ما هي حقيقة الإنسان وأهدافه بين الفلسفة المادية والفلسفة الدينية؟
الإنسان بين العبثية والغائية: قراءة في معنى الوجود
مقدمة: السؤال الأزلي
منذ أن فتح الإنسان عينه ورفع بصره إلى السماء، تساءل: لماذا أنا موجود؟ هل الإنسان وجود بيولوجي عابر في كون صامت أعمى بلا هدف؟ أم أن الإنسان جاء مصمَّمًا لهدف ولرسالة؟ هل هو مجرد نتيجة لسلسلة من التفاعلات الفيزيائية والكيميائية التي استمرت مليارات السنين حتى أنتجت الحياة على الأرض بلا هدف؟ أم أن الإنسان وجود غائي هادف في هذا الكون؟
هذا السؤال شغل بال الفلاسفة والمفكرين منذ قدم التاريخ، وقد تختلف الإجابات، لكن الجميع يتفق على أن هذا السؤال ما زال سؤالًا ملحًّا: لماذا وجد الإنسان؟ وما الهدف من وجوده؟ والإجابة عن هذا السؤال تحدد نظرتنا للكون، وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وتحدد نظرتنا للإنسان نفسه: هل هو مسؤول أم غير مسؤول؟ هل هناك قيم يُسأل عنها، أم لا وجود لقيم تُطوِّقه بالمسؤولية؟
سنتناول هذا الموضوع من خلال ثلاثة محاور: حقيقة الإنسان بين اتجاهين، الكون كأسرة واحدة هادفة، والحضارة التي لا تُبنى من دون مسؤولية قيمية.
المحور الأول: حقيقة الإنسان بين اتجاهين
الاتجاه الطبيعي السلبي
هناك من يقول إن جميع عناصر الحياة، من المجموعات الشمسية إلى الكائنات الحية، تتفاعل مع بعضها البعض وتبني الحياة، إلا الإنسان، فإنه جاء ليأخذ وما جاء ليعطي، جاء ليستهلك ويستنزف وما جاء ليقدم. إن الإنسان فرض نفسه على الطبيعة وبنى حضارته رغم أنف الطبيعة، فهو وجود بلا هدف، وجود جاء ليضمن لنفسه البقاء والنمو والتكاثر والاستمرار من دون أن يكون له هدف صُمِّم لأجله.
مجموعة من العلماء يؤكدون هذا الاتجاه. يقول ستيفن هوكينغ:
"الجنس البشري ليس إلا حثالة كيميائية على سطح كوكب متوسط الحجم. نحن البشر بغاية التفاهة، لدرجة أني لا أستطيع تخيل أن الكون كله وجد من أجلنا."
ويقول ريتشارد دوكنز:
"الكون لا شيء سوى مجموعة من الذرات المتحركة، والبشر هم ببساطة آلات لتكاثر الحمض النووي، يتناسلون ويتكاثرون مثلهم مثل الحشرات والبعوض. في كون من القوى الفيزيائية العمياء والنسخ الجينية، بعض الناس سيتأذون وآخرون سيكونون محظوظين، ولن تجد أي سبب لذلك. لا عدالة في الكون، ولا تصميم، ولا هدف، ولا خير ولا شر، لا يوجد غير لا مبالاة عمياء."
هذا هو الاتجاه الطبيعي السلبي الذي يرى الكون تصميمًا بلا هدف، ويرى الإنسان مجرد حثالة كيميائية لا أكثر.
الاتجاه الغائي الهدفي
في المقابل، يقول هذا الاتجاه: لا، الإنسان صُمِّم لهدف، صُمِّم لرسالة. الإنسان وجود هادف، وجود ذو رسالة، صُمِّم منذ بداية تكوينه على أن يكون قائدًا، وأن يبني حضارة، وأن يكون صاحب رسالة، لا أن يكون مجرد حثالة كيميائية.
وهنا لا بد من التمييز بين دور العلم ودور الفلسفة: العلم يجيب عن سؤال كيف ومتى؛ كيف وُجد الكون، متى تكوّنت النجوم، ما هي آليات وجود الإنسان. أما سؤال لماذا وما هو الهدف، فهذا لا يجيب عنه العلم، بل تتكفل به الفلسفة. فهل الإنسان مجرد وجود عابر ينقرض كما انقرضت مليارات الكائنات الحية، أم أنه وجود ذو رسالة يبني حضارة، وعمره أطول من عمره الجسمي المادي، عمره يمتد إلى ملايين السنين التي تنتظره؟
المؤشرات الداعمة للاتجاه الغائي
المؤشر الأول: الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يسأل: من أنا؟ ولماذا وجدت؟ وما هو الهدف من حياتي؟ الحجر لا يسأل لماذا وجد، والشجرة لا تسأل عن مصيرها بعد الفناء، والمجرة الضخمة لا تسأل عن الهدف من وجودها. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبحث عن المعنى، يبحث عن الحقيقة، يفرز الخير من الشر، يشيّد الأديان، يبني الفلسفات، يضحي من أجل المبادئ والقيم. كل هذا التاريخ يكشف عن أن الإنسان وجود هادف؛ لو لم يكن كذلك لما ظل يسأل عن المعنى، ولما ضحّى من أجل مبادئه، ولما بقي هذا السؤال يراوده حتى بعد أن بنى حضارته التكنولوجية الشامخة.
المؤشر الثاني: لو كان الإنسان مجرد حثالة كيميائية لما عاش حسًّا قيميًّا في داخله لا يعيشه كائن آخر، حسًّا يعشق العدل ويكره الظلم، ويناضل من أجل الحق والعدالة، ويسعى نحو الخير والحق والجمال في كل عصر. يقول فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب "نهاية التاريخ": لا يمكن البحث عن حقوق الإنسان إلا إذا حدَّدنا حقيقة الإنسان أولًا. فلو قلنا، كما يقول الاتجاه الطبيعي السلبي، إن الإنسان والبعوض على حد سواء، وإنه مجرد حثالة كيميائية، لكانت النتيجة مساواة في الحقوق؛ فكما يحرم قتل الإنسان يجب أن يحرم قتل الفيروسات والطفيليات، لأنها والإنسان حقيقة واحدة! إن هذا التمييز الواقع بين الإنسان وغيره في الحقوق يكشف عن اختلاف حقيقي، وأن الإنسان وجود هادف ذو رسالة صُمِّم من أجل هدف أسمى يختلف عن بقية الكائنات.
المؤشر الثالث: إن الحضارة الغربية والشرقية حققت الرفاه المادي، وتألقت التكنولوجيا، وسيطر الإنسان على الفضاء، وامتلك مفتاح أسرار الكون في عصر المعلومة. لكن ما زالت هناك مآزق إنسانية هائلة لم تستطع الحضارة أن تسدَّها: العزلة الاجتماعية، التفكك الأسري، انتشار ظاهرة الكآبة، ارتفاع معدلات الانتحار، انخفاض معدلات الإنجاب والزواج. إن هذا يكشف عن أن الوجود المادي والتكنولوجي ليس هو الهدف من وجود الإنسان، وإلا لما وجدت هذه المآزق، وإنما يكشف عن أن الهدف من وجود الإنسان أعمق وأسمى من الحضارة المادية، وأن سؤال "لماذا وجدت؟" ما زال لم يُشبَع ولم تُجب عنه هذه الحضارة بتقدمها وتألقها.
كل هذه المؤشرات تدلنا على أن الإنسان وجود هادف ذو رسالة، وليس كغيره من الكائنات التي تُبحر في ميدان هذا الوجود.
المحور الثاني: الكون أسرة واحدة هادفة
الإنسان لا ينفصل عن المجموعات الشمسية والكائنات الحية، ولا تنفصل هي عنه؛ فكل الكون أسرة واحدة يشدُّ بعضها بعضًا، وتعيش هدفًا واحدًا وتصميمًا ذكيًّا واحدًا.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً
منطق الفيزياء نفسه يقرر أن الكون منضبط بصورة دقيقة للغاية، وأنه لو حصل تغير بسيط في الثوابت الفيزيائية الأساسية، ولو بقدر ذرة من أنملة، لما تشكلت النجوم، ولما تكونت الحياة، ولتبعثر وجود الإنسان. فالكون كله مصمَّم لهدف واحد مترابط، كما تحدث عنه القرآن الكريم، والإنسان جزء من هذا الهدف.
المحور الثالث: الحضارة لا تُبنى من دون مسؤولية قيمية
ركائز الحضارة الأربع
لا حضارة في الدنيا إلا وتعتمد على أربع ركائز:
- احترام النظام واستثمار الوقت
- نشر وترسيخ لغة العلم والمعرفة
- الأمانة ومكافحة الفساد
لكن هذه الركائز، وإن قامت عليها الحضارة المادية، ليست كافية لبناء حضارة عادلة. فحتى لو وُجد احترام النظام، واستثمار الوقت، والأمانة، ومكافحة الفساد، وسيطرت لغة العلم والمعرفة، مع ذلك لا تنهض حضارة عادلة إلا بلبنة أساسية وهي المسؤولية القيمية. فإذا لم يكن هناك ضمير، وإذا لم تكن هناك مسؤولية قيمية، فليست هناك حضارة عادلة، بل حضارة مجردة من العدل.
من يؤسس المسؤولية القيمية؟
العلم أجاب عن كثير من التساؤلات، وفسَّر لنا أسرار الكون، وأوضح لنا خفايا خفية على من قبلنا، لكنه لم يجب عن سؤال: لماذا وجد الإنسان؟ لأن هذا ليس من اختصاصه. والهدف من وجود الإنسان، كما يقرره الاتجاه الغائي، هو أن يبني حضارة عادلة؛ حضارة قائمة على الضمير الأخلاقي، قائمة على المعنى والهدف والغاية.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
المضامين القرآنية الأربعة للوجود الغائي
يقرر القرآن الكريم أربعة مضامين لا بد منها من أجل الحضارة العادلة:
المضمون الأول: الإنسان وجود هادف
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
المضمون الثاني: الهدف هو الوصول إلى الكمال المعنوي والقيمي
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
فالعبادة هي التي تحقق للإنسان المسؤولية القيمية نحو الأخلاق والضمير والمعنى.
المضمون الثالث: الإنسان مؤهَّل لحمل الأمانة
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ
فالإنسان يمتلك الأهلية والجدارة لحمل الأمانة، ولإدارة الكون وثرواته.
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
المضمون الرابع: الإنسان مسؤول عن هذا الهدف
ما دام الإنسان مخلوقًا هادفًا، فهو مسؤول عن القيم التي تتحقق في إطار ذلك الهدف. وتفصيل هذه المسؤولية القيمية نجده في نصيحة لقمان لابنه في القرآن الكريم:
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
في هذه الآيات ثلاث مسؤوليات متكاملة:
- العبادة (أقم الصلاة): رمز للاتصال بالله.
- المسؤولية الاجتماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): قيام بالواجب تجاه المجتمع.
- الصبر على التحديات (واصبر على ما أصابك): فصاحب الحق والضمير والمسؤولية القيمية سيواجه المصاعب والمحن، فيحتاج إلى طاقة من الصبر وقوة الإرادة.
كما تنبّه الآيات إلى ضرورة الاعتدال؛ فلا إذلال للنفس ولا تكبّر:
إن الله فوَّض إلى المؤمن كل شيء، ولم يفوِّض إليه أن يذلَّ نفسه
فـ"اقصد في مشيك" تعني أن يكون نهج الإنسان نهج اعتدال في الحياة، لا إفراط ولا تفريط. و"اغضض من صوتك" تعني ألا يكون الإنسان مجرد ظاهرة صوتية؛ ضجة إعلامية بلا مضمون ولا واقع، خالية من أي معنى حقيقي.
وهذه المسؤولية القيمية يعبر عنها القرآن الكريم أيضًا بقوله:
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
مسيرة الأنبياء والأوصياء: تجسيد المبدئية
هذه هي الصورة الحقيقية للإنسان: أنه صاحب رسالة مبدئية، صاحب وجود هادف، مجموعة من القيم والمبادئ التي يضحي من أجلها ويبذل النفس والنفيس في سبيلها. هكذا كانت مسيرة الأنبياء والأوصياء، مسيرة المبدئية والتضحية والفداء من أجل القيم والمثل.
لخّص النبي محمد صلى الله عليه وآله هذه المسيرة بقوله:
والله لو وضع الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه
وهذه المبدئية العظيمة هي التي قال عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، والله لو كان المال لي لساويت بينهم، فكيف والمال مال الله
وهذه المسؤولية القيمية نفسها هي التي تحدث عنها الحسين بن علي عليه السلام:
إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد، ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وجذور طابت وحجور طهرت وأنوف حمية ونفوس أبية أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام
خاتمة: ذكرى عاشوراء
هكذا واجه الحسين عليه السلام الجموع فردًا، بلا جنود ولا مدافعين، كما قال الشاعر:
فتلقى الجموع فردا ولكن كل عضو في الروع منه جموع
وفي رثاء السيد حيدر الحلي رحمه الله:
قوّضي يا خيام آل نزار فلقد قوض العماد الرفيع واملأ العين يا أمية نومًا فحسين على الصعيد صريع
وهكذا نجدد ذكرى عاشوراء في كل عام، ذكرى الحزن وذلك الوجد العظيم. يقول الإمام الرضا عليه السلام:
إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء
ويقول الإمام الصادق عليه السلام:
من ذكرنا عنده فسال من عينه مقدار جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر
اللهم ارحم تلك الصرخة التي كانت من أجلنا، اللهم ارحم تلك الخدود التي تعفّرت على حفرة أبي عبد الله، اللهم ارحم تلك العيون التي سالت من أجلنا. اللهم فرّج عن المؤمنين والمؤمنات، اللهم عجّل فرج وليك وابن أوليائك، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، إنك جواد كريم.
