيعين في بيع»، وليس مناسبًا للفقرة محل الكلام: «نهى النبي عن سلفٍ وبيع»، كما ذكر ذلك المعلّق على التهذيب (طبعة دار الكتب الإسلامية)، الذي شرح الفقرة الثانية بهذا النحو: أن يبيعه سلعة واحدة نقدًا بأقل، ونسيئة بأكثر.

التفسير الأقرب

والأقرب من هذه التفسيرات لقوله صلى الله عليه وآله «نهى النبي عن سلفٍ وبيع» هو الجمع بين القرض والبيع في معاملة واحدة تؤدي لنتيجة الربا، كأن يبيعه السلعة بأكثر من ثمنها ويقرضه مبلغًا، فيقول: «أبيعك هذه السلعة التي تساوي ألفًا بألفين مؤجلًا، وأقرضك مبلغًا»، فيكون قد حصل على نتيجة الربا بهذه الطريقة، أو يقرضه مبلغًا ويشتري منه سلعة بأقل من ثمنها، كأن يقول: «أقرضك ألفًا بألفين، وأشتري منك السلعة التي تساوي ألفين بألف». وهذا هو الأقرب لظاهر الرواية، وإن لم تكن هناك قرينة واضحة تعيّنه.

الأمر الثاني: صحة المعاملة بحسب مقتضى القاعدة

إن المعاملة المحتملة كمدلول للحديث النبوي نوعان:

النوع الأول: الجمع بين القرض والبيع زمانًا فقط

وهذا أقرب التفسيرات، ولا محذور في الجمع بينهما إذا لم يكن أحدهما شرطًا في الآخر، بل جُمع بينهما زمانًا فقط، فلا محذور في ذلك عندنا نحن الإمامية بمقتضى العمومات ووجوب الوفاء بالعقود. وإنما المحذور في اشتراط القرض بالبيع، أي أن يشترط المقرض بيعًا يستفيد منه.

ويُقال إن هذا هو المنطبق على معاملة الرافعة المالية، وذلك لأن الغرض الأهم لدى البنوك الاستثمارية ليس في القرض، وإنما في كون التداول تحت نظارتها وإشرافها، بلحاظ أنها مصمِّمة لصناديق تداول الأسهم بيعًا وشراءً بغرض التوسع في مجال الاستثمار، وأن تكون منصات رئيسية تُقصد من قبل المتداولين. فالغرض الأهم بالنسبة لها هو التداول، والقرض طريق لذلك. ولأجل ذلك قد يُقال إن المنصرف من معاملة الرافعة المالية هو القرض بشرط البيع، وهو معاملة محرمة لأنه قرض جرّ نفعًا، لكن هذا هو نفس المحذور السابق الذي تم البحث عنه، وليس محذورًا جديدًا.

اشتراط البيع بالقرض (بالعكس)

كما في إيران حيث يُبدَّل «القرض بشرط الإيجارة» إلى «الإيجارة بشرط القرض»، بدل أن يقول: «أقرضك بشرط أن أُؤجرك البيت بكذا»، يقول: «أُؤجرك البيت بكذا بشرط أن تقرضني هذا المبلغ». وقد أفتى كثير من الأعلام بصحة هذه المعاملة، لأن المحذور في القرض المشروط بالبيع لا في المعاملة المشروطة بالقرض.

ولكن لو بُني على أن المستفاد من الآية المباركة:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

هو التعليل، أي أن النهي عن الزيادة على رأس المال معلَّل بأن الزيادة عليه ظلم، فلا يبعد -بناءً على هذا التفسير- ما ذكره بعض الأكابر قدس سره في كتاب البيع في حيل التخلص من الربا، واحتاط من أجله السيد الأستاذ مد ظله، من أنه لا فرق في المحذور بين القرض بشرط البيع أو البيع بشرط القرض، لأن المرتكز عند العقلاء لا يرى فرقًا بينهما من حيث الظلم؛ فإذا كان القرض بشرط البيع ظلمًا، فالبيع بشرط القرض ظلم أيضًا.

النوع الثاني: البيع الواحد بنحوين (ثمنين)

كأن يقول: «أبيعك السلعة نقدًا بألفين، ومؤجلًا بألفين» (أو بثمنين مختلفين)، وقد وقع البحث في صحة هذه المعاملة من وجوه:

الوجه الأول: دعوى الغرر

يُقال إن هذه معاملة غررية لأن الثمن مجهول لم يتعيّن. لكن المختار في كتاب البيع أن الغرر المبطل للمعاوضة هو بمعنى الخطر المالي لا بمعنى الجهالة، فإن المنصرف من قوله صلى الله عليه وآله «نهى النبي عن بيع الغرر» هو النهي عن بيع متضمن لخطر مالي، ولا يوجد خطر مالي في مثل هذه المعاملة، فالثمن معلوم والمثمن معلوم.

الوجه الثاني: إشكال الفرد المردد

ما ذُكر في موسوعة سيدنا الخوئي قدس سره في كتاب الإجارة، في التعليق على عبارة العروة، حيث قال صاحب العروة: «وكذا الحال إذا قال: إن خِطتَ ثوبي هذا اليوم فلك درهمان، وإن خِطتَه في الغد فلك درهم». وعلّق السيد الخوئي على هذه العبارة بالإشكال، وننقل هذا التعليق مطبَّقًا على البيع: قال إن متعلَّق المعاوضة إما المجموع، أو أحدهما المعيّن، أو أحدهما المردد، ولا يوجد رابع. فإذا قال: «أبيعك هذه السلعة معجلًا بألفين أو مؤجلًا بألفين»، فما هو الثمن؟ ليس المجموع قطعًا لأنه لا يريد مجموعهما، وليس أحدهما المعين قطعًا لأنه لا يريد ثمنًا معينًا بعينه في نظره، إذن فهو الثمن المردد. وحيث إن الفرد المردد -على رأي الفلسفة- مما لا واقع له ولا هوية، فلا يصلح أن يكون ثمنًا، وبالنتيجة المعاملة باطلة.

والملاحظة على ذلك: أن متعلَّق المعاوضة هو الجامع بينهما، وهو جامع عرفي وليس جامعًا تحليليًا، والتخيير بيد المشتري، فكأنه قال: «أبيعك هذه السلعة مستحقًا عليها أحد الثمنين، وأنت تختار أيًّا منهما»، وهذا ليس من الفرد المردد الذي لا واقع له كي يُقال بأنه موجب للبطلان، غاية الأمر التخيير بين الفردين باختيار المشتري، ولا دليل على اعتبار التعيين في المعاوضة بأكثر من ذلك.

الوجه الثالث: النهي الوارد في الروايات

أن المعاملة وإن كانت صحيحة على طبق القاعدة، إلا أنها منهي عنها في الروايات الشريفة، وهي ما تقدم: «نهى النبي عن سلفٍ وبيع»، بناءً على تفسيرها بكون البيع بثمنين معجلًا ومؤجلًا. والنهي عن المعاملة ظاهر في الإرشاد إلى الفساد، لا في الحرمة المولوية، كما احتمله صاحب الوسائل في التعليق على هذه المناهي.

ولعل مصبَّ النهي هو كون الزيادة مقابل الأجل، لأن قوله «أبيعك هذه السلعة نقدًا بألف، نسيئة بألفين» يعني أن الألف الثانية مقابل الأجل، وهذا هو نفس محذور الربا. ولذلك لو فُرض أن المعاملة بثمنين كلاهما مؤجل، أو كلاهما معجّل، أو كان الثمن المعجل والمؤجل متساويين لا متفاوتين، لم يكن بذلك بأس، فإن المحذور في كون أحد الثمنين مشتملًا على زيادة مقابل الأجل.

روايتان معارضتان تفيدان الصحة

في مقابل هذه الرواية، توجد روايتان أخريان قد يُستفاد منهما الصحة، وهما معتبرة محمد بن قيس ورواية السكوني (بناءً على وثاقة النوفلي، وهو مبنى سيدنا الخوئي، وإن كنا لا نرى وثاقته).

معتبرة محمد بن قيس

عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «من باع سلعةً فقال: إن ثمنها كذا وكذا يدًا بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأي ثمن شئت، واجعل صفقتها واحدة، فليس له إلا أقلهما وإن كانت نظرة»

أي إن للمشتري الخيار في أن يأخذها بأي ثمن شاء، بشرط أن تكون صفقة واحدة، وليس للبائع إلا أقل الثمنين وإن كانت نظرة (مؤجلة).

رواية السكوني

عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه: أن عليًّا عليه السلام قضى في رجلٍ باع بيعًا واشترط شرطين: بالنقد كذا، وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاعَ المشتري على ذلك، فقال عليه السلام: «هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين»

فيُقال إن ظاهر الروايتين أن البيع صحيح، غاية ما في الباب أن للمشتري أن يجعله بأقل الثمنين وأبعد الأجلين.

الجمع بين صدر معتبرة محمد بن قيس وذيلها

ولكن إذا لوحظ ذيل معتبرة محمد بن قيس، نجد فيه:

«وقال عليه السلام: من ساوَم بثمنين، أحدهما عاجلًا والآخر نظرة، فليُسمِّ أحدهما قبل الصفقة»

وظاهر هذا الذيل أن صحة البيع مشروطة بتعيين أحد الثمنين قبل الصفقة، لا أن للمشتري الخيار في اختيار أحدهما بعد الصفقة. فما هو مقتضى الجمع بين الصدر والذيل؟

حيث إن ظاهر الذيل أن البيع مشكل من جهة عدم التعيين فلا يصح إلا معه، ومقتضى الصدر أنه لا يُشترط أن يعيّن البائع أحدهما، بل للمشتري الخيار أن يُبرم البيع بأقل الثمنين وأبعد الأجلين، فقد يُقال إن مقتضى الجمع أن البيع على نحو الترديد فاقدٌ لشرط الصحة، إلا أن للمشتري أن يقبل البيع بأقل الثمنين وأبعد الأجلين تعبدًا، ويكون البائع ملزمًا بذلك.

وأما رواية السكوني، فقد يُقال إنها لا تنفعنا في المقام، لأنها واردة في مورد القضاء، ولربما هناك خصوصية للمورد اقتضت أن يحكم عليه السلام بنفوذ البيع بأقل الثمنين وأبعد الأجلين، فلا يُستنبط منها كبرى شرعية عامة.

الأمر الثالث: تطبيق ذلك على محل الكلام

إن المعاملة الجارية في البنوك أو الشركات الاستثمارية بنحو الرافعة المالية تحتمل وجهين، وكلاهما مما لا ينطبق عليه حديث «نهى النبي عن سلفٍ وبيع»:

الوجه الأول: إقراض مع وكالة في التداول

أن تكون الرافعة المالية إقراضًا من قبل البنك، مع اتفاق مع العميل على كون التداول بيد البنك نفسه. ومن الواضح -بغض النظر عن المحذور السابق وهو كونه قرضًا ربويًا- أن هذه المعاملة ليست جمعًا بين القرض والبيع، وإنما هي جمع بين القرض والوكالة في التداول: «أقرضك على أن أكون أنا الوكيل عنك في سائر التداولات»، وهذا لا ينطبق عليه الحديث، لأن ظاهر الحديث أن المنهي عنه هو الجمع بين القرض والبيع لنفس المقرض، أن يكون المقرض هو البائع أو المشتري.

الوجه الثاني: شراء الأسهم بضمان البنك

شراء من العميل للأسهم على أن يسدد البنك عنه ما زاد من الثمن على رصيده، فهو بيع من قبل مالك الأسهم أصلًا، والبنك دخيل في هذه المعاملة كضامن. كأن يقول بائع الأسهم للعميل: «أبيعك هذه الأسهم بكذا، بشرط أن يكون البنك ضامنًا»، لأن رصيد العميل لا يفي بالثمن. وهذا مما لا ينطبق عليه العنوان المنهي عنه، لعدم صدور البيع من قبل مالك الأسهم مشروطًا بالقرض أو مقرونًا به، كما أن مناط النهي عن القرن بين البيع والقرض هو ورود محذور الربا، وهو غير وارد في المقام لا في حق البائع ولا في حق المشتري.


بهذا يتم الكلام عن المحذور الثاني، ويأتي البحث عن المحذور الثالث، وهو خاص بفرض كون الأسهم في الذهب أو الفضة، حيث قد يأتي إشكال بيع الذهب أو الفضة قبل قبضه بزيادة. وسنتحدث عن هذا المحذور في الليلة القادمة، والحمد لله رب العالمين.