حوار في الفكر الديني: أسئلة وأجوبة متنوعة
حوار في الفكر الديني: أسئلة وأجوبة
منهجية الحوار
طريقة الحوار تقوم على أخذ ثلاثة أصناف من الأسئلة بالتتابع: سؤال يتعلق بالمحاضرات السابقة، ثم سؤال مما وصل من الأوراق المكتوبة، ثم سؤال من الجمهور مباشرة، وهكذا دواليك.
الفرق بين الاصطفاء والاجتباء
كان السؤال الأول: ذُكر في المحاضرة أن المراد بالاصطفاء في قوله تعالى:
إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين
هو الاجتباء، مع أن المستفاد من خطبة السيدة الزهراء عليها السلام أن الاصطفاء غير الاجتباء، إذ قالت وهي تتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله:
سماه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه
وهذا يدل على أن الاجتباء غير الاصطفاء.
الجواب: لا إشكال أن الاجتباء يمثل درجة من درجات الاصطفاء. فالاصطفاء هو عبارة عن التصفية، بمعنى تخليص الإنسان المصطفى من شوائب المادة وشوائب النفس الغريزية، وجعله مخلصاً لله، كما قال تبارك وتعالى:
لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين
فالمخلَص هو الذي اصطفاه الله، أي صفّاه من الذنوب والشوائب والكدورات المادية، فصار مصطفى مخلصاً. لكن هذا الإخلاص له درجتان:
-
الدرجة الأولى: وهي الاجتباء، وتعني أن الله تبارك وتعالى اصطنع العبد لنفسه، كما في خطاب الله لموسى بن عمران:
واصطنعتك لنفسي
أي جعلتك خالصاً لي، لا تفكر إلا فيّ، ولا تنظر إلا إلى رحمتي، ولا تتعلق إلا بي.
-
الدرجة الثانية: وهي الاصطفاء بمعناه الأخص الذي أشارت إليه الزهراء عليها السلام، حين قالت "سماه" أي وضع الله له أسماءه (محمود، أحمد، محمد، طه، ياسين... وهي عشرة أسماء للنبي في القرآن) "قبل أن اجتباه"، أي قبل جعله مخلصاً مصطنعاً لنفسه. أما "اصطفاه قبل أن ابتعثه" فمعناه أن الله أعطاه الدرجة الثانية من الاصطفاء، وهي أعلى الدرجات، بأن جمع له كل الكمالات والفضائل التي جعلته أفضل الخلق وسيدهم.
فالخلاصة أن الاجتباء هو الدرجة الأولى من الاصطفاء، وأما الاصطفاء بدرجته الثانية فهو أرقى وأشمل من الاجتباء.
ضوابط تفسير القرآن الكريم
سُئل عن طرق تفسير القرآن، فكان الجواب أن للتفسير طريقين معتبرين:
الطريق الأول: تفسير القرآن بالقرآن، بمعنى جمع الآيات المتناثرة في السور المختلفة والمتعلقة بموضوع واحد (كموضوع الآخرة أو العدالة أو العذاب أو عالم البرزخ)، وهذا ما يُعرف بـالتفسير الموضوعي. وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وصفه للقرآن بأنه:
ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض
الطريق الثاني: التفسير بالرواية المعتبرة الصحيحة، لا بكل رواية، بشرط ألا تكون الرواية مصادمة للقرآن الكريم بل مفسرة له، عندها تُعتبر طريقاً صحيحاً للتفسير.
وهذا هو المنهج الذي سلكه كبار المفسرين كالسيد عبد الله شبّر، والسيد محمد حسين الطباطبائي صاحب "الميزان"، والسيد الخوئي في كتابه "البيان في تفسير القرآن"، ولذلك يُرجع إليهم في مجال التفسير.
الفرق بين الإنسان والبشر
سُئل: كيف قيل إن هناك فرقاً بين الإنسان والبشر مع أن القرآن يطلق البشر على الإنسان، كقوله:
إني خالق بشرا من طين
في وصف آدم عليه السلام، وقوله عن النبي صلى الله عليه وآله:
إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي
الجواب: لم يُقل إن البشر غير الإنسان، بل قيل: كل إنسان بشر، وليس كل بشر إنسان، أي أن البشر أعمّ من الإنسان، تماماً كما نقول "الإنسان متحرك" لكن المتحرك أعم من الإنسان.
فالبشر هو الكائن الذي يمتلك صورة معينة تميزه عن بقية المخلوقات (يمشي على قدمين، له عينان ولسان وشفتان)، كما قال تعالى:
ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين
والإنسان يمتلك هذه الصورة، فكل إنسان بشر. لكن سبق وجود الإنسان العاقل الناطق وجودُ بشر لا يمتلك نفس عقل الإنسان، بل دماغه بمقدار دماغ الفأر، ولا يمتلك القدرة على النطق (أي لا يمتلك منطقة "بروكا" في الدماغ المسؤولة عن النطق). فهو بشر لكن لا يمتلك خصائص الإنسان الكامل. ثم خُلق الإنسان الذي يمتلك الخصائص البشرية مضافاً إليها العقل والنطق.
كما أن كلمة "بشر" لغة مأخوذة من البِشر، أي القدرة على الضحك والابتسام والتعامل مع الآخر بالبِشاشة، وبهذا المعنى اللغوي كل إنسان بشر أيضاً.
أحكام فقهية تتعلق بالمريض والأجهزة الطبية
طُرح سؤال حول جواز رفض المريض المسنّ لبعض العلاجات الطبية، وتضمن عدة تفاصيل:
أولاً - حكم رفع أجهزة التنفس: لا يجوز رفع أجهزة التنفس عن المريض ما دام قلبه ينبض، حتى لو قرر الطبيب المختص أن هذا المريض مأيوس من الشفاء ولن يرجع إلى الحياة. رفع الأجهزة عنه جريمة قتل، ولا يجوز ذلك حتى لو كان الشخص طبيباً؛ وإنما عليه أن يمتنع هو عن القيام بهذا الفعل ويترك الأمر لغيره ممن لا يرى فيه هذا المنع الشرعي.
ثانياً - حكم وضع أجهزة التنفس ابتداءً: إذا لم تكن الأجهزة موضوعة على المريض بعد، وشخّص الطبيب أن المريض ميت لا محالة، وأن وضع الأجهزة لن يزيد إلا في تمديد وقت الحياة ساعات أو أياماً دون أن يجدي نفعاً حقيقياً، فلا يجب وضع الأجهزة عليه.
ثالثاً - حكم الذهاب إلى المستشفى: إذا كان المريض يحتمل احتمالاً عقلائياً معتداً به أن عدم الذهاب إلى المستشفى سيُترتب عليه خطر أعظم من الذهاب، يجب عليه الذهاب، حتى لو استلزم ذلك بقاءه في المستشفى مدة طويلة.
رابعاً - مسألة الولاية على النفس: لا ولاية للمريض على نفسه بأن يتسبب في قتلها، فلو كتب المريض وصية بأن تُرفع عنه الأجهزة عند الوصول لحالة خطرة، أو وافق أحد أوليائه (كابنه الأكبر أو أبيه) على ذلك، فلا يجوز تنفيذ ذلك؛ فلا ولاية لأحد على حياة الإنسان بالتسبب في إنهائها.
أساليب النبي صلى الله عليه وآله في الدعوة
سُئل: هل الأخلاق هي الأسلوب الأفضل في دعوة النبي للناس، أم أن الحجة والبرهان يتفوقان عليها؟
الجواب: هذه الأساليب الثلاثة (المعجزة، والحجة والبرهان، والأخلاق الكريمة) تختلف فاعليتها باختلاف طبيعة الناس، فليس الناس صنفاً واحداً:
- صنف لا يُقنعه إلا المعجزة، ولا تفيد معه الأخلاق ولا الحجة والبرهان.
- صنف عقلاني يفكر بعقله دائماً، ولا يقتنع إلا بالدليل والبرهان.
- والقسم العام من الناس تجذبهم حالة الخُلق العظيم التي كانت للنبي صلى الله عليه وآله.
فاختلاف الأساليب كان بحسب اختلاف أصناف الناس في طريقة تفاعلهم مع الفكرة.
معنى التأويل في القرآن الكريم
سُئل عن معنى التأويل في قوله تعالى:
وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا
وقوله تعالى:
يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل
الجواب: التأويل غير التفسير؛ فالتفسير هو بيان المعنى وتحديده من الآية، أما التأويل فهو ما وراء المعنى، أي إظهار الحقيقة الملكوتية التي تكمن وراءه. وقد ورد في صحيحة الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق عليه السلام:
لكل آية ظهر وبطن، فظهره تنزيله وبطنه تأويله
فلكل آية حقيقة ملكوتية وراء معناها هي تأويلها، وهذه الحقيقة لها درجات ومراتب؛ فبعضها يناله الإنسان العادي، وبعضها لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال بيان الإمام المعصوم عليه السلام.
أما قوله تعالى "ألا ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله" فهذا منظور في يوم القيامة، الذي له معنى (وهو يوم المعاد، ويوم خروج الأجساد، ويوم الحساب) وله تأويل يتمثل في ظهور الحقيقة كما هي، كأن تنطق الجوارح، وتتطاير الكتب، وتُرى الملائكة والجن والأشباح مجتمعة، وهي حقيقة لا يمكن أن يتصورها الإنسان مهما بلغ من التفكير، وستتحقق فعلاً يوم القيامة.
تأثير الوراثة والبيئة على سلوك الإنسان
سُئل عن ميل بعض الأشخاص نحو الشر، وهل ذلك أثر للوراثة أم للبيئة؟
الجواب: لا إشكال أن بعض الصفات تنتقل للإنسان عبر الجينات والشفرة الوراثية (DNA)، كالانفعال، والهدوء، وحب الطبيعة، أو حب الصخب. وقد أشار المحاضر إلى دراسة تسمى "الجينوم اللغوي"، ومفادها أن الإنسان يرث ميولاً لغوية نحو لغة آبائه حتى وإن لم يتعلمها، فيتفاعل معها بسرعة أكبر عند تعلمها لاحقاً مقارنة بغيره.
لكن رغم ذلك، البيئة أقوى تأثيراً من الوراثة؛ فمهما كان الأبوان من الأشرار، إذا عاش الابن في بيئة خيّرة أصبح من الأخيار، والعكس صحيح. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:
كل مولود يولد على الفطرة، إلا أن يكون أبواه يهوديين فيهودانه أو مجوسيين فيمجسانه
فالإرادة الحرة التي يمتلكها الإنسان تصوغها البيئة أكثر مما تصوغها العوامل الوراثية.
جمع المعصوم بين الجمال والجلال
سُئل: هل يمكن أن يجمع النبي أو الإمام المعصوم بين "القلب الجلالي" و"القلب الجمالي" في آن واحد، بالنظر إلى ما ورد من أن يحيى عليه السلام له قلب جلالي وعيسى عليه السلام له قلب جمالي، بينما الإمام الحسن عليه السلام وُصف بالقلب الجلالي؟
الجواب: كل معصوم من المعصومين الأربعة عشر، ومنهم السيدة الزهراء عليها السلام، هو جامع للجمال والجلال، فهو وجه الله، كما ورد في الروايات:
كل شيء هالك إلا وجهه... نحن وجهه
فالمعصوم وجه للجلال ووجه للجمال معاً؛ غاية ما في الأمر أنه في مقام الممارسة والعبادة قد يختار أحد الوجهين بمحض إرادته، كما اختارت الزهراء عليها السلام وجه الجمال واختار الإمام الحسن عليه السلام وجه الجلال، وهذا اختيار منهما، وإلا فالإمام المعصوم مرآة جامعة للجمال والجلال معاً.
الفرق بين الروح والنفس في القرآن والروايات
سُئل: هل يوجد تعارض بين كون القرآن يعبّر عن الإنسان بـ"النفس" بينما تعبّر الروايات عنه بـ"الروح"؟
الجواب: لا إشكال في ذلك، فالروايات عبّرت عن النفس التي تموت وتعرج إلى بارئها بأنها روح. أما في القرآن الكريم فإن لفظ "الروح" مصطلح خاص يختلف عن "النفس":
- الروح في القرآن غير الملائكة، كما في قوله: "تنزل الملائكة والروح"، وهي أعظم من الملائكة.
- وعندما يقول القرآن "روحاً من أمرنا" فهذا خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل.
- وعندما يقول "روح منه" أو "أيدناه بروح القدس" فالمقصود ملك من الملائكة يُسدد الأنبياء والأولياء والمؤمنين.
فالروح في القرآن غير النفس، وإن كانت للنفس أنواع وأقسام (أمّارة، لوّامة، مطمئنة، ملهمة)، وهذه أقسام لقوى نفس واحدة تحدث عنها القرآن.
توقيفية أسماء الله الحسنى
سُئل عن عدد أسماء الله عز وجل، ولماذا يقتصر على 99 اسماً؟
الجواب: أسماء الله توقيفية، أي لا يجوز للإنسان أن يتبرع باسم جديد لله تبارك وتعالى، فلا يجوز أن نسمي الله بأي اسم إلا ما سمى الله به نفسه في القرآن الكريم، أو سمّاه به الأئمة الطاهرون في الروايات والأدعية الشريفة. قال تعالى:
ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها
فنقتصر على ما ورد، لأن الإنسان محدود والله لا محدود، ولا يمكن للمحدود أن يحيط باللامحدود، فلا نستطيع أن نصل إلى حقيقة الله لنضع له الاسم المناسب، فتبقى المسألة تعبدية توقيفية.
أقسام "الكتاب" في القرآن الكريم
سُئل عن كيفية تحديد أي نوع من أنواع "الكتاب" الأربعة (القرآن، الكتب السماوية، كتاب الكون، العلوم الغيبية) يُقصد في آية معينة، كآية علم آصف بن برخيا وآية علم أمير المؤمنين عليه السلام؟
الجواب:
- بالنسبة لآصف بن برخيا، فإن قوله "أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" كان عملاً تكوينياً لا تشريعياً، فدلّ ذلك على أن المقصود بـ"علم من الكتاب" هنا هو كتاب الكون.
- أما بالنسبة لقوله تعالى: "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب"، فإن اللفظ هنا مطلق لم يُخصص بنوع معين، ومقتضى الإطلاق أن يشمل كل مصاديق الكتاب، تكويناً وتشريعاً. فالإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام لديه علم الكتاب بجميع مصاديقه وأقسامه، وإلا لما صح أن يكون شهيداً للرسول صلى الله عليه وآله، إذ الشهادة تستلزم الإحاطة بكل ما للكتاب من مصاديق ومضامين.
العلم اللدني عند السيدة زينب عليها السلام
سُئل عن معنى العلم اللدني الذي وُصفت به السيدة زينب عليها السلام؟
الجواب: خاطب الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام عمته العقيلة زينب قائلاً:
أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، وفاهمة غير مفهَّمة
وهذا ينطبق عليها قوله تعالى:
وعلمناه من لدنا علما
فالعلم اللدني هو علم لا واسطة فيه بين الله والعبد، فلا يُبعث فيه ملك ولا يُتعلم عند معلم، بل يُغرس في القلب مباشرة من الله تبارك وتعالى.
كما أشار المحاضر إلى قول السيدة زينب عليها السلام:
والله ما كذبت ولا كذبت، إنها الليلة التي وُعدت فيها
أي جاءت الليلة التي وُعدت فيها بأن تتقدم للشهادة، وهذا موعدها ودرجتها العظيمة عند الله، إذ يأمرها بأن تتقدم للشهادة لتنال الدرجة التي حباها الله وأهّلها إياها.
