شهر رمضان المبارك٣ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

حكم التعامل بعملة البيتكوين: بحث فقهي

التعامل بعملة البيتكوين: بحث فقهي

مدخل: النقود الإلكترونية وعملة البيتكوين

أصبحت النقود الإلكترونية تفرض نفسها في ساحة الاقتصاد العالمي نتيجة الثورة الرقمية والتكنولوجية التي تجتاح العالم، سيما في القطاع المالي والمصرفي، وعلى رأسها عملة البيتكوين التي بلغت الذروة في قيمتها المالية عام 2019، حيث تحوّل سعر الوحدة منها إلى أكثر من عشرة آلاف دولار، مع أنها بدأت عام 2008 لا تتعدى قيمتها دولاراً واحداً.

يقع هذا البحث في التعامل بهذه العملة من خلال ثلاث جهات:

  • الجهة الأولى: تعريف النقود الإلكترونية.
  • الجهة الثانية: تحديد حقيقة البيتكوين.
  • الجهة الثالثة: الموقف الفقهي من التعامل بها.

الجهة الأولى: تعريف النقود الإلكترونية

عُرِّفت النقود الإلكترونية - كما في مقالة "الآثار النقدية والاقتصادية والمالية للنقود الإلكترونية" للباحث محمد إبراهيم محمود الشافعي - بأنها:

قيمة نقدية مخزَّنة على وسيلة إلكترونية مدفوعة مقدَّماً وغير مرتبطة بحساب بنكي، وتحظى بقبول واسع من غير من قام بإصدارها، وتُستعمل كأداة للدفع لتحقيق أغراض مختلفة.

يشتمل هذا التعريف على عدة عناصر:

  1. قيمة مالية تصلح أن تكون ثمناً للسلع وأجرة للخدمات.
  2. تحقيق أغراض مختلفة من استعمال القيمة النقدية.
  3. أنها قيمة مالية مشحونة إلكترونياً على وسائط صلبة أو مرنة، يتم شراؤها مسبقاً من المؤسسات المصدِرة لها.
  4. أنها غير مرتبطة بحساب بنكي، بل هي مدفوعة الثمن مقدماً.
  5. أنها تحظى بقبول عام في عالم البورصة، وليست خاصة بجهة أو زمان معين.
  6. أنها تُستعمل كالنقود الورقية لأغراض مختلفة، لا لخصوص المبادلة والمعاوضة عليها.

الجهة الثانية: حقيقة عملة البيتكوين

اشتقاق الاسم وطبيعة العملة

كلمة "بيتكوين" مركبة من "bit" و"coin"؛ فـ"bit" تعني الشفرة (شفرة الحاسوب)، و"coin" باللغة الإنجليزية تعني العملة. فالبيتكوين هي هذه العملة المشفرة، وهي عملة إلكترونية ليس لها وجود فيزيائي على أرض الواقع، ويتم تداولها عبر شبكة الإنترنت فقط.

يعود ظهور هذه العملة إلى عام 2007 على يد شخص يُدعى "ساتوشي". وقد عاشت هذه العملة تذبذباً حاداً في قيمتها منذ عام 2009 إلى عام 2017، حيث انخفضت قيمتها من 19 ألف دولار إلى 6 آلاف ومئة دولار. ولتفادي هذا التذبذب، حدَّد مؤسسها إصدار حوالي 21 مليون وحدة حتى عام 2025، حتى يكون العدد محدداً والتداول ضمنه.

ومع ذلك، بقيت قيمتها متذبذبة نتيجة ما تتعرض له أنظمتها من قرصنة واختراقات، ورفض من أغلب حكومات العالم والهيئات المالية الرسمية، بحيث كان احتمال الخسارة في التعامل بها كبيراً جداً. ولأنها عبارة عن أرقام ورموز تنتقل بين المحافظ الإلكترونية للأشخاص بطرق يتعذر فيها تتبع هوية المتعاملين بها، أصبحت أكثر تداولاً في مجال حركة الأموال المشبوهة حول العالم.

الفارق بين البيتكوين والنقود الإلكترونية الأخرى

يتبين الفارق بين البيتكوين وبقية النقود الإلكترونية من ناحيتين:

الناحية الأولى: للنقود الإلكترونية ضمان؛ لأن لها غطاءً من النقد الورقي، وقيمتها هي قيمة العملة الأصلية (الدولار الإلكتروني هو الدولار الورقي من حيث العملة الأصلية)، بينما البيتكوين ليس لها غطاء يحميها أو يضمن قيمتها.

الناحية الثانية: تعتمد النقود الإلكترونية على وجود حساب مقيد يحتوي على المبالغ النقدية المعتبرة، أما البيتكوين فهي عملية حسابية مرتبطة بالخوارزميات، ولكل وحدة رقم يميزها عن بقية الوحدات، يكون معهوداً بين خصوص المتعاملين بها، وليس أمراً مفتوحاً واضحاً لكل من يسبر أغوار هذه العملة.

خصائص التعامل بالبيتكوين

  1. لا يحتاج التعامل بها إلى الإفصاح عن أي بيانات أو معلومات شخصية، كما في المعاملات التجارية التي تتطلب معرفة البائع والمشتري وحدود السلعة وزمن الأداء.
  2. يمكن تحويلها لأي رقعة في العالم، مع أن بعض الحكومات تمنع تداولها.
  3. يمكن إبرام الصفقات المالية بها في بضع ثوانٍ، دون حاجة إلى دراسة واستبيان.
  4. ليس بإمكان أي جهة خارجية توقف التعامل بها حال إجرائها؛ فبمجرد أن يتم التعامل لا يمكن لأحد أن يتراجع عنه أو يوقفه.

الجهة الثالثة: الموقف الفقهي من التعامل بها

عرض الموانع إجمالاً

المانع الأول: عدم توفر الغطاء المالي المضمون لها، لعدم صدورها عن دولة أو مؤسسة نقدية معلومة؛ فمصدرها جهة مجهولة لا تراعي إلا الربح الشخصي، ولا تنتمي لأي سلطة سيادية أو هيئة مالية، ولا تخضع لقيود المؤسسات المصرفية والنقدية الدولية، وهو ما جعل عملة البيتكوين ذريعة في عمليات غسيل الأموال وتمويل تجارة المخدرات والأموال الناتجة عن الجريمة المنظمة. ومرجع هذا الوجه - مختصراً - أنها ليست مالاً؛ لأن من مقومات المال أن له غطاءً نقدياً، وهذه ليس لها غطاء مالي، وبالتالي فالمعاملات المنوطة صحتها بأن يكون العوض والمعوَّض مالاً لا تجري فيها.

المانع الثاني: الغرر. فالغرض النوعي من العملة - أي عملة كانت - أن تكون وسيلة لتبادل الأموال والسلع، وذلك يقتضي أن تكون الوسيلة ذات قيمة مستقرة نسبياً حتى تكون واسطة في التبادل. بينما البيتكوين في معرض التقلبات السريعة والانخفاض الفاحش في القيمة المالية؛ فمثلاً في 20 نوفمبر 2018 خسرت من قيمتها في أقل من 24 ساعة ما يقارب 25% منها، فنزلت من 6200 دولار للوحدة إلى 4200 دولار. مما يوجب أن يكون التعامل بها غررياً، فيندرج تحت نهي النبي عن بيع الغرر.

المانع الثالث: اندراج التعامل بها تحت عنوان الباطل في الآية المباركة:

"وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"

بأن يراد بالباطل باء المعاوضة، أي: لا تبادلوا أموالكم بعوض باطل، والمقصود بالعوض الباطل ما كان رِباً أو مجهولاً أو فاسداً شرعاً، كالأعيان النجسة والأموال المحرَّمة. وبما أن البيتكوين - بحسب هذا التحديد - عوض باطل شرعاً؛ لأنه مجهول القيمة ومجهول استقرار المالية، فيندرج المنع منه تحت هذا النهي.

العرض التفصيلي للمانع الأول: فقدان المالية

ينبغي البحث في هذا المانع من خلال أربعة مطالب:

  1. مفهوم المالية.
  2. أقسام المالية.
  3. دليل اعتبار المالية في المعاوضات.
  4. حكم بذل المال بإزاء ما لا مالية له.

المطلب الأول: مفهوم المالية

المالية عنوان منتزَع، خلافاً للمحقق النائيني قدس سره في "منية الطالب"، الذي ذهب إلى أنها أمر اعتباري. والصحيح أن المالية أمر انتزاعي، يتحقق بمجموع عنصرين:

العنصر الأول: أن يكون للشيء فائدة معتد بها نوعاً، سواء في تمام الحالات كالأغذية، أو في بعض الحالات كالأدوية، وسواء كان النفع لعموم الناس أو لصنف منهم بما هم عقلاء، كالتحف والآثار. ويشمل ذلك شراء الديدان والخنافس لأغراض عقلائية، كاستنتاج دواء أو الكشف عن مرض معدٍ من خلالها؛ فهذا ليس شيئاً فاقداً للمالية لأن فيه غرضاً عقلائياً معتداً به.

العنصر الثاني: أن يكون الشيء مطلوباً لا مبذولاً؛ وإلا لو كان مبذولاً لكل أحد، كما في الماء على الشواطئ والأنهار أو الهواء، فإنه وإن كانت له منافع مهمة، لكن لأنه مبذول فليس مطلوباً، ولأنه ليس مطلوباً لا يكون من شأنه انتزاع المالية.

الأمر الأول المتفرع: الفارق بين المالية والملكية؛ فالنسبة بينهما عموم من وجه: قد يكون الشيء ملكاً وليس مالاً، كحبة من الرز أو الحنطة، فهي ملك لمن يملك الحنطة لكنها ليست مالاً. وقد يكون الشيء مالاً وليس ملكاً، كالمعادن التي تحت الأرض، فهي أموال ضخمة لكنها ليست بالفعل ملكاً لأحد، بل من المباحات التي تُملَك بالحيازة.

الأمر الثاني المتفرع: إن إسقاط المشرِّع للمالية عن الخمر أو الكلب أو غيرها من الأعيان النجسة ليس من الرفع التشريعي، خلافاً لما ذهب إليه المحقق النائيني في "منية الطالب" (الجزء الأول، صفحة 340). فإذا قلنا إن المالية عنوان انتزاعي وليس اعتبارياً، فالشارع يتدخل في منشأ الانتزاع لا في العنوان الانتزاعي نفسه، وبالتالي فرفعه للمالية عن الأعيان النجسة رفع تكويني، لا تشريعي؛ لأنه رفع لمنشأ الانتزاع، فارتفع العنوان الانتزاعي تلقائياً بلا حاجة إلى رفع اعتباري من قبل الشارع.

المطلب الثاني: أقسام المالية

المالية قد تكون حقيقية وقد تكون اعتبارية، بحسب منشأ انتزاعها:

  • المالية الحقيقية: ما كان منشؤها حاجة تكوينية، كما في الأغذية والأدوية ووسائل النقل والتواصل.
  • المالية الاعتبارية: ما كان منشؤها اعتباراً، إما من العرف العام أو من جهة خاصة كدولة أو مؤسسة. وتنقسم إلى:
    • مالية ثابتة: ما كانت ناشئة عن اتجاه عقلائي غالب، كمالية الذهب والفضة والجواهر الكريمة. وتنبيهاً: ليست مالية الذهب والفضة مالية تكوينية كالماء والأغذية، بل لها منشأ اعتباري، بدليل أن بعض الأقوام في إفريقيا لا يرون للذهب والفضة قيمة عندهم أصلاً، وإنما نشأ اعتبار ماليتهما من جهتين: الأولى أنهما مطلوبان وليسا مبذولين، والثانية أن بعض الأقوام يرونهما زينة يعتدّون بلمعانهما.
    • مالية غير ثابتة (متغيرة): ما كانت ناشئة عن اعتبار خاص، كالسندات أو الصكوك، أو كوسيلة للتبادل بين الأموال كما في النقود، سواء كانت عينية (كالنقود الورقية) أو ذمية (كالنقود الإلكترونية).

ومعنى اعتبار الجهة المصدرة للنقد أن هذا النقد دين في الواقع؛ فمعنى اعتبار الدولة للنقد أنها تضمنه في ذمتها، والذمة لا تختص بالأشخاص الحقيقيين، بل للأشخاص الاعتباريين كالبنك والدولة والمؤسسة المصرفية ذمة أيضاً. ولذلك تتفاوت قيمة النقد بتفاوت الدولة ومدى الذمة الاعتبارية التي تمتلكها، وتقوم الدولة بضمان قيمة النقد بناءً على غطاء مالي؛ فما لم يكن للدولة غطاء، لا تستطيع أن تضمن قيمة نقدها. وهذا الغطاء قد يكون النفط، أو المعادن، أو الناتج الزراعي، أو حتى القوة العسكرية كما في الولايات المتحدة، التي تستند قيمة نقدها إلى كونها القوة العسكرية الضاربة في العالم. فالغطاء المالي هو العصب الأساس للقيمة الاعتبارية للنقد الصادر من أي جهة.

المطلب الثالث: دليل اشتراط المالية في المعاوضات

استُدل على اشتراط المالية في المعاوضات (كالبيع والإجارة) بوجوه ثلاثة، مع ملاحظة أن السيد الخوئي في بحثه أنكر اشتراط المالية وقال يكفي الغرض، بينما في "منهاج الصالحين" ذكر من شروط المعاوضين اعتبار المالية.

الوجه الأول: أن المعاملة على ما ليس مالاً معاملة سفهية، والمعاملة السفهية باطلة لدى المجتمع العقلائي.

الجواب:

  • أولاً: على مبنى السيد الخوئي قدس سره، فإن الباطل هو معاملة السفيه لا المعاملة السفهية؛ لأن الآية نهت عن التعامل مع السفيه:

"وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا"

ولم تنهَ عن المعاملة السفهية.

  • ثانياً: على فرض القول بأن التعامل على ما ليس مالاً معاملة سفهية، فهناك فرق بين عدم إقدام العقلاء على المعاملة السفهية وبين حكمهم بإبطالها. فالعقلاء لا يقدمون عليها احتياطاً من الخسارة، لكن لو أقدم شخص عليها فعلاً، فهل يحكم العقلاء ببطلانها؟ هذا محل نظر.

الوجه الثاني: أن التعامل على ما ليس بمال من أكل المال بالباطل، والمراد بالباطل الباطل العقلائي، وما ليس مالاً باطل عند العقلاء، فيندرج تحت النهي في الآية.

الجواب: مقتضى المقابلة بين المستثنى والمستثنى منه في الآية:

"وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ"

أن المراد بالباطل هو الغصب والإكراه والظلم، وما لا يكون تجارة عن تراضٍ، بل احتيالاً - لا ما ليس بمال. وهذا مبني على أن الباء في "بالباطل" باء سببية؛ والمعاملة على ما ليس بمال لا تُعد سبباً باطلاً عند العقلاء ما لم تكن غصباً أو ظلماً أو احتيالاً أو إكراهاً، بل هي تجارة عن تراضٍ وإن كان العوض ليس مالاً.

الوجه الثالث: أن الغرض النوعي من المعاملات العقلائية هو حفظ الحقوق وتحقيق العدالة، وأثر ذلك أن تخلف هذا الغرض النوعي يوجب الضمان واسترداد الحق، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا فيما كان مالاً؛ إذ لا يُتصور الضمان والاستحقاق إلا في الأموال. وبما أن الأدلة الشرعية العامة (كـ"أوفوا بالعقود" و"تجارة عن تراض") واحتفافها بهذا الغرض النوعي العقلائي يوجب انصراف الأدلة عن المعاملات على ما ليس بمال، فلا دليل على صحة المعاملة على ما ليس بمال.

الجواب: منع المقدمة التي ارتكز عليها هذا الاستدلال؛ فالغرض النوعي من المعاملات هو حفظ الحقوق وتحقيق العدالة فعلاً، لكن استناد هذا الغرض إلى المالية بالذات هو أول الكلام. فإن الضمان وحفظ الحقوق يتوقف على أن يكون موطن المبادلة ذا غرض عقلائي، وليس بالضرورة أن يكون هذا الموطن مالاً بالمعنى المتقدم. فالمهم أن تكون المعاملة ذات غرض عقلائي، وإن كان مصبّها ليس مالاً. ومثاله: من يشتري عشرة آلاف فأر لغرض عقلائي هو إعدامها حتى لا تتعرض المزارع للإتلاف والإفساد؛ فهذا غرض عقلائي واضح، مع أن الفأر نفسه لا قيمة له في ذاته.


ويستكمل الحديث عن بقية الموانع في الجلسة القادمة، والحمد لله رب العالمين.