حوار حول المحاضرات
جلسة الأسئلة والأجوبة مع سماحة آية الله السيد منير الخباز
مقدمة الجلسة
السلام على سيدتنا زينب الكبرى، عقيلة بني هاشم، التي حفظت رسالة كربلاء وصانت دماء الشهداء. نتوجه إليها في هذه الليالي المباركة بآيات العزاء والمواساة، ونجدد لها العهد والولاء، سائلين الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهجها والمتمسكين بصبرها.
في هذه الجلسة الثانية من سلسلة جلسات الأسئلة والأجوبة، رحّب المنظمون بالحضور، وجددوا الشكر لسماحة السيد منير الخباز على تفضله بالحضور وما يقدمه من علم وبصيرة، كما شكروا الحضور على مشاركتهم في الجلسة السابقة. وأوضحوا أن هذه الجلسة ستكون تفاعلية، تجمع بين الأسئلة المكتوبة المسبقة والأسئلة الشفهية المباشرة.
معيار تقييم العقائد الموروثة
طُرح سؤال حول كيفية الوصول إلى معيار موضوعي محايد لتقييم العقائد الموروثة، خاصة أن كل جماعة تدّعي صحة برهانها، وما مقدار مسؤولية المؤمن في مراجعة موروثه العقدي.
أجاب سماحته بأن الطريق إلى وضع معايير لفرز المعتقدات الصحيحة من الخاطئة هو المؤتمرات الكلامية والفلسفية القائمة على النقد والتقويم وعرض البحوث. ومن الأمثلة التاريخية على ذلك الحوار الذي جرى بين السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره وشيخ الأزهر سليم البشري، والذي يمثل نموذجًا لمؤتمر كلامي حقيقي. وأشار إلى أن إيران تقيم سنويًا مؤتمرات فقهية وكلامية يشارك فيها علماء أجلاء يطرحون بحوثهم في فضاء حر، وهذا النوع من المؤتمرات هو الطريق الأمثل والمضمون للاحتكام إليه.
أما بخصوص وجوب مراجعة الأدلة والبراهين، فأوضح أنه لا يجب على الإنسان فقهيًا أن يراجع الأدلة التفصيلية على معتقداته، والسبب أن الدليل العقلي على وجوب البحث عن العقيدة هو حكم العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل؛ فالعقل بفطرته يأمر الإنسان بدفع الضرر عن نفسه، ويكفي في ذلك الاطمئنان العقلائي. فإذا اطمأن الإنسان أن عقيدته هي عقيدة علماء كبار كالشيخ المفيد والعلامة الحلي والسيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، فهذا الاطمئنان كافٍ عند الله لأنه كافٍ في دفع الضرر المحتمل.
التوازن بين الخوف والرجاء
سؤال آخر تناول كيفية التوفيق بين آيات الوعيد والعذاب وبين كون الله تعالى إله الرحمة والحب، وكيف يقدم الخطاب الديني توازنًا صحيحًا بين الخوف والرجاء يعالج الازدواجية السلوكية دون تنفير الشباب.
أجاب سماحته بأن المنطلق القرآني الصحيح هو التوازن بين الجمال والجلال؛ فصفات الفعل لله لونان: الجمال الذي يوجب الحب وطلب الخير واستمطار الرحمة، والجلال الذي يوجب الهيبة والإعظام والإكبار. فإذا رُبّي الناس على حب لقاء الله وحب الصلاة والعبادة، نشأ لديهم حب لا يجرّئهم على المعصية، وفي الوقت ذاته يُطرح لهم الإكبار والإعظام لعظمة الله، لا من باب الخوف من الظالم أو القوي الباطش.
وأكد أن من يقول إن آيات الوعيد أكثر من آيات الرحمة مخطئ، فقد استُقرئت الآيات ووُجد التوازن بينها. بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن العذاب نفسه رحمة، رحمة لغير المعذَّبين وللوجود عمومًا، وهي حقيقة لا نُدرك كنهها إلا يوم القيامة.
الذكاء الاصطناعي والوعي
انتقلت الأسئلة إلى محور الذكاء الاصطناعي، والذي شكّل معظم الأسئلة الواردة.
هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعيًا؟
جاء السؤال الأول: هل تثبت قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الشعر والبحوث والنصائح وجود درجة من الوعي، أم أن ذلك مجرد كفاءة وظيفية لا تدل على وعي فلسفي؟
أوضح سماحته أنه لم يقع خلط بين الكفاءة الوظيفية والوعي، فـالوعي هو القدرة على استقبال الفكرة وتحليلها، وهذه القدرة لها درجات ومراتب. أعلى مراتب الوعي هو الوعي الإنساني المشتمل على التجارب الأربع: التجربة الحسية، والتجربة الوجدانية، والتجربة الإدراكية، والتجربة الفاعلية (التي تبتني على الوعي بالنفس والسيطرة على الإرادة).
والدرجة الأولى من الوعي - القدرة على استقبال الفكرة وتحليلها - موجودة لدى الذكاء الاصطناعي، لكن المفقود لديه هو الوعي الإنساني بتجاربه الأربع. وكما يتفاوت البشر أنفسهم في درجات الوعي (غبي، متوسط، ذكي، نابغة، عبقري)، فإن الذكاء الاصطناعي يمتلك درجة من الوعي وقد يتطور مستقبلًا، لكنه لا يمتلك ولن يمتلك الوعي الإنساني.
مسألة الهوية والخلف الفلسفي
طُرح إشكال حول وجود فجوة بين المقدمات والنتيجة في محاضرة الذكاء الاصطناعي، إذ إن المقدمات تدل على عدم وجود وعي إنساني حاليًا، بينما استُنتج عدم إمكان وجوده مطلقًا.
أوضح سماحته أنه لا يمكن أن تمتلك الآلة الوعي الإنساني كاملًا وإلا لكانت إنسانًا، وهذا ليس مشكلة بحد ذاته - "خلها تصير إنسانًا، ما عندنا مشكلة" - لكن المسألة منطقية: فكل شيء له هوية تخصه، ولو اشترك غيره معه في كامل هويته لما كان غيره بل كان هو، وهذا ما يسمى في الفلسفة "محذور الخلف". فمقومات الوعي الإنساني الثلاثة (الشعور الوجداني، الحدس، القدرة على التقويم والنقد) تشكل هوية الإنسان، فلو ثبتت هذه العناصر بكمالها لغير الإنسان، لما عاد ذلك الغير ذكاءً اصطناعيًا بل صار إنسانًا آخر.
مصدر مفهوم الوعي
سُئل سماحته عن الدليل على تعريفه للوعي، وهل هو أقرب لوصف الخبرة الإنسانية منه إلى تعريف فلسفي دقيق.
أجاب بأن الوعي ليس مصطلحًا فلسفيًا حصرًا حتى يُرجع فيه للفلسفة وحدها، بل هو مفردة مذكورة في علم الاجتماع المعرفي، وهذا العلم هو الذي يحدد أن الوعي الإنساني هو التجارب الأربع غير الموجودة في الذكاء الاصطناعي، وإن كان الأخير يمتلك قدرة على استقبال الأفكار وتحليلها وربما تقويمها.
تشبيه الفقيه بالطبيب
سؤال آخر تناول تشبيه الفقيه بالطبيب في المحاضرة، وهل يبقى هذا التشبيه صحيحًا مع دخول الذكاء الاصطناعي في الطب نفسه.
أوضح سماحته أن التشبيه كان في نقطة واحدة فقط: التجربة. فالطبيب الذي يمارس المهنة عشرين عامًا يكتسب من خلال تنوع المرضى واختلاف استجاباتهم للدواء حدسًا وخبرة تجعله قادرًا على قبول نتيجة الذكاء الاصطناعي أو رفضها أو التردد فيها. وكذلك الفقيه الذي عاش تجربة طويلة في الاستفتاءات وقراءة أحوال الناس، اكتسب حدسًا يعتمد عليه في تقييم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي.
نظرية فضاء العمل العصبي الشامل
استُفسر عن استخدام نظرية علمية واحدة (فضاء العمل العصبي الشامل) للجزم بفقدان الآلة للوعي، رغم وجود نظريات أخرى متنافسة ولا إجماع علمي.
أوضح سماحته أن هذا اشتباه في فهم سياق المحاضرة؛ فقد عرض نظرية صاحب كتاب "الحكم المشتركة" ثم علّق عليها وخالفه، إذ إن صاحب النظرية أراد نفي أي درجة من الوعي عن الذكاء الاصطناعي، بينما رأى سماحته أنه يمتلك درجة من الوعي لكن ليس الوعي الإنساني. فلم يكن الأمر تبنيًا للنظرية بل عرضًا لها والتعليق عليها.
الاستدلال بالآيات القرآنية
طُرح سؤال حول الاستدلال بآيات مثل "علّم الإنسان ما لم يعلم" ومفهوم "الفؤاد"، وهل يثبت ذلك تمايزًا أنطولوجيًا بين الإنسان والآلة أم أنه استئناس عام فقط.
أوضح سماحته أن الاستدلال قام على الجمع بين آيتين:
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة
فالآية الأولى تحدثت عن العلم المسؤول، أي العلوم التي تستبطن مسؤولية (بخلاف علوم كالسحر والجفر التي لا تتبنى موقفًا عمليًا)، لكنها لم تحدد ماهية هذا العلم. أما الآية الثانية فحددت أن العلم موطن المسؤولية هو العلم الخاضع للفؤاد (أي العقل). وبما أن الفؤاد موجود عند الإنسان دون الذكاء الاصطناعي، فإن ما يقدمه الأخير من معلومات لا يكفي وحده لتحمل المسؤولية، بل يجب أن يخضع لتقويم العقل ونقده.
تعميم التمحيص العقلي على كل المصادر
سُئل: إذا كانت كل المعلومات تحتاج لتمحيص عقلي بغض النظر عن مصدرها، فلماذا يُخص الذكاء الاصطناعي بالتشكيك دون غيره؟
أجاب سماحته أن الإشكال عام وليس خاصًا بالذكاء الاصطناعي، فكل مصدر للمعلومة - كتاب، محاضرة، خطبة - يجب أن يخضع لتقويم العقل:
فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب
فالذكاء الاصطناعي مجرد مصداق من مصاديق ما يجب أن يخضع لنقد العقل وتقويمه.
مفهوم الذوق العرفي في الاجتهاد
طُرح سؤال حول الذوق العرفي الذي جُعل ركنًا أساسيًا في الاجتهاد، دون تحديد دقيق لماهيته أو معايير التمييز بين الذوق الصحيح والخاطئ.
أوضح سماحته أن الحديث كان عن الذوق العرفي لا عن العرف بمعناه العام (السلوك الشائع والسيرة، الذي ينقسم إلى عرف عقلاء وغير عقلاء). أما الذوق العرفي فهو مصطلح مذكور في كتب أصول الفقه، في بحث حجية الظهور، ويُقصد به ما يفهمه العرف العربي العام من النص، باعتبار أن القرآن والسنة نزلا باللغة العربية.
وشدد سماحته على أهمية تعلم اللغة العربية لفهم الدين كما هو، منتقدًا الاعتماد الكلي على الترجمة، وناصحًا الخطباء باستخدام الألفاظ العربية في خطاباتهم ليألف المستمع الغربي اللغة الأصلية للنصوص.
وبيّن أن تحديد المعنى العرفي للفظ يعتمد على أربعة عوامل:
- مراجعة المادة اللغوية للفظ.
- مراجعة موارد الاستعمال في خطب العرب وأشعارهم وروايات أهل البيت.
- مراجعة القرائن المقالية والحالية والارتكازية (القرائن التي حفت باللفظ حين صدوره).
- مناسبة الحكم للموضوع.
وضرب مثالًا بحديث النبي صلى الله عليه وآله:
لا ضرر ولا ضرار على مؤمن
موضحًا أن الاختلاف حول كون "لا" نافية أو ناهية، وحول كون النهي تشريعيًا أو ولائيًا، هو اختلاف بين كبار العلماء كالمحقق النائيني والسيد الخوئي والشيخ الشريعة الأصفهاني، وهذه عملية حدسية وجدانية وليست معادلة رياضية أو خوارزمية مبرمجة.
اختصاص الفقيه بمعرفة العرف
سؤال آخر تناول قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل الأعراف وتتبع أصولها والتمييز بين الصالح وغير الصالح منها، وهل تبقى معرفة العرف ميزة حصرية للفقيه.
أوضح سماحته أن الذكاء الاصطناعي قادر فعلًا على تمييز الأعراف الصحيحة من المذمومة، وهذا ليس محل إشكال، فالإشكال كان محصورًا فقط في تحديد الفهم العرفي للنص الشرعي.
الخوف من الآلة ومسألة موطن المسؤولية
استُفسر عما إذا كانت هناك محاولة في المحاضرة لإثارة "خوف" من أن تحل الآلة محل الإنسان في مواقع الفقاهة والقضاء والمرجعية.
نفى سماحته وجود أي "خوف"، مؤكدًا أن البحث علمي قرآني وليس بحث مشاعر. والسؤال الجوهري هو: من هو موطن المسؤولية في القرآن؟ فمن خلال استقراء الآيات، نجد أن مسؤولية إعمار الأرض وإقامة الحضارة العادلة وترسيخ العبادة أُنيطت بـالإنسان حصرًا، لا بكل من خُلق من طين (كالشجر والحيوان)، ولا حتى بكل من حاز عقلًا كالملائكة والجن.
فموطن المسؤولية هو النفخة الإلهية الخاصة، الناشئة - كما يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر في "فلسفتنا" - عن الحركة الجوهرية في صميم الوجود. واستشهد بالآية:
لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
موضحًا أن هذه الآية تشير إلى حركة في صميم الوجود، لا حركة خارجية، وأن هذه "السلالة من طين" هي مادة خاصة تؤهل للحركة الجوهرية وصولًا إلى النفخة الإلهية.
وختم هذه النقطة بقوله إنه لو فُرض مستقبلًا أن الله وهب الروبوت هذه النفخة الإلهية الإنسانية، فسيكون إنسانًا فعلًا بصورة أخرى، ولا إشكال في ذلك، لأن المهم هو تحديد موطن المسؤولية، وهذا الأخير - سواء كان فقيهًا أو قاضيًا أو وليّ أمر - هو دائمًا من أصناف الإنسان.
الخبرة الفقهية والصفحات الثلاث
أضاف سماحته أن الذكاء الاصطناعي قد يختصر عقودًا من البحث على الفقيه، وهذا لا إشكال فيه، لكن السؤال هو: هل هذه هي الخبرة التي نطلبها في الفقيه؟
أوضح أن مهمة الفقيه شاقة، إذ يتطلب الاجتهاد قراءة ثلاث صفحات: الصفحة الكلامية، والصفحة الفقهية، والصفحة الأخلاقية. وضرب مثالًا بمسألة التعامل بالبيتكوين:
- الصفحة الكلامية: تحديد موقف الفقيه من كون الاقتصاد في الإسلام منظومة متكاملة مترابطة (كما يرى الشهيد الصدر) أم مجرد أحكام فردية متناثرة.
- الصفحة الفقهية: تحديد ما إذا كانت العملة الرقمية تُعد "مالًا" وفق الأعراف العقلائية في السوق.
- الصفحة الأخلاقية: دراسة الآثار المترتبة على الفتوى، كاحتمال استغلال العملة الرقمية في غسيل الأموال أو تكوين ثروات وهمية.
فالخبرة الحقيقية للفقيه هي حصيلة التجارب الناشئة عن مراجعة هذه الصفحات الثلاث عبر سنوات طويلة من ممارسة الاستنباط.
خاتمة: دعوة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي
أكد سماحته أنه ليس بصدد المقارنة بين ذكاء الإنسان وذكاء الآلة، وأن الذكاء الاصطناعي حاليًا قد يقع في أخطاء منهجية لكنه قد يتخلص منها مستقبلًا. والسؤال الأهم هو: هل يتحمل الذكاء الاصطناعي - حتى لو بلغ درجة اللاخطأ - المسؤولية التي أناطها القرآن بالإنسان؟
وشدد على أن الهدف من طرح هذا الموضوع هو تحفيز المسلمين والشيعة خاصة على التفكير في الطريقة المثلى للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، مذكّرًا بأنه تحدث في العام الماضي عن ضرورة أن يبادر الشيعة - بما يملكون من إمكانات مادية وعلمية وتقنية - إلى تأهيل برامج ذكاء اصطناعي تشرح عقيدتهم وفقههم، بدءًا من داخل الحوزة العلمية، حتى لا يقع الجيل القادم فريسة لمصادر بعيدة عن المنهج الإمامي.
وأعرب سماحته عن سروره بتلقي النقد على محاضراته، مشيرًا إلى أن الدكتور السيد هاشم الصالح كتب نقدًا لبعض مقاطع محاضرة الذكاء الاصطناعي، كما كتبت المهندسة مي أبو السعود من القطيف مقالًا مؤيدًا لطرحه، وكذلك المهندس جاسم الحسن من الأحساء، معتبرًا أن هذا التفاعل هو الهدف الأساس من طرح مثل هذه الموضوعات: تحريك الأذهان والعقول نحو البحث والنقاش.
وبهذا اختُتمت الجلسة بالشكر لسماحة آية الله السيد منير الخباز على إجاباته القيّمة، وللحضور الكريم على حسن إصغائهم، مع التذكير بجلسة الأسئلة والأجوبة المخصصة للأخوات في اليوم التالي.
