مدخل إلى فقه المسائل المستحدثة
مدخل إلى فقه المسائل المستحدثة
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
يتضمن هذا المدخل لفقه المسائل المستحدثة عدة مطالب أساسية، نستعرضها فيما يلي.
المطلب الأول: الحاجة إلى فقه المسائل المستحدثة
من خصائص العالم المادي أنه قائم على التغير، بل قيل إن التغير مقوّم لعالم المادة. ومن صور هذا التغير تغيّر الحياة الاجتماعية بمقتضى مرور الزمان، وتراكم التجارب، والتطور الحضاري والتكنولوجي، الأمر الذي استلزم حدوث موضوعات تحتاج إلى معالجة وتحديد الحكم الشرعي المواكب لها، سواء في مجال الأموال كالعملة الرقمية، أو في مجال الحقوق كحق البراءة، أو في المعاملات كعقود الفروقات والرافعة المالية، كما سيأتي عرضه لاحقًا.
ويمكن تقسيم الموضوعات المستحدثة إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: المجال الطبي، كزراعة الأعضاء، والتلقيح الصناعي وما يستتبعه من أحكام، وتجميد الميت المصاب بالأمراض المعدية.
القسم الثاني: العبادات، كالصلاة والصوم في المناطق القطبية، وأحكام الأسفار كالفرق بين السفر العمودي والسفر الأفقي، وثبوت الشهر الشرعي بالرؤية عن طريق المجهر والتلسكوب، والسعي من الطابق العلوي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار من الأعلى، وأمثال ذلك من الموضوعات المرتبطة بالعبادات.
القسم الثالث: المعاملات، كأحكام المعاملات المصرفية، والحقوق المستحدثة، والمال الرقمي، والعقود الفضائية التي كثرت مواردها وأمثلتها في العصر الحاضر.
القسم الرابع: الأمور الخاصة بجسم الإنسان، نحو ضمان العلاج مضافًا لضمان الدية، حيث إن المتعارف فقهيًا أنه إذا أتلف شخص عضو شخص آخر أو جرحه، فإن ذمته تشتغل بالدية. لكن ضمان تكاليف العلاج التي قد تكون أكثر بكثير من الدية المحددة، هل هناك مجال لتحديد الحكم الشرعي من جهتها أم لا؟ ومن هذا القبيل تغيير الجنسية، كما لو حوّل الذكر نفسه إلى صورة أنثى أو بالعكس، فهل تترتب عليه أحكام الصورة المنتقل إليها؟ وكذلك التلقيح الصناعي ولوازمه وآثاره.
القسم الخامس: الأمور العامة، كاقتضاء التوسعة في المدن لقلع المساجد والمقابر وفتح الشوارع في مواطنها، والذبح بالمكائن الحديثة، وأمثال ذلك.
هذه هي الأقسام الخمسة للموضوعات المستحدثة التي تحتاج إلى تحديد الحكم الشرعي تجاهها.
المطلب الثاني: طرق مواكبة الفقه للمسائل المستحدثة
إن مواكبة الفقه للمسائل المستحدثة إنما تتم من خلال عدة طرق:
الطريق الأول: تطبيق العناوين الأولية
مثل تطبيق قوله تعالى:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
فهل يشمل هذا العنوان نقل المديونية الحادث اليوم، كنقلها من بنك إلى بنك أو من شركة إلى شركة؟
ومثل قوله تعالى:
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾
من حيث شموله لتداول الأسهم الاعتبارية، حيث إن الأسهم قسمان: قسم يحكي عن واقع، كأسهم العقارات أو الذهب أو المعادن، وقسم آخر أسهم اعتبارية محضة لا تشير إلى واقع خارجي. فهل التداول في الأسهم الاعتبارية الصرفة مصداق لأكل المال بالباطل، أو يشمله المستثنى في الآية "إلا أن تكون تجارة عن تراض"؟
الطريق الثاني: حكومة العناوين الثانوية على العناوين الأولية
من أمثلة ذلك حكومة قاعدة "لا ضرر"، وهل يستفاد منها شمولها للأحكام العدمية؟ بأن يقال: لو لم تشمل قاعدة "لا ضرر" موارد الحقوق المستحدثة لترتب الضرر. فمثلًا لو لم نقل بثبوت حق البراءة لمن اخترع اختراعًا نافعًا، لكان عدم ثبوت الحق له ضررًا عليه. فمقتضى أن مفاد "لا ضرر" نفي تسبيب الشارع للضرر على المكلف، وأن عدم ثبوت حق البراءة يُعد تسبيبًا من الشارع للضرر، هو ثبوت ما يُرمَّم به هذا الضرر، وهو هذه الحقوق المستحدثة، لأن عدم ثبوتها ضرر على أصحابها العرفيين. فهل يمكن التمسك بـ"لا ضرر" في هذه الموارد؟
ومن أمثلة ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
هل يمكن التمسك به لإثبات جواز عملية التلقيح الصناعي، بأن تُلقَّح بويضة الزوجة مع الحيوان المنوي للزوج خارج الرحم، ثم توضع في رحم امرأة أخرى أقدر على حفظ الجنين من الزوجة؟ وهل أن وقوع الزوجين في حرج شديد نتيجة عدم الإنجاب مسوّغ لجواز هذه العملية، رغم ما تستلزمه من كشف للعورة ولمس محرَّم بالعنوان الأولي؟
ومن العناوين الثانوية أيضًا حكومة قواعد باب التزاحم على الأدلة الأولية، ومن أمثلتها قوله عز وجل:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ﴾
فهذه الآية بيان لملاك مهم، وهو أن من أهم الملاكات التي ينبغي حفظها ألا يكون المال دولة بين الأغنياء. فبلحاظ هذا الملاك، هل يفتي الفقيه بتحريم الشركات التسويقية الهرمية، باعتبار أن لازم جواز فتح المجال لها هو جمع الثروات بيد فئة معينة من الناس، فهل يشملها هذا الملاك؟
الطريق الثالث: تحديد الموضوعات المستنبطة
سواء كانت موضوعات لأدلة العناوين الأولية أو الثانوية. ومن الأمثلة على ذلك:
-
عنوان الموت: حيث ورد في الأدلة عنوان الموت وما يترتب عليه من الإرث وضرورة تجهيز الميت المسلم. فهل يشمل الموت الدماغي أم يختص بموت القلب؟ وقد أصبح هذا من الضرورات في زماننا.
-
عنوان البلد والوطن: وقد صار من أكثر المسائل إشكالًا في زماننا. فيحرم على المكلف نقل زكاة الفطرة عن بلده، فما هو بلده؟ وما هو الميزان في تحديد البلد الذي تُحسب المسافة الشرعية من نهايته؟ وهل يشمل البلد المدن الكبيرة كطهران وبغداد ولوس أنجلوس وأمثالها من المدن الضخمة، أم للبلد مقاييس خاصة؟
-
عنوان الضرر: وهو من العناوين الثانوية التي يفتقر الفقيه لتنقيحها. فهل يختص الضرر بالنقص الخارجي في المال أو النفس أو العرض، أم يشمل النقص الاعتباري؟ فمثلًا خسارة الشركة لموقعها السوقي ضرر عند العقلاء، فهل يشمله عنوان الضرر الذي تصدت قاعدة "لا ضرر" لنفي تسبيب الشارع له؟
السيرة العقلائية كطريق لتحديد الموضوعات
ومن الأدلة في باب المعاملات، مضافًا لأدلة العناوين الأولية والثانوية، السيرة العقلائية، فيبحث في الموضوع المستحدث الذي جرت عليه هذه السيرة. مثال ذلك حق البراءة لمن اخترع اختراعًا مفيدًا للمجتمع البشري: فالقانون الوضعي يجعل له حقًا، فماذا يقول الفقه الشرعي؟
هل يمكن تخريج حق البراءة من باب "حق السبق"، من قاعدة "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به"، بأن يقال إنه لا خصوصية للسبق في المكان بالنظر العقلائي، وإنما المدار على أن يقوم أحد الأشخاص بالحيازة أو الاستئثار بشيء معين، سواء كان مكانًا أو عملًا أو مخترعًا؟
أو يقال بأخذ حكم حق البراءة من دليل الإحياء، "من أحيا أرضًا مواتًا فهي له"، بأن العرف العقلائي لا يرى خصوصية لعملية الإحياء، وإنما يرى أن النكتة في الجهد، أي أن من بذل جهدًا له نتيجة عقلائية فهو ذو حق في النتيجة التي توصل إليها؟
أو يقال بغض النظر عن هذين الدليلين، إن السيرة العقلائية القائمة اليوم على ثبوت الحق للمخترع نكتتها موجودة منذ الأزمنة القديمة، وإن لم يكن هناك دليل نقلي عليها، فمن بذل جهدًا فله نتيجة جهده، ومن بذل عملًا فله نتيجة عمله؛ وهذه النكتة قديمة بحيث يشملها دليل الإمضاء.
تقسيم الموضوعات المستحدثة في بعض الكتب
ذكر في كتاب "الفائق في علم الأصول" (صفحة 159) أن الموضوعات المستحدثة على أقسام:
القسم الأول: ما لم يكن يتعقله الإنسان القديم أصلًا، بحيث لو عُرض عليه لم يتصوره فضلًا عن أن يذعن بإمكان وقوعه، ولعل من هذا القسم الطاقة النووية. فهل نقل الطاقة النووية من شركة إلى شركة، أو من دولة إلى دولة، يُعد بيعًا أم إجارة؟ فالطاقة ليست من الأعيان الحسية؛ إذ يقول السيد الخوئي إن البيع نقل عين بعوض، والمراد بالعين ما كانت له شيئية بنظر المرتكز العقلائي، وإن لم تكن عينًا حسية. فإن كانت الطاقة لها شيئية بهذا النظر، عُدّ نقلها بيعًا، أو يقال إن نقلها إجارة إذا كانت لمدة مؤقتة، لأن الطاقة من المنافع، وتمليك المنفعة لمدة محددة من باب الإجارة لا البيع.
القسم الثاني: ما كان يتعقله الإنسان القديم لكن يراه غير ممكن عادة بحسب ما لديه من الإمكانيات والأدوات، كالسفر في الجو الذي يقطع المسافة الشرعية بالنحو العمودي، أو قطع المسافة في الأرض بسرعة تفوق أضعافًا ما كان مألوفًا. ومن الأمثلة على ذلك: إنسان صام يوم الأربعاء في بلده، ثم انتقل إلى بلد آخر باتجاه حركة الأرض، فوصل والوقت لا يزال في يوم الأربعاء أو في وسطه هناك، فهل يجب عليه الصوم؟ علمًا بأن تسمية "يوم الأربعاء" أمر اعتباري، واليوم النهاري على كوكب الأرض واحد، وكذلك الحال في الصلاة.
القسم الثالث: ما كان يتصوره الإنسان القديم ويراه ممكنًا لكن لم يخطر بباله لعدم كونه محل ابتلائه، كعقد التأمين.
القسم الرابع: ما كان موجودًا وحدث له وصف لم يثبت له في عصر التشريع، مثل أصناف الدية. فالدية إما من الأنعام الثلاثة، أو من النقدين المسكوكين من الذهب والفضة، أو من الحُلَل، وقد كانت قيمة مئتي حُلة مقاربة لقيمة ناقة في تلك الأزمنة، أما اليوم فلا تساوي مئتا حُلة عُشر قيمة الناقة. فكيف يعالج الفقيه هذا التفاوت الفاحش في القيمة، مع أن الروايات الشريفة عرضت أصناف الدية في نسق واحد؟
القسم الخامس: ما صار مورد ابتلاء المسلمين حديثًا رغم وجوده في عصر التشريع، لكن في أمكنة بعيدة منقطعة عن بلاد المسلمين، كأوقات الصلاة والصيام في القطبين وما يقرب منهما.
الطريق الرابع: إعمال الحكم الولائي
أحيانًا يضطر الفقيه لأن يُعمل حكمًا ولائيًا. من الأمثلة على ذلك مسألة حرمة مخالفة النظام؛ فما قام عليه الدليل هو حرمة مخالفة النظام الحافظ للنفوس والأعراض والأموال الخطيرة، ليس أكثر من ذلك، ولذلك كان السيد الخوئي قدس سره يقتصر على هذا الحد. لكن في زماننا هذا توسعت الأنظمة لتشمل أنظمة البلديات والتعليم والصحة والجمارك، ولا يوجد بلد بلا أنظمة بهذه السعة. فماذا يفعل الفقيه؟ إن أجاز المخالفة لزم الهرج والمرج، فيقول الفقيه في مثل هذه الموارد: صحيح أنه لا دليل عندي على حرمة مخالفة النظام بهذا العرض العريض، لكن بما أن المصلحة العامة ودفع الهرج والمرج تقتضي سد هذا الباب، فإني أمنع مخالفة النظام من باب الحكم الولائي، وذلك لمن يرى للفقيه الولاية في الأمور الحسبية بعرضها العريض، كما يرى ذلك السيد الأستاذ (دام ظله) وشيخنا الأستاذ الشيخ التبريزي رحمه الله.
المطلب الثالث: المدار في المعاملات على المفهوم الاعتباري لا الصياغة اللفظية
المدار في المعاملات على المفهوم الاعتباري للمعاملة لا على الصياغة اللفظية، وإن كانت الصياغة اللفظية دخيلة تعبدًا في بعض المعاملات كالطلاق والخلع. أما بقية المعاملات فالمدار فيها على المفهوم الاعتباري لا على الصياغة.
لذلك فإن ما يعبر عنه اليوم بـ**"الودائع البنكية"** هو مجرد تعبير، وإلا فما يسلمه الإنسان للبنك من أموال، سواء بالتسليم اليدوي أو بالتحويل، ليس وديعة بل هو إقراض، إذ لا معنى للوديعة في مثل ذلك، باعتبار أن البنك مسلط على المال بجميع أنحاء التصرف، وهذا لا يتصور إلا إذا كان تسليم المال من باب الإقراض. فتسميته وديعة مجرد عبارة، والمفهوم الاعتباري الحقيقي لهذه المعاملة إقراض، فتجري عليها أحكام القرض.
ومثال آخر: المتعارف في السوق أن يقال "أبيعك مئة دولار نقدًا بمئة وعشرين دولارًا مؤجلة"، ويسمونه بيعًا، وهو ليس بيعًا في الحقيقة، بل هو قرض تجري عليه أحكام القرض. فالمدار على المفهوم الاعتباري للمعاملة لا على تسميتها أو الاصطلاح عليها في مقام التعامل.
المطلب الرابع: المعاملات البسيطة والمعاملات المركبة
بعض المعاملات قد يتضح عند تحليلها أنها بسيطة، وبعضها يتضح أنها مركبة. فإذا كانت بسيطة، جرى الكلام فيها ضمن الأطر الأربعة السابقة. أما إذا كانت مركبة، فكيف يتعامل الفقيه معها؟ هل يعاملها كعقد مستحدث لأنها مركبة من معاملتين، أم يفكك بين المعاملتين فيجعل لكل منهما حكمه؟
مثال على ذلك: عقد التأمين، الذي بحثه الشيخ حسين الحلي قبل ستين سنة، ولا يزال محل بحث إلى يومنا هذا. فعقد التأمين يُسمى عقدًا واحدًا، لكنه في مقام التحليل معاملتان لا معاملة واحدة، سواء اعتبرناه هبة معوَّضة، أو من باب الضمان، أو من باب الجعالة، وهي تخريجات فقهية متعددة له.
فالمؤمَّن له - وهو من يريد التأمين على سيارته مثلًا - يهب البنك (المؤمِّن) مالًا معينًا كل شهر، بشرط أن يضمن له البنك تعويض أي خسارة تطرأ على سيارته، ولو كانت هذه الخسارة تفوق أضعافًا ما وهبه للبنك. فهنا معاملتان، أو نقول إنه من باب الضمان، بأن يقول البنك للمؤمَّن له: أضمن لك اشتغال ذمتي بتعويض أي خسارة تقع، مقابل أن تهب لي كذا كل شهر - وهذا أيضًا معاملتان إحداهما مشروطة بالأخرى - أو أنه من باب الجعالة: "اضمن لي وأنا أجعل لك كذا كل شهر".
فبعض المعاملات إذن بسيطة في التحليل، وبعضها مركبة، ولكل منها حكمه.
يأتي الكلام في الليلة القادمة إن شاء الله تعالى ببقية المطالب المرتبطة بهذا المدخل، ثم ندخل في بعض المسائل المستحدثة التي ذُكرت بعض عناوينها في الإعلان، إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
