عاشوراء٩ محرم ١٤٤٨ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

هوية الدين بين الانتقاء والانضباط

الهوية بين التدين الواقعي والانتقاء: قراءة في أزمة الهويات المعاصرة

مقدمة

هل يحتاج الإنسان إلى الهوية في العصر الحديث، وهو عصر أزمة الهويات؟ هل الهوية الدينية مجرد انتماء ثقافي أم مشروع حياة متكامل؟ لماذا نختار من الدين ما يوافق رغباتنا ولا نأخذ منه ما يصطدم معها؟ هل الدين فوق المقاس الشخصي أو الاجتماعي؟ وهل جعل الدين وفق مقاسنا الخاص هو تقنين له أم تحريف؟

هذه الأسئلة نتناولها عبر ثلاثة محاور: المحور الأول في هوية التدين وكونها محور الهويات، والمحور الثاني في الفرق بين التدين الرقمي والتدين الواقعي، والمحور الثالث في الدين بين منهج التسليم ومنهج الانتقاء.

المحور الأول: الهوية الدينية محور الهويات

نطرح في هذا المحور أربعة أسئلة: ما هي الهوية؟ ما هي أقسامها؟ ما هي الحاجة إليها؟ وما هي محورية الهوية الدينية من بين الهويات؟

ما هي الهوية؟

استوفى علم الاجتماع المعاصر البحث حول تعريف الهوية، وقد ذكر إريك إريكسون ذلك في موسوعة ستانفورد للفلسفة. وخلاصة هذا البحث أن الهوية هي العنصر الثابت وراء العناصر المتغيرة. فالإنسان له عناصر متغيرة: أفكاره تتغير، مشاعره تتغير، سلوكه يتغير. لكن وراء هذه العناصر المتغيرة يوجد عنصر ثابت يجمع مشاعره وأفكاره وسلوكه في مراحل عمره المختلفة وظروفه المتنوعة. تلك الوحدة الثابتة هي المسماة بالهوية، وهي التي يعبر عنها الإنسان بكلمة "أنا"، سواء كان طفلاً أو شابًا أو كهلاً.

والقرآن الكريم أشار إلى هذا التمايز بين العناصر المتغيرة والعنصر الثابت. فمن العناصر المتغيرة الجدل، يقول تعالى:

وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

ومنها العجلة:

خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ

ومنها الظلم والجهل، كما في قوله تعالى:

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا

أما العنصر الثابت الذي هو هوية الإنسان الحقيقية فهو الروح، كما في قوله تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

والروح البشرية تجمع أربعة مقومات ذكرها القرآن الكريم:

المقوم الأول: القدرة على التمييز، كما في قوله تعالى:

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

المقوم الثاني: الإلهام، فالإنسان لم يُترك سدى بل أُلهم طريقه، كما في قوله تعالى:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا

المقوم الثالث: النفس الأمّارة، وهي إلحاح الشهوات على الإنسان:

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ

المقوم الرابع: النفس اللوّامة، وهي الضمير الذي يلوم صاحبه ويوبخه ويرشده:

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ

فهوية الإنسان إذن هي مجمع هذه القوى الأربع: القدرة على التمييز، والإلهام، والنفس الأمّارة، والنفس اللوّامة.

أقسام الهوية

تنقسم الهوية إلى هوية فردية وهوية اجتماعية.

الهوية الفردية في علم النفس تعني ثلاثة أمور: المزاج، والجين الوراثي، والتجارب الشخصية. فمزاجك الخاص، وما ورثته من صفات أسلافك، وتجاربك الشخصية، كل ذلك يشكل هويتك الفردية، وهي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى:

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ

فكل واحد تحركه "شاكلته"، أي مزاجه وجينه الوراثي وتجاربه الخاصة.

أما الهوية الاجتماعية فهي السمات المشتركة بين مجموعة من البشر تنتمي إلى رمز معين، وتشمل: الهوية الوطنية، والهوية القومية، والهوية الأسرية، والهوية الدينية. فالإنسان الواحد قد يقول: أنا من لبنان (هوية وطنية)، أنا عربي (هوية قومية)، أنا من عائلة كذا (هوية أسرية)، أنا مسلم شيعي (هوية دينية).

الحاجة إلى الهوية الاجتماعية

لا يمكن للإنسان أن يعيش بلا هوية اجتماعية؛ فهو محتاج بالضرورة إلى الانتساب إلى لغة وأرض وأسرة ودين. والسبب أن الهوية الاجتماعية تشبع للإنسان ثلاث حاجات فطرية: الحاجة إلى الحب، والحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى الاعتزاز. فانتماء الإنسان إلى مجتمعه يغذيه بالشعور بالحب المتبادل، وبالحاجة إلى الاعتزاز والافتخار، وبالحاجة إلى الشعور بالتقدير حين يخدم مجتمعه فيمنحه مكانة وموقعًا.

محورية الهوية الدينية

ما قيمة الهوية الدينية من بين سائر الهويات؟ هل هي هوية عابرة تتساوى مع باقي الهويات، أم هي جوهر الهويات ومحركها ورأسها؟ إن الهوية الدينية هي الرأس، كما يقول تعالى:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

ويقول تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

وتتمتع هذه الهوية بأربع سمات لا تتمتع بها هوية أخرى:

السمة الأولى: أنها هوية فطرية، نشأت مع الإنسان منذ ولادته. ويمكن تفسير ذلك بمنطق علمي: فللإنسان أربع نزعات فطرية أصيلة.

النزعة الأولى: حب اكتشاف المجهول ومعرفة الحقيقة، يقول تعالى:

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ

النزعة الثانية: غريزة حب الذات، فكل إنسان يحب ذاته بطبعه، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى:

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ

النزعة الثالثة: حب الجمال، سواء كان جمالًا ماديًا أم معنويًا وخُلقيًا.

النزعة الرابعة، وهي الأهم: تعظيم القوة. فالإنسان بفطرته يعظم كل قوة قاهرة، وكلما كبرت القوة كبر تعظيمه لها، حتى يدرك أن هناك قوة هي أقوى القوى، أبدعت هذا الوجود، فيخضع لها ويذعن ويعظمها، وتلك القوة هي الله تبارك وتعالى. لذلك يقول تعالى:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

السمة الثانية: أن التدين يحدد الأصالة. فالتدين يسأل الإنسان من هو الأصيل في الوجود: أهو الإنسان أم الله؟ فإذا كان الإنسان هو الأصيل والمركز، كما تراه العلمانية اليوم، صار الإنسان مصدر السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. أما إذا كان الأصيل هو الله، فالله هو مصدر السلطات، والإنسان مجرد خليفة وأمين، كما في قوله تعالى:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

وقوله تعالى:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

فالدين يغير كيان الإنسان، ويجعله كيان أمانة وخلافة، وليس كيان أصالة.

السمة الثالثة: أن الدين هو الداعم للضمير الأخلاقي. فالإنسان لديه ضمير أخلاقي يحب الصدق والأمانة والعدل، لكن هذا الحب يحتاج إلى داعم يحركه، والدين هو الداعم الرئيسي للقيم والفضائل لأنه وضع لها جزاءً يحرك نحوها، كما في قوله تعالى:

إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ

ولذلك ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:

إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق

فالأخلاق موجودة في الإنسان بفطرته، لكن الدين متمم لها وداعم ومحرك نحوها.

السمة الرابعة: أن الدين لا يعطي الحرية المطلقة، لأنه يعتبر الحرية وسيلة وليست هدفًا، بخلاف العلمانية التي تعتبرها قيمة في ذاتها. أما القيمة في حد ذاتها فهي الكرامة، كما في قوله تعالى:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ

وقوله تعالى:

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

المحور الثاني: التدين الرقمي والتدين الواقعي

هناك ظاهرة لدى شبابنا اليوم هي التدين الرقمي، ومعناها أخذ الدين من وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والوسائل الإلكترونية المتاحة. ويختلف هذا التدين عن التدين الحقيقي على مستويين: المستوى المعرفي والمستوى العملي.

المستوى المعرفي

كثير من الشباب يأخذون المعلومة الدينية من الذكاء الاصطناعي كمعلومة مسلَّمة، ويعتمدون عليها لخصلتين:

الخصلة الأولى: سهولة الوصول إلى المعلومة، حيث يمكن التعرف عليها خلال ثوانٍ.

الخصلة الثانية: أن السوشال ميديا تمنح الإنسان ثقة بالنفس، إذ يظن أنه أصبح مفسرًا للقرآن أو فقيهًا لمجرد أنه جمع معلومات عبر الذكاء الاصطناعي، وهذه الثقة أكبر مما يحصل عليه من التعلم عبر المسجد أو المنبر.

لكن هذا الاعتماد له سلبيات خطيرة:

السلبية الأولى: عدم التمييز بين المصدر الموثوق وغير الموثوق. وهنا يناديك القرآن الكريم:

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

فكما لا يُعتمد على الذكاء الاصطناعي في علاج الأمراض بدلًا من الطبيب المختص، فكذلك الدين له رجاله المختصون.

السلبية الثانية: الاعتماد على المقاطع الصغيرة التي لا توفر معرفة رصينة، وإنما معارف سطحية وعابرة.

السلبية الثالثة: أن الخوارزميات ترسخ المشهور الرائج وليس الصحيح، لأنها تقدم الجاهز لا الأصح. وهنا يقول تعالى:

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

إنما هلك الناس في خصلتين: أن تفتوا بغير ما تعلمون، أو تدينوا بما لا تعلمون

كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى:

فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ

أن المراد: فلينظر الإنسان إلى علمه ممن يأخذه، لأن الغذاء الروحي والمعرفي أهم من الغذاء المادي.

المستوى العملي

كثير منا يفضل الجلوس أمام الشاشة على الذهاب إلى المآتم والمجالس، بحجة أنه يستطيع في ساعة واحدة أن يستمع للمجالس ويزور العتبات المقدسة ويستمع للطميات، دون عناء الحضور الفعلي. لكن الحقيقة أن الشاشة لا توفر الأجواء الروحية التي تفاض على القلب من خلال صلاة الجماعة وحلقات القرآن ومجالس أهل البيت وزيارة العتبات المقدسة؛ فهي توفر الصور فقط، بينما التدين يحتاج إلى الأجواء الروحية التي تصنعه لا مجرد المشاهدة.

لذلك قال تعالى:

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

وقال تعالى:

وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ

وورد عن الإمام الصادق عليه السلام لفضيل:

يا فضيل، أتجلسون وتتحدثون؟ قلت: بلى. قال: إني أحب تلك المجالس، فأحيوا أمرنا... من جلس مجلسًا يُحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب

وورد عنه أيضًا:

من زار الحسين كان له بكل خطوة حسنة، ومُحيت عنه سيئة

فزيارة الحسين إنما تكون بالمشي والتفاعل الروحي والولاء الحسيني، لا برؤية الشاشة فقط. فالتدين الرقمي ليس بديلًا عن التدين الواقعي.

المحور الثالث: الدين بين منهج التسليم ومنهج الانتقاء

توجد لدى مجموعة من أبنائنا وبناتنا ظاهرة انتقاء الدين، فهل الدين انتقاء أم تسليم؟ نحن بين نهجين: نهج الانتقاء ونهج التسليم، وذلك على البعد الفكري والبعد السلوكي.

الانتقائية الفكرية

للانتقائية الفكرية اليوم ألوان عدة:

اللون الأول: إعادة تفسير الدين على ضوء الحداثة وما بعد الحداثة، بزعم أن الدين ظاهرة روحية شخصية بين الإنسان وربه فحسب. لكن القرآن الكريم يقول:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ

ويقول تعالى:

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ

فالدين حركة اجتماعية فاعلة، مشروع حياة وحضارة يحقق الكرامة والعدالة، وليس مجرد ظاهرة شخصية.

اللون الثاني: زعم أن الآيات المتعلقة بالمرأة، كقوله تعالى:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ

وقوله تعالى بشأن الشهادة:

فَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ

إنما تعبر عن مرحلة تاريخية لا تناسب العصر الحديث. والسؤال هنا: لماذا نعتبر هذه الآيات تعبيرًا عن مرحلة تاريخية، بينما نعتبر آيات أخرى كقوله تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ

أو قوله تعالى:

إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ

أو قوله تعالى:

وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا

تشريعات دائمة؟ إن هذا التبعيض والتجزئة بلا مبرر فكري هو من مصاديق قوله تعالى:

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

اللون الثالث: التركيز على الآيات التي فيها سهولة، والاستدلال بقوله تعالى:

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

وقوله تعالى:

وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ

مع إغفال آيات أخرى كقوله تعالى:

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا

وقوله تعالى:

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ

فلماذا لا ننظر إلى الدين كمنظومة متكاملة يكمل بعضها بعضًا؟ هذا هو النهج الانتقائي الفكري الذي لا يرتضيه القرآن الكريم، إذ يقول تعالى:

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ

الانتقائية السلوكية

على المستوى السلوكي، نحن أيضًا بين انتقاء وانضباط. فمجموعة من أبنائنا وبناتنا يبحثون عن الفتوى السهلة التي تريحهم، سواء في مسألة الموسيقى أو الخمس أو غيرها، فيختارون الفقيه الذي يوافق هواهم بدلًا من البحث عن الأعلم الجامع لشرائط الفتوى.

لكن الدين انضباط وتسليم، وليس انتقاءً. لذلك ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام:

لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد من قبلي، الإسلام هو التسليم

وورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون خائفًا راجيًا، ولا يكون خائفًا راجيًا حتى يعمل لما يخاف ويرجو

ويقول تعالى:

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ

ويقول تعالى:

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ

فالدين تسليم وانضباط والتزام وتطبيق، وليس انتقاءً، وهو حركة فاعلة كما وصف القرآن الكريم النبي محمدًا صلى الله عليه وآله ومن معه:

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا

وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في معنى هذا التسليم والانضباط:

لو أُعطيت الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت

تجلي التسليم في كربلاء

لقد تجسد هذا الانضباط والتسليم يوم كربلاء بأروع صوره وأجلى مظاهره. فبينما وقف الحسين عليه السلام على مرتفع من الأرض ينظر إلى قتال ولده علي الأكبر، كانت أمه ليلى تجلس تنظر إلى وجه الحسين، فإذا رأت وجهه متبسمًا ارتاحت، وإذا رأته متغيرًا انكسر قلبها.

وحين تغير وجه الحسين عليه السلام، سألته: "أبا عبد الله، قطعتَ قلبي، ما لي أراك تغير وجهك؟" فقال: "أُصيب ولدي بسوء". قالت: "ما اصيب بسوء؟" قال: "برز إليه من يخاف عليه منه". فطلب منها أن تدخل خيمتها وتدعو ربها، لأن دعاء الأمهات في حق أولادهن مستجاب. فدخلت ورفعت يديها داعية: "إلهي بحق عطش أبي عبد الله، إلهي بحق وحدة أبي عبد الله، إلهي بحق غربة أبي عبد الله، يا رادّ يوسف على يعقوب، رُدّ عليّ ولدي عليًا".

فما أتمت دعاءها حتى رجع علي الأكبر من المعركة منتصرًا. ثم عاد إلى القتال بعد أن ودعته زينب وأخواته، وهو ينادي: "أنا علي بن الحسين بن علي، نحن وبيت الله أولى بالنبي".

وحين قُتل، خرج الحسين عليه السلام إليه كالصقر، فوجده مقطعًا، فانحنى عليه مناديًا: "على الدنيا بعدك العفا".

بهذا التسليم المطلق، وهذا الانضباط الكامل بأمر الله، تتجلى هوية التدين الحقيقية التي هي محور كل الهويات، والتي عاشها أهل البيت عليهم السلام في أروع مواقفهم وأسمى تضحياتهم.