البيتكوين بين المالية والمخاطرة: بحث في موانع صحة التعامل
البيتكوين بين المالية والمخاطرة: بحث في موانع صحة التعامل
استئناف البحث في المانع الأول: انتفاء المالية
كان المانع الأول من صحة التعامل بالبيتكوين هو أن البيتكوين ليس بمال، مع اعتبار أن يكون الطرفان من الأموال في صحة المعاوضة. وقد سبق بيان أن اشتراط المالية في صحة المعاوضة محل منع، كما سبق نقده.
وربما يُجاب عن الإشكال من باب آخر، وهو أن دعوى انتفاء المالية عن هذه العملة غير تامة؛ باعتبار أن المالية وصفٌ منتزَع من التنافس والرغبة العقلائية في المداولة على الشيء، لوجدانه نفعًا معتدًّا به بحسب النوع العقلائي، مع فرض عدم ابتذاله. وكل ذلك صادق على البيتكوين، فإن التنافس والرغبة العقلائية عليه، مع عدم ابتذاله، منشأٌ لانتزاع عنوان المالية كوصف له.
بخلاف ما لو كان التنافس على الشيء من قبل جماعة خاصة، أو كان التنافس عليه لغرض التلاعب أو الاحتيال لا لغرض عقلائي، فهذا مما لا يصلح أن يكون منشأً لانتزاع عنوان المالية. أما التنافس الصادر من العقلاء بما هم عقلاء، لوجدان ما يتنافس عليه نفعًا معتدًّا به نوعًا مع عدم ابتذاله، فهو منشأ لانتزاع عنوان المالية، وهذا ما ينطبق على البيتكوين.
إذ لا يشترط في المالية وجود غطاء ضامن لها، كما لا يشترط في عنوان المالية الاعتراف الرسمي؛ فكل ذلك ليس دخيلًا فيما هو المحقِّق لمنشأ انتزاع عنوان المالية. وسيأتي في البحث عن المانع الثاني ما يؤكد أن البيتكوين واجد لمنشأ انتزاع عنوان المالية.
هذا هو الكلام في الجهة الثانية، حيث تكلمنا سابقًا في معنى المالية، وفي أقسام المالية، وفي الدليل على اشتراط المالية في صحة المعاوضات.
الجهة الرابعة: التعامل على البيتكوين على فرض انتفاء ماليته
وصل الكلام إلى الجهة الرابعة، وهي: على فرض أن البيتكوين ليس بمال، فهل يمكن التعامل عليه وإن لم يكن التعامل مصداقًا للمعاوضة؟
الفرق بين الأصل في الأحكام التكليفية والوضعية
صحيح أن الأصل في باب الأحكام الوضعية هو الفساد، وهذا هو الفارق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية؛ فإن الأصل عند الشك في الحكم التكليفي هو جريان البراءة. فمثلًا لو لم نجد دليلًا على حرمة لحم الكنغر وشككنا في حليته، فالأصل هو الحلية كأصل عملي ظاهري. وكذلك لو شككنا في حرمة النظر إلى المرأة الكافرة أو المرأة المتهتكة ولم يكن دليل على الحرمة، فالأصل هو البراءة عن حرمة النظر.
لكن الأصل في الأحكام الوضعية، إذا شُكَّ في فعلية حكم وضعي وعدمه، هو الفساد؛ يعني الأصل هو عدم ترتب هذا الحكم الوضعي. فلو شُكَّ في صحة المعاملة على البيتكوين، فالأصل هو الفساد.
ولكن البحث حاليًا ليس في مقتضى الأصل العملي بعد اليأس عن وجود دليل اجتهادي، فما زال الكلام في الدليل الاجتهادي، ولم نصل بعد إلى الأصل العملي.
التعامل بعنوان بذل المال بإزاء رفع اليد عن الحق
فنقول: على فرض أن البيتكوين ليس مالًا، ويشترط في صحة المعاوضة المالية، فهل يمكن التعامل على البيتكوين لا بعنوان المعاوضة، بل بعنوان الباذل بإزاء رفع اليد عن الحق؟
وهذا بحث ذُكر في كتاب البيع، وهو أنه في الأعيان التي لا تُملَك، بل يكون للإنسان عليها حق كالكلب أو الخنزير - حيث إن للإنسان حق الاختصاص فيه إذا حازه - أو الأرض الموات، فإن الأرض الموات لا تُملَك إلا بالإحياء. فلو أن الإنسان اشترى الأرض الموات من الدولة - طبعًا الشراء ليس شرعيًّا لأن الأرض الموات لا تُملَك بالشراء - ولكن بذل المال بإزاء الوثيقة الرسمية يُعَدّ محققًا لحق الاختصاص. فمن اشترى الأرض الموات، وإن لم يملكها، إلا أن بذل المال بإزاء أن يُعطى وثيقة رسمية من قبل الدولة يحقق له عنوان حق الاختصاص.
هذا من موارد الحقوق. أو أن يكون الشيء من الأمور النفيسة لدى العقلاء وإن لم يكن من الأعيان، مثل رقم السيارة؛ فبعض أرقام السيارات يتنافس عليها العقلاء، وهو مجرد رقم وليس عينًا من الأعيان، ويبذلون بإزائه أموالًا مهمة، وليس في المقام إلا الحق: أن من بيده الرقم - نتيجة ملكيته للسيارة أو نتيجة وصول هذا الرقم إليه بطريق قانوني - له حق اختصاص به.
حق البيع وحق الشراء
ومن ذلك أيضًا ما سيأتي عند البحث عن العقد الرافع للمالية، وله تفاصيل كثيرة في المعاملات، منها حق البيع وحق الشراء. وما معنى ذلك؟ بمعنى أنك تدفع عربونًا لصاحب السلعة، وهذا العربون يعطيك مهلة شهر، لك فيه حق الشراء دون غيرك ما دمت قد دفعت العربون. وقد يكون لصاحب السلعة حق البيع، بمعنى أننا نتعاقد أنا وصاحب السلعة: إن هبط السعر لمدة شهر فلي حق الشراء، وإن ارتفع السعر في هذا الشهر فله حق البيع. وهل يمكن نقل حق البيع وحق الشراء إلى الآخرين أم لا؟ هذا أيضًا محل بحث عندهم.
الصيغ الثلاث للمعاملة على ما ليس بمال
إذن كل هذه الأمثلة - حق الاختصاص في الأعيان التي لا تُملَك، والحق المجرد عن العين كالحق في رقم السيارة، أو حق البيع أو حق الشراء - يُطرح فيها سؤال: ما هو نوع المعاملة على هذه الحقوق؟ ما هو سنخها؟
هنا ذكر جمعٌ من الفقهاء ثلاث صيغ للمعاملة على ما ليس بمال:
الصيغة الأولى: هبة مشروطة بالإعراض أو إسقاط الحق؛ أن أهب المال بإزاء أن يُعرِض عن حقه في الكلب أو الخنزير أو رقم السيارة أو ما أشبه ذلك، أو أبذل له المال هبة مجانية مشروطة بأن يُسقط حقه في هذه الأشياء، ثم ينتقل الحق لمن بذل المال بالحيازة.
الصيغة الثانية: أن يكون البذل بإزاء رفع اليد، بلحاظ أن رفع اليد عمل عقلائي يُبذل بإزائه المال؛ فيقال: في مقابل رفع يده عن حقه - حق الاختصاص أو حق السبق أو حق البراءة - يُبذل له مال.
الصيغة الثالثة: أنه من باب المعاوضة، أي أن المال بإزاء الحق نفسه، لا هبة مشروطة بالإعراض، ولا مقابل رفع اليد، بل مقابل نفس الحق - معاوضة بين المال وبين الحق. وهنا في هذه الصيغة الثالثة وقع الخلاف عندهم في أنها بيع، ووقع الخلاف عندهم في الصحة.
فالمعروف، ومنهم السيد الخوئي قدس سره، أن هذا ليس بيعًا؛ لأن البيع خاص بالأعيان، والبيع تمليك عين بعوض، أما نقل حق بعوض فليس بيعًا. وبعض الأكابر قدس سره في كتاب البيع قال: هذا بيع؛ إذ لا دليل على اختصاص البيع بالأعيان، فنقل شيء بعوض بيعٌ سواء كان عينًا أو حقًّا. فهذا خلاف في الصغرى: هل هو بيع أو ليس ببيع؟ وعلى فرض أنه بيع، هل هو صحيح أم لا، فذلك يبتني على البحث السابق: هل يُشترط في البيع المالية أم لا، وهل الحق من الأموال أم لا؟ وهذا بحث آخر.
الخلاصة المستفادة
فالذي نريد أن نستخلصه من هذا البحث أن العملة، وهي البيتكوين، على فرض أنها ليست مالًا، يمكن التعامل عليها مقابل بذل المال بإزاء رفع اليد عن الحق العقلائي فيها. وهذا عقد، إن لم يكن بيعًا ولا تجارة عن تراض، فهو عقدٌ يندرج تحت عنوان:
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]
سواء قلنا بأن مفاد "أوفوا بالعقود" إرشاد إلى حكم وضعي - أي نفوذ العقد - أو قلنا بأن مفادها أمر تكليفي مولوي بالوفاء بأي عقد؛ فعلى أي حال يكون هذا المورد من مصاديق "أوفوا بالعقود".
بهذا تم الكلام في المانع الأول من صحة التعامل على البيتكوين، وهو دعوى أنه ليس بمال.
المانع الثاني: دعوى كون التعامل بالبيتكوين من مصاديق القمار
ذكر بعض الأعلام القميين حفظه الله في منع التعامل على البيتكوين أن التعامل به على نحو المعاوضة من مصاديق القمار.
القاعدة الكبروية: المدار على المفهوم الاعتباري لا الصورة الشكلية
وقد سبق في مدخل البحث، أول ما دخلنا في البحث في أول ليلة، أن المدار في كل معاملة مباحة أو محرمة على المفهوم الاعتباري للمعاملة لا على الصورة الشكلية للمعاملة. فكي يُعلم حكم المعاملة، لا بد من تحديد المفهوم الاعتباري لها، وليس المدار على اللفظ ولا على الصورة الشكلية.
وعند التحليل الدقيق لما ورد عن المشرِّع الأقدس في حرمة القمار، أو تحريم اللعب بأدوات القمار، نجد أن مصبّ الحرمة وموطن المفسدة الحقيقية هو عنصر المخاطرة والمجازفة، أي أن المشرِّع لم يُحرِّم اللعب بأدوات القمار بما هو صورة، وإنما متعلق الحرمة هو المجازفة والخطر المالي. وهذا العنصر مما ينطبق - بحسب هذا الرأي - بوضوح على التعامل بالبيتكوين لاستتباعه المخاطرة المالية.
الروايات الواردة في القمار
جاء في الكافي، الجزء الخامس، صفحة ١٢٢، باب القمار والنُّهبة، الحديث الثاني (ولولا عمرو بن شمر فيه لكان تام السند)، عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام:
«لما أنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وآله ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قيل: يا رسول الله، ما الميسر؟ قال: كل ما تُقُومِر به حتى الكعاب والجوز. قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوه لآلهتهم»
وفي الحديث السادس، وهي موثقة السكوني على مبنى السيد الخوئي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام:
«كان ينهى عن الجوز يجيء به الصبيان، ويقول: من القمار أن يؤكل، وقال: هو سحت»
وفي الحديث التاسع، وفي سنده سهل بن زياد، عن أبي الحسن عليه السلام:
«سمعته يقول: الميسر هو القمار»
وفي الحديث العاشر، وهي معتبرة إسحاق بن عمار، عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يعقوب بن يزيد، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، قال:
«قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الصبيان يلعبون بالجوز والبيض ويقامرون. قال: لا تأكل منه فإنه حرام»
توظيف الروايات في إثبات المخاطرة كعلة للتحريم
يقال: المستفاد من هذه الروايات أن المشكلة في القمار ليست في عنوان القمار بما هو هو، وإنما المشكلة هي في المخاطرة المالية؛ فإن الذي يلعب بالقمار يُقدِم على مخاطرة مالية. ولا إشكال في وجود المخاطرة المالية في البيتكوين، فإن المخاطرة المستبطَنة في التعامل بها - مضافًا لعدم وجود غطاء مالي يضمنها، مع كونها في الحقيقة من باب الدَّين - أمر واضح.
وقد ذكرنا فيما سبق أن البيتكوين ذمة؛ يعني ليس فيه شيء حسي، فهو ذمة، كما أن البطاقات الائتمانية ذمة. فما معنى البطاقة؟ يعني على ذمة البنك أن يسدد ما في هذه البطاقة من أثمان. وكذلك النقود الإلكترونية هي ذمة؛ يعني الجهة المصدِّرة للنقد الإلكتروني لها ذمة تضمن مالية هذا النقد. وهنا أيضًا البيتكوين هو ذمة هذه الجهة التي تبنّته، أشغلت ذمتها بما تراه مالية لهذه العملة. فإذا لا يوجد غطاء مالي يعوّض، فأي خطر أعظم من هذا؟
مضافًا لذلك: عدم القدرة على استرجاع المال الملموس بعد تحويله للبيتكوين، وغياب التشريعات واللوائح الرسمية، مما يعني نقص الأطر التنظيمية لها، ورفض أغلب دول العالم والجهات المصرفية للتعامل بها، وتقلب الأسعار بشكل سريع ومتفاوت، مضافًا للمشاكل في الأمن وحماية المستهلك، ووقوع جرائم الاحتيال والنصب باستخدام هذه العملة.
وقد سبق أن استُخدمت عملة البيتكوين في قرصنة حواسيب عديدة، ومنها فيروس الفدية الأول والثاني الذي هاجم آلاف الحواسيب في العالم، وكل ذلك لعدم إمكان السيطرة على هذه العملة من قبل أي دولة. فإذن الإقدام على التعامل والمعاوضة بها إقدام على خطر مالي، فملاك أو موطن حرمة القمار منطبق عليها.
مقامان في مناقشة هذا المانع
هذه أمور ونكات كبروية تحتاج إلى تحرير، ونبحثها هنا في مقابل هذا المانع المدَّعى في مقامين:
المقام الأول: تنقيح الصغرى؛ هل فعلًا أن التعامل بالبيتكوين متضمِّن لعنصر المخاطرة المالية العقلائية؟
المقام الثاني: البحث في الكبرى؛ من أين استُفيد أن موطن الحرمة في القمار هو المخاطرة المالية؟ هل هو من باب تنقيح المناط - أي تحديد العلة وملاك التحريم - أو هو من باب مذاق الشارع، أو هو من باب مقاصد الشريعة؟ فهناك أبواب ثلاثة يمكن أن يُدّعى بها ذلك: إذ لم يقل الشارع "المخاطرة المالية"، بل قال "القمار"، و"الميسر هو القمار"، و"القمار ما تُقومِر به من الجوز والبيض"، وهذا الذي قاله الشارع. أما اكتشافنا أن مصبّ الحرمة هو المجازفة والخطر المالي، فهو إما من تنقيح المناط، أو من باب مذاق الشارع، أو من باب مقاصد الشريعة. وسيأتي البحث عنها في المقام الثاني.
الشروع في المقام الأول: تنقيح الصغرى
نبدأ الآن في المقام الأول: تنقيح الصغرى؛ هل هناك فعلًا مخاطرة في التعامل بالبيتكوين أم لا؟
ويُبنى البحث هنا على تحليل خلفية العملة الافتراضية؛ فكما أن تحليل ما هو القمار المحرَّم أرشد - بحسب كلام المستدل - إلى أن مصبّ الحرمة هو عنصر المخاطرة المالية، فإنه ينبغي أيضًا تحليل جوهر التعامل على العملة الافتراضية: ما هي خلفيته؟ وما هو جوهره؟ ولا يُنظر إلى الصورة الشكلية له.
بمعنى: هل الدوافع والمحفزات خلف اختراع هذه العملة مجرد هدف رأسمالي، يعني الاسترباح عن طريق المخاطرة المالية كما في القمار؟ أم أن مسيرة التطور لدى النظام المالي اقتضت وجود العملة الافتراضية؟ يعني: هل عملة البيتكوين اقتضاها التطور في النظام المالي أصلًا، لا أنها مجرد اختراع لهدف رأسمالي لمجموعة من البشر، بل هي أمر اقتضاه تطور النظام المالي في العالم؟ وهذا ما سنوضحه من خلال عرض أمور.
والحمد لله رب العالمين.
