تأملات في ظلال شخصية الإمام الحسن المجتبى
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام: صفحات من سيرة عطرة
مقدمة
صلى الله وسلم على رسول الله وعلى أهل بيته المنتجبين، ونسأل الله أن يجعلنا معهم فنفوز فوزاً عظيماً.
قال تبارك وتعالى:
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
ومن أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً: الإمام الحسن الزكي المجتبى صلوات الله وسلامه عليه.
حديثنا حول شخصية الإمام المجتبى يدور في عدة محاور: الصفحة الروحية، والصفحة الاجتماعية، والصفحة الأسرية، والصفحة السياسية. وُلد الإمام الحسن ليلة النصف من شهر رمضان المبارك عام ثلاثة للهجرة، وعاصر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وأمه فاطمة الزهراء عليها السلام سبع سنوات، وعاش من العمر ستة وأربعين عاماً، ومات شهيداً مسموماً مظلوماً.
الصفحة الروحية
إن العابدين الذين ينصرفون إلى العبادة ويقطعون أوقاتاً طويلة فيها، ينجذبون إلى الله تعالى بأحد طريقين: إما بجذبة الجمال وإما بجذبة الجلال. فإما أن يكون العامل المحرك نحو الاستغراق في العبادة هو الانبهار والحب لله تبارك وتعالى، وإما أن يكون العامل المحرك هو امتلاء القلوب بخشية الله انصعاقاً لجلاله وجبروته.
لقد كان الإمام الحسن الزكي وليداً من أبوين عابدين مستغرقين في العبادة. فقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان مستغرقاً في ملكوت الله حتى كان يُغشى عليه في صلاته، فيُحرَّك وإذا هو كالخشبة اليابسة.
وكانت فاطمة الزهراء عليها السلام، كما قال عنها ابنها الإمام الحسن عليه السلام:
«ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت في محرابها لا تنفتل من صلاتها حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط، وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات، فأقول: يا أماه لِمَ لا تدعين لنفسك؟ فتقول: يا بنيّ، الجار ثم الدار»
فاطمة عليها السلام استغرقت في العبادة انطلاقاً من جذبة الجمال، كانت متعلقة بربها تعلق المحب بالمحبوب والعاشق بالمعشوق، وكانت تلتذ بالصلاة لذة لا يضاهيها لذة.
أما الحسن الزكي، ابنها المجتبى، فكان مستغرقاً في العبادة انطلاقاً من جذبة الجلال. لقد ملأ قلبه خشية الله، وملأت جوانحه الرهبة من جلال الله وعظمته وجبروته، فكان صلوات الله عليه إذا وقف على باب المسجد وقف خاشعاً خاضعاً، وكان يقول:
«مسكينك ببابك، أسيرك بفنائك، يا مُحسن قد أتاك المسيء، أنت المحسن وأنا المسيء، يا محسن تجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم»
وكان إذا توضأ للصلاة تعدت فرائصه واصفر لونه، فيُقال له: لماذا وأنت سيد شباب أهل الجنة بشهادة جدك المصطفى صلى الله عليه وآله؟ فيقول: «أتدرون بين يدي مَن أقف؟ إنني أقف بين يدي جبار الجبابرة وملك الملوك».
وقد حج خمساً وعشرين حجة ماشياً على قدميه من المدينة إلى مكة، والنجائب تُقاد بين يديه، وهو يقول: «أستحي أن أسير إلى ربي راكباً»، فكان يمشي حافياً على قدميه.
وفي ساعات الاحتضار، وهو يفارق الدنيا، كان يبكي، فيُقال له: ما يبكيك وأنت سيد شباب أهل الجنة؟ فقال: «أبكي لخصلتين: فراق الأحبة، وهول المطلع». لقد ملأت قلبه الخشية والرهبة، فكان ممن صُعق لجلال الله وجبروته، مستغرقاً في العبادة منصرفاً إلى الصلاة صلوات الله وسلامه عليه.
الصفحة الاجتماعية
لُقب الإمام الحسن عليه السلام بلقبين: «حليم آل البيت» و**«كريم أهل البيت»** صلوات الله عليهم أجمعين.
حليم آل البيت
روى المؤرخون ألواناً من القصص في شدة وعظمة حلمه. فقد لحقه رجل شامي في المدينة المنورة، وحين عرف أنه الحسن بن علي، صار يشتمه ويشتم أباه أمير المؤمنين، والإمام الحسن صامت ساكت عنه، حتى انتهى من سبابه وشتمه، فالتفت إليه مبتسماً وقال:
«يا هذا، أظنك غريباً ولعلك اشتبهت فينا، فإن كنت طريداً آويناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عطشان أرويناك، فهلا حولت رحلك إلينا ونزلت ضيفاً علينا، فإن لنا منزلاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً وفيراً»
فما ملك الرجل نفسه حتى انكب عليه يقبله وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته فيكم أهل البيت.
لماذا تصرف الإمام الحسن هكذا؟ قد يقول قائل: هل كان الإمام الحسن ضعيف الشخصية؟ هل كان متواضعاً بمبالغة تصل إلى حد إذلال نفسه؟ وقد ورد عن جده الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله أن «الله فوّض إلى المؤمن كل شيء ولم يفوّض إليه أن يذل نفسه»، فهل كان الإمام يذل نفسه بسكوته عن الشتم؟
لم يكن الإمام الحسن ضعيفاً ولا جباناً، بل كان قوي الإرادة صلب الموقف. فهناك فرق بين منطق العاطفة ومنطق الحكمة. منطق العاطفة يعني أنك إذا شُتمت رددت بالمثل، وهذا منطق الاسترسال وراء نزعات النفس وغرائزها وانفعالاتها. أما منطق الحكمة فهو النظر إلى أبعد الأمور من الموقف الشخصي، ودراسة الموقف بعقلانية.
وهذا ما طبقه الإمام الحسن المجتبى، فكان مصداقاً لقوله تعالى:
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
كان مسيطراً على أعصابه وانفعالاته وغرائزه، إلى أن يصل به الأمر لدراسة الموقف الذي بين يديه. ولهذا تعامل الإمام الحسن مع هذا الموقف باستدراج الطرف الآخر، وتذويب ما عنده من الشحناء والحقد، وتحويله بذلك الأسلوب الهادئ إلى إنسان مسالم بدل أن يكون معادياً، امتثالاً لقوله تعالى:
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
وقوله تعالى:
ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
كريم أهل البيت
لماذا لُقب الإمام الحسن بكريم أهل البيت، وكلهم كرماء وكلهم معادن الجود؟ يروي المؤرخون أن الإمام الحسن كان يتصدق بكل ثروته ثلاث مرات في حياته، بحيث لم يكن يبقي لنفسه شيئاً، وكان الفقراء والبؤساء يحفّون به دائماً لأنه مصدر العطاء والإنعاش والإنقاذ.
جاءه رجل وطرق بابه، فقال الحسن: «أعطوه ما في الخزانة»، قالوا: ما بقي في الخزانة شيء، قال: نعم، ثم أنشد:
نحن أناسٌ نوالُنا خَضِلٌ *** يرتع فيه الرجاءُ والأملُ تجود قبل السؤال أنفسُنا *** خوفاً على ماء وجه من يسِلُ
وجاءه رجل آخر وطرق بابه منشداً أبياتاً يستعطفه، فأخرج إليه الإمام صرة الدراهم والدنانير دون أن يرى وجهه، وقال: «أخاف أن أرى ذل السؤال على وجهه»، وأنشد:
خذها فإني إليك معتذرٌ *** واعلم بأني عليك ذو شفقة
فلماذا يتصرف الإمام الحسن بهذا التصرف؟ أليس هذا تبذيراً؟ إن التبذير هو أن يضع الإنسان المال في غير موضعه، وهنا عاملان يفسران هذا السلوك:
العامل الأول: كان ما يمارسه الإمام الحسن خطة استراتيجية لإنقاذ الضعفاء والفقراء في مقابل السياسة الأموية. فحين حكم معاوية، رأى أن أفضل وسيلة لإخضاع الناس هي سياسة التجويع، فواجه أهل العراق بالذات بهذه السياسة كي يضطرهم إلى الخضوع له والدوران حول لقمة الخبز.
فرأى الإمام الحسن عليه السلام أن الوظيفة والدور المهم أن يقابل سياسة التجويع بسياسة الإنقاذ والإنعاش، فكان يصرف كل ما عنده وكل ما يجمعه من الحقوق والزكوات على الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام. كانت هذه خطة استراتيجية لإنقاذ المجتمع، خصوصاً شيعة العراق والحجاز، حتى لا يلجأوا لموقف الضعف أمام معاوية، ولكي يشعروا بالكرامة حين يجدون من يمدهم بوسائل الحياة الكريمة. ولأن الإمام الحسن عاش هذا الظرف العصيب الذي لم يعشه إمام آخر، ظهر كرمه وجوده فلُقب بكريم أهل البيت.
العامل الثاني: أراد الإمام الحسن أن يربي الأمة على ما في قوله تعالى:
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
فليس البر أن تنفق فضل الطعام أو الملابس البالية على الفقراء، بل البر أن تنفق ما تحب من مالك ووقتك وجهدك. أراد الإمام الحسن أن يربي الأمة على إنفاق أعز ما عندهم، وأن ذلك حق للفقراء وليس منّة منهم، مصداقاً لقوله تعالى:
وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
الصفحة الأسرية
مع الأسف، هناك روايات موجودة حتى في كتب الشيعة الإمامية، ومروية عن الأئمة الطاهرين، منها رواية عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أن علياً عليه السلام صعد المنبر وقال: «أيها الناس، لا تزوجوا ولدي الحسن فإنه رجل مطلاق»، فقام إليه نفر من بني همدان وقالوا: والله لنزوجنه فإنه ابن رسول الله وابن أمير المؤمنين.
ورواية أخرى عن الحسين بن أبي العلاء عن الإمام الصادق عليه السلام أن الحسن طلّق خمسين امرأة.
هذه الروايات، وإن وُجدت في كتب الشيعة، هي روايات موضوعة لا يمكن تصديقها في حق الإمام الحسن المجتبى، وذلك لعدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى
إن المطلاق معيب في الشريعة وعند العقلاء. ففي موثقة طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام: «إن الله يبغض الرجل المطلاق الذواق»، أي يتزوج ثم يطلق. فكيف تُلصق هذه الصفة المعيبة بالإمام الحسن المجتبى، وهو ابن ريحانة رسول الله؟
الملاحظة الثانية
إن الإمام الحسن إما ارتكب محرماً أو لم يرتكب. فإن كان قد ارتكب محرماً بطلاقه خمسين أو سبعين مرة، فهذا لا ينسجم مع العصمة والطهارة التي نص عليها قوله تعالى:
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
وإن لم يكن قد ارتكب محرماً، فلا يجوز التشهير به على المنبر، بل كان على الإمام علي أن ينصحه سراً، لأن الطعن في الولد طعن في تربية الأب نفسه. فكيف يُشهَّر بمؤمن عادي، فكيف بريحانة رسول الله؟ وفي الحالتين، الرواية تتضمن طعناً في عصمة أحد الأئمة الأطهار.
كما أن هذا الأمر منافٍ لِما ورد عن أمير المؤمنين في حق ولده الحسن، إذ قال له: «وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي، حتى لو أن شيئاً أصابك أصابني»، وقال له أيضاً: «إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، كل ما أُلقي فيها قبِلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك وينشغل لبك». فهل يُعقل أن يصل المؤدَّب بأدب علي عليه السلام إلى أن يُسمى من قبل أبيه «مطلاق»؟
الملاحظة الثالثة
لو صح ما يدعيه بعض الباحثين من أن الإمام طلّق لدواعٍ عقلائية، فإن بعض الروايات تذكر خمسين، وأخرى سبعين، وأخرى تسعين، وأخرى مائتين وخمسين زوجة. فإذا كان بهذا العدد الضخم، لكان من المفترض أن تكون ذريته أكثر ذرية بين الأئمة. بينما إذا رجعنا لأوثق مصدر يتحدث عن أولاد الإمام الحسن، وهو الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد، نجده يذكر أن الإمام الحسن خلّف خمسة عشر ولداً بين ذكر وأنثى، ويذكر أسماءهم وأسماء أمهاتهم بوضوح تام.
فأين ذهب الخمسون؟ وأين ذهب السبعون؟ وأين ذهبت المائتان والخمسون؟ كل هذا يكشف أن هذه الروايات موضوعة في سبيل تشويه شخصية الإمام الحسن المجتبى، ولا يبعد أن العباسيين وضعوها نكاية بالحسنيين الذين قادوا الثورات ضد الدولة العباسية، كمحمد ذي النفس الزكية وعبد الله بن الحسن وأمثالهم، فأراد العباسيون نكاية بهم أن يشوهوا صورة جدهم الإمام الحسن برميه بهذه التهم المخزية.
الصفحة السياسية
تمثلت الصفحة السياسية للإمام الحسن بصلحه مع معاوية بن أبي سفيان سنة إحدى وأربعين للهجرة. وقد طرح الباحثون عدة نظريات في فلسفة الصلح:
النظرية الأولى: الهدنة لا الصلح
يرى أصحاب هذه النظرية أن الإمام الحسن لم يصالح ولم يسلّم الحكم لمعاوية، وإنما كانت هدنة في القتال لا أكثر، حفظاً للدماء التي سالت من الطرفين، دون أن يبايع معاوية.
النظرية الثانية: حقن دماء المسلمين
يرى أصحابها أن الإمام الحسن عقد صلحاً فعلاً يستلم فيه معاوية الحكم، لكن ذلك لم يكن عن جبن أو ضعف، بل حفاظاً على دماء المسلمين. وقد قال الإمام الحسن بنفسه: «إني خشيت أن يُجتث المسلمون عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعٍ»، وقال أيضاً: «إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية هو حق لي، تركته لإصلاح أمر الأمة وحقن دمائها».
فحين خرج الإمام الحسن من الكوفة إلى المدائن بجيش يبلغ نحو اثني عشر ألفاً، كان هذا الجيش منهاراً متهالكاً، كارهاً للقتال. وقد بايع مجموعة من قواد الجيش معاوية سراً، وانتشر الجواسيس في صفوف الجيش ينقلون الأخبار إلى معاوية، حتى صاح صائح منهم أن قيس بن سعد قد قُتل، فانهزم الناس وهجموا على خيمة الإمام الحسن، ونزعوا البساط من تحت رجليه، وطعنه رجل من الخوارج بخنجر في فخذه قائلاً: «أشركتَ يا حسن كما أشرك أبوك من قبل».
أمام هذا الانهيار، رأى الإمام الحسن أن خوض الحرب لن تكون نتيجته الشهادة المحبوبة، بل استهداف المسلمين واجتثاثهم، وأن الجيش الأموي سيدخل العراق ويُبيد شيعة علي عن بكرة أبيهم. لذلك اختلف موقف الحسن عن موقف الحسين: فالحسين خرج باثنين وسبعين متفانين مستبسلين، بينما خرج الحسن بجيش منهار لو خاض به القتال لكانت النتيجة الإبادة العامة.
النظرية الثالثة: حفاظاً على عزة منصب الإمامة
يرى أصحاب هذه النظرية أن الإمام الحسن وافق على الصلح من نفس المنطلق الذي رفض منه الحسين بيعة يزيد، حين قال: «وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات من الذلة». فكان الإمام الحسن يعلم أن معاوية لا يريد قتله، لأن قتل ريحانة رسول الله سيهيّج الناس عليه، بل كان يخطط لأسره، ليقوم متبختراً ويمنّ عليه بالعفو، فيكون ذلك إذلالاً لمنصب الإمامة. لذلك قال الإمام الحسن: «والله لأن أسالمه وأنا عزيز أحب إليّ من أن يقتلني وأنا أسير، أو يمن عليّ بالعفو فتكون سُبّة على بني هاشم».
النظرية الرابعة: الصلح من موقف القوة
يرى أصحابها أن الإمام الحسن صالح معاوية من موقف القوة لا الضعف، وأن الجيش العراقي كان قوياً مستبسلاً في الدفاع عنه، وهناك عدة شواهد على ذلك:
الشاهد الأول: أن معاوية لما زار المدينة، دخل عليه عبد الله بن الزبير، فقال له معاوية: يا عبد الله، لا تعجب للحسن بن علي، ما زارني وأنا في المدينة منذ ثلاثة أيام. فقال ابن الزبير: أنت تعلم أن الحسن بن علي لو أراد لضربك بمئة ألف سيف، وإن أهل العراق لأبرّ به من الأم لولدها.
الشاهد الثاني: ما ذكره الطبري بسند صحيح عن الزهري أن علي بن أبي طالب خرج إلى صفين مع أهل العراق، وكانوا أربعين ألفاً بايعوه على الموت، ولما قُتل علي بايعوا ولده الحسن على ما بايعوا عليه أباه.
الشاهد الثالث: أن معاوية كتب إلى الحسن: «يا أبا محمد، أنا خير منك، لأن الناس أجمعت عليّ ولم تجمع عليك». فكتب إليه الإمام الحسن: «إن الذين أجمعوا عليك بين مُكرَه ومُطيع، فأما المكره فهو معذور في كتاب الله، وأما المطيع فهو عاصٍ لله، وأنا لا أقول إني خير منك، لأنه لا خير فيك، فلقد برّأني الله من الرذائل كما برّأك من الفضائل».
وكما روى البلاذري وغيره، فإن الذي طلب الصلح هو معاوية وليس الإمام الحسن. فقد عرض معاوية أولاً أن تكون الشام والعراق مقسّمة بينهما، فأبى الإمام الحسن حفاظاً على وحدة الدولة الإسلامية. ثم عُرضت فكرة أن يكون الأمر لمعاوية على أن يعود للإمام الحسن إن حدث به حدث، وعلى معاوية أن يرفع سبّ علي عن المنابر وألا يتعرض لشيعته في العراق.
وبالفعل، عاش شيعة العراق عشر سنوات بين الصلح وشهادة الإمام الحسن آمنين، لم يتعرض لهم معاوية، ورُفع سبّ علي عن المنابر التزاماً بوثيقة الصلح. ولولا أن الحسن كان في موقف قوة، لما استجاب معاوية لذلك طوال عشر سنين.
استشهاد الإمام الحسن عليه السلام
لذلك خطط معاوية لقتل الإمام الحسن، إذ رأى أنه لا سبيل للخروج من التزامات الصلح إلا بذلك. فسلّط زياد بن سمية على العراق بعد شهادة الإمام الحسن سنة إحدى وخمسين، ففعل بأهل العراق الأفاعيل من قطع الأيدي والأرجل وسمل العيون والتصليب على جذوع النخل والتشريد.
ودبّر معاوية اغتيال الإمام الحسن عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث، إذ أغراها بالزواج من ابنه يزيد وبالأموال، فدست إلى الإمام الحسن السم في اللبن، وهو صائم، فتناول منه قليلاً فأحس بحرارة السم في أحشائه، حتى أثّر على بدنه واصفرّ لونه وضعفت قواه، وصار يقذف الدم قطعة قطعة في الطشت.
ودخلت عليه العقيلة زينب عليها السلام، فرأت أحشاء أخيها في ذلك الطشت، فصرخت متأثرة، وهي تستحضر أن غداً سترى رأس أخيها الحسين مخضباً بدمه.
وفي ساعاته الأخيرة، أوصى أخاه الحسين قائلاً إنه إن مات فليكفنه ببقايا كفن رسول الله الذي نزل به جبرائيل من الجنة وقُسّم أربعة أقسام: لجده المصطفى، ولأمه الزهراء، ولأبيه المرتضى، وله هو. وقال لأخته زينب: «كأني به صريعاً على الثرى، بلا غسل ولا كفن، لا يوم كيومك يا أبا عبد الله».
ثم مدّ يديه ورجليه وغمّض عينيه وفاضت روحه الشريفة. فجهزه أخوه الحسين وحمل نعشه إلى قبر جده رسول الله، فمُنع من الدفن هناك، ورُميت الجنازة بالسهام حتى خرقتها ثلاث وسبعون نبلة، فحُملت إلى البقيع ودُفنت عند قبر جدته فاطمة بنت أسد.
عظّم الله أجورنا وأجوركم بهذه المصيبة.
اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تُسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.
