شهر رمضان المبارك١٠ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

التعامل بالبيتكوين بين الباطل العرفي وبيع الكالي بالكالي

التعامل بالبيتكوين بين إشكال الباطل العرفي وحرمة بيع الكالي بالكالي

الاستدلال بآية أكل الأموال بالباطل

وصل الكلام إلى أنَّ المستفاد من مجموعة من النواهي الشرعية عن المعاملات، كالمنع من الربا والغش والاحتكار والسبق إلا في موارد معينة، وحرمة الرهن، بضميمة الآية المباركة:

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]

أنَّ المراد بـ"الباطل" هو الباطل العرفي، وهو عبارة عن كسب المال بطريقٍ ليس له غطاء وإقرار قانوني. فكلُّ كسبٍ بطريقٍ ليس له غطاء أو إقرار قانوني فهو باطل، وحيث إنَّ التعامل بالبيتكوين معاملة ليس لها غطاء قانوني، فهي مندرجة تحت عنوان الباطل.

ولكن يُلاحَظ على هذا الاستدلال التأمل في الكبرى والصغرى معًا.

التأمل في الكبرى: عناصر الاستدلال بالآية

إنَّ الاستدلال بالآية المباركة متقوّم بثلاثة عناصر:

العنصر الأول: أنَّ الباء في قوله ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ هي باء السببية وليست باء المعاوضة، أي ليس المراد "ولا تأكلوا أموالكم بعِوَضٍ باطل"، بل المراد "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بسببٍ باطل". والقرينة على ذلك أمران: التعبير بـ"بينكم" الذي ظاهره النظر إلى أسباب التداول فيما بينهم، والمستثنى في الآية وهو "التجارة عن تراضٍ" الذي هو سببٌ من الأسباب، فهذا كله قرينة على أنَّ الباء للسببية لا للمعاوضة.

العنصر الثاني: أنَّ المراد بـ"الباطل" في الآية هو الباطل العقلائي لا الباطل الشرعي؛ لأنَّ الآية في مقام الإمضاء والردع: تردع عن معاملة، وتُمضي معاملة أخرى، ولا ينسجم مع مقام الإمضاء والردع أن يتضمن الخطاب عنوانًا يحتاج شرحًا من قبل الشارع. فلو كان المراد بالباطل الباطل الشرعي، لَلَزِمَ بيان الشارع له في رتبةٍ سابقة أو لاحقة على نحو متمم الجعل، وإلقاء الخطاب في مقام الإمضاء والردع من دون متممٍ سابق أو لاحق قرينة على أنَّ المنظور هو الباطل العقلائي، أي: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بسببٍ باطلٍ بحسب المرتكزات العقلائية عندكم، إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ. ولذلك ذهب كثير من الأعلام إلى أنَّ الاستثناء منقطع، لأنَّ التجارة عن تراضٍ ليست من صغريات الباطل العقلائي، وإنما هي من صغريات الصحيح.

العنصر الثالث: أنَّ المراد بالباطل العقلائي هو السبب المشتمل على ظلمٍ مالي، كما في تحريم الربا والغش والاحتكار والرهن، فإنَّ كل هذه المعاملات تشترك تحت جامعٍ وهو اشتمالها على ظلمٍ مالي، أي حيازة ثروة من الغير بلا جهد. أمَّا القول بأنَّ المراد بالباطل العقلائي معاملة لم يُمضها القانون أو ليس لها غطاء قانوني، فهذا معنى حادث يحتاج إلى قرينة وشاهدٍ عليه؛ بل الباطل العقلائي هو كل سببٍ اشتمل على حيازة ثروةٍ أو مالٍ للغير بلا جهدٍ ولا مبرر، بحيث يُعدّ ظلمًا ماليًا.

التأمل في الصغرى: عدم انطباق الباطل على البيتكوين

بعد الفراغ من بيان الكبرى، ننتقل إلى التطبيق على الصغرى: هل ينطبق عنوان الباطل بهذا التحديد -وهو السبب المشتمل على ظلمٍ مالي- على التعامل بالبيتكوين أم لا؟

الجواب: لا؛ لأنَّ المفروض أنَّ كلا الطرفين أقدما على المعاملة وهما مطَّلعان على تمام لوازمها وعواقبها وشرائطها، وليس هناك حيازة من قبل أحد الطرفين لثروة الطرف الآخر بلا مبرر كي يكون ذلك ظلمًا. ولذلك سبق أن قلنا إنَّ التعامل بالبيتكوين لا يشتمل على غرر، إذ الغرر هو الجهالة، والنبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الغرر أي البيع المشتمل على الجهالة، ولا توجد في التعامل بالبيتكوين أي جهالة لأي من الطرفين. وحتى لو حصل غَبن، فغايته ثبوت الخيار لا بطلان المعاملة.

بهذا تمّ الكلام في الاستدلال الأول على حرمة التعامل بالبيتكوين.

المحذور الأخير: بيع الكالئ بالكالئ

يبقى هنا محذورٌ أخير قد يُشار إليه، وهو أنَّ التعامل بالبيتكوين من قبيل بيع الكالئ بالكالئ (بيع الدين المؤجَّل بالدين المؤجَّل)، وهو باطل بالإجماع، مضافًا إلى أنه متضمن لمفسدةٍ خطيرة باعتبار أنَّ التعامل بالذمم (ذمّة بذمّة) معرَّض لتلف الثروات والأموال، ولعلَّ هذا هو الملاك في منع بيع الكالئ بالكالئ.

الجواب الأول: البيتكوين لا ينحصر بالبيع

التعامل بالبيتكوين لا ينحصر بالبيع، فقد يكون من باب المضاربة، وقد يكون من باب الاستثمار، وقد يكون بيعًا ومداولة، فليس كله من باب البيع حتى يدخل تحت عنوان بيع الكالئ بالكالئ.

الجواب الثاني: الفرق بين بيع الكالئ بالكالئ وبيع الدين بالدين

إنَّ بيع الكالئ بالكالئ يختلف عن بيع الدين بالدين، كما هو مشروح في اللمعة والجواهر والحدائق؛ فبيع الدين بالدين هو أن يكون الدَّينان سابقَين على البيع (كأن يكون لي دين على فلان، ولك دين عليّ، فأبيعك ديني الذي على فلان بدينك الذي عليّ)، وهذا لا اتفاق على بطلانه. أمَّا الذي اتفقوا على منعه فهو بيع الدين بالدين بسبب البيع نفسه، أي أن يكون كلٌّ من العوضين دَينًا حصل بسبب البيع ذاته (بيع مؤجَّل بمؤجَّل)، وهذا هو بيع الكالئ بالكالئ.

قال صاحب الحدائق رحمه الله في الجزء العشرين (ص٢٠٠)، المسألة الثالثة عشرة:

"لا يُباع الدين بالدين، والظاهر أنه لا خلاف بينهم في تحريم بيع الدين بالدين."

ويدل على ذلك من طريق الخاصة رواية طلحة بن زيد، ذكرها صاحب الوسائل في الجزء الثامن عشر، أبواب الدين والقروض، الباب الخامس عشر:

عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لا يُباع الدين بالدين."

وقد علّق صاحب الوسائل رحمه الله على هذه الرواية بقوله: "أقول: هذا يحتمل النسخ، ويحتمل الكراهة، ويحتمل اتحاد الجنس، ويحتمل إرادة بيع دينٍ في ذمة زيدٍ بدينٍ في ذمة عمرو"، أي أنَّ هذا الحديث لم يقع اتفاق على إطلاقه.

وقد قسّم السيد الخوئي قدس سره في التنقيح (شرح المكاسب، الخيارات، ج٤٠، ص٢٣٥-٢٣٦) البيوع إلى أقسام أربعة، وذكر أنَّ القسم الرابع -وهو أن يكون العوضان مؤجَّلَين، وهو بيع الكالئ بالكالئ- باطل بالإجماع، مع وجود روايات من طريق العامة، أمَّا من طريق الخاصة فليس إلا رواية طلحة بن زيد المتقدمة، والتي وقع الخلاف في مفادها ومدلولها، فضلًا عن الكلام في سندها.

علة المنع تعبدية لا ملازمة عرفية

المهم في هذا المقام أنَّ منع بيع الكالئ بالكالئ حكمٌ تعبدي؛ إذ لو قيل إنَّ ملاكه ضياع الأموال (لأنَّ ذمة المشتري مشغولة بالثمن وذمة البائع مشغولة بالمثمن، فأين تضيع الأموال؟)، فإنَّ هذا لا يستلزم اشتراط كون الأموال أعيانًا شخصية متبادلة وإلا وقع الضياع والتلف. فلا ملازمة عرفية بين بيع الكالئ بالكالئ وضياع الأموال؛ فقد يحصل ضياع الأموال في المعجَّل أيضًا، وقد لا يحصل في المؤجَّل.

الصغرى: البيتكوين ليس ذمة بذمة

هذه نكتة ينبغي الالتفات إليها: إنَّ الانتقال من العملة الورقية إلى العملة الافتراضية (البيتكوين) لم يُقصد به مبادلة ذمة بذمة كي يكون مصداقًا لبيع الكالئ بالكالئ، وإن كان القانون يرى أنَّ مبادلة نقدٍ إلكتروني بنقدٍ آخر مثله هي من باب مبادلة ذمة بذمة، لأنَّ النقد الإلكتروني وراءه غطاء مالي من الجهة المصدِّرة له (دولة أو مؤسسة)، ومقتضى هذا الغطاء أن يكون للجهة المصدِّرة ذمة، فيكون التبادل بينهما من باب ذمة بذمة.

أمَّا في العملة الافتراضية، فقد قصد مخترعوها أن تحلّ محل الذهب، أي كما تعطيني ذهبًا وأعطيك ذهبًا، أو كما تعطيني عملة نحاسية وأعطيك عملة نحاسية مقابلها. فقد اعتبروا العملة الافتراضية -سواء كانت بيتكوين أو أخواتها- بمثابة النقد لا بمثابة الذمة. والقانون يقول إنها ذمة، لكنَّ من قام على اختراع هذه العملة لا يراها ذمة، بل يراها نقدًا بنقد، ولذلك لم يضع لها غطاءً. ولذا لا معنى لتطبيق كبرى بطلان بيع الكالئ بالكالئ على التعامل بالعملة الافتراضية كالبيتكوين؛ فهذا خارج موضوعًا عن ذلك.

خلاصة النتيجة: عدم الحرمة بالعنوان الأولي والثانوي

بعد الفراغ من هذه الأبحاث كلها -وقد استغرقت تسع ليالٍ، عدا الليلة الأولى التي كانت مدخلًا للأبحاث- تبيّن أنه لا يوجد دليل على حرمة التعامل بالبيتكوين لا بالعنوان الأولي ولا بالعنوان الثانوي، بحسب ما مرّ من عرض أدلة المانعين.

الحكم الولائي: إمكان منع الفقيه من التعامل بالبيتكوين

ولكن في الختام يمكن القول بأنه لا يبعد أن يكون هذا المورد من موارد الحكم الولائي بالمنع، أي أنَّ للفقيه أن يمنع عن التعامل بالبيتكوين، بل بكل عملة افتراضية ليس لها غطاء قانوني، بمقتضى حكمه الولائي، وذلك بناءً على عدة نقاط:

النقطة الأولى: ثبوت ولاية الفقيه في الأمور الحسبية

لا بدَّ أولًا من الفراغ عن ثبوت ولاية الفقيه الجامع للشرائط في الأمور الحسبية.

النقطة الثانية: توسعة مفهوم الأمور الحسبية

يوجد خلاف بين كلمات السيد الخوئي وكلمات تلميذيه السيد السيستاني والشيخ التبريزي في سعة الأمور الحسبية. فالسيد الخوئي يرى أنَّ الأمور الحسبية هي أموال القُصَّر والمجانين، والأمور الضرورية كالزوجة التي غاب عنها زوجها. أمَّا الآخرون فيرون أنَّ الأمور الحسبية أوسع من ذلك بكثير، فهي تشمل جميع المصالح النظامية التي يُحرَز رضى الشارع بوجودها، وهي كل ما يدخل تحت عنوان "نظم أموركم"، كنظم الأمور في عالم الصحة والتعليم وحفظ مظاهر الدين في المجتمع المسلم. فالأمور الحسبية عامة المصالح النظامية التي يُقطَع برضى الشارع بتحقيقها وصيانتها، لا خصوص الضرورات المتوقف عليها حفظ النفوس أو الأعراض أو الأموال الخطيرة.

النقطة الثالثة: توقف حفظ هذه الأمور على الولاية

حيث إنَّ الشارع يرضى بحفظ هذه الأمور، إلا أنَّ حفظها يتوقف على ولاية، والقدر المتيقن -لا الانحصار- ممن له الولاية في هذه الأمور في عصر الغيبة هو الفقيه الجامع للشرائط. لذلك نقول إنَّ هذا من موارد ولاية الفقيه، فله أن يصدر أمرًا أو نهيًا، أو يتخذ -كما يقول السيد السيستاني- وسائل إجرائية للمنع أو الدفع أو الباعثية، فهذا من شؤون ولايته.

منطقة الفراغ عند السيد الشهيد الصدر

عبّر السيد الشهيد الصدر قدس سره عن ذلك في كتابه اقتصادنا (ص٦٨٩) بـ"منطقة الفراغ"، وهو تعبير اصطلاحي، لا بمعنى أنَّ هناك جهات فارغة من الدين، بل بمعنى أنَّ كل أمرٍ مباحٍ بالعنوان الأولي يمكن للفقيه في هذه الدائرة أن يشرّع بعض الأوامر أو القوانين التي تحفظ الأمور الحسبية. يقول قدس سره:

"وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات أولي الأمر تضم كل فعلٍ مباحٍ تشريعًا بطبيعته، فأي نشاطٍ وعملٍ لم يرد نصٌّ تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه يُسمح لولي الأمر بإعطائه صفة ثانوية بالمنع عنه أو الأمر به، فإذا منع عن فعلٍ مباح أصبح حرامًا، وإذا أمر به أصبح واجبًا. وأمَّا الأفعال التي ثبت تشريعًا تحريمها بشكلٍ عام كالربا مثلًا، فليس من حق ولي الأمر التغيير، كما أنَّ الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه كإنفاق الزوج على زوجته لا يمكن لولي الأمر المنع عنه؛ لأنَّ طاعة أولي الأمر مفروضة في الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة. فألوان النشاط المباحة في الحياة الاقتصادية هي التي تشكل منطقة الفراغ."

مثال منطقة الفراغ: منع تكدس الأموال

المثال الذي يذكره كلٌّ من السيد الصدر والسيد السيستاني لمنطقة الفراغ هو ما أفادته الآية المباركة:

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]

فسياق الآية ظاهر في أنَّ من الأهداف العليا للتشريع الإسلامي إيجاد التوازن في الحياة الاقتصادية، وتقسيم المال بما يلبي الاحتياجات المشروعة للمجتمع، ومنع تكدس الأموال بيد عدة معدودة من الأفراد. فقد أُحرِز من خلال الآية أنَّ الشارع لا يرضى بتكدس الأموال لدى فئة معينة، وحيث أُحرِز عدم رضاه، فإنَّ سدَّ هذا الباب يحتاج إلى ولاية، والقدر المتيقن ممن له هذه الولاية هو الفقيه الجامع للشرائط، فله أن يصدر قانونًا يسدّ به هذا الباب.

شواهد من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام

ومن الشواهد على هذا النوع من الحكم الولائي ما صدر عن أمير المؤمنين علي عليه السلام بوضع الزكاة على الخيل العتاق والبراذين، مع أنه لا تجب الزكاة فيها أصلًا، وإنما كان هذا حكمًا ولائيًا لإيجاد التوازن في الحياة الاقتصادية.

ومنها ما ورد في عهده عليه السلام لمالك الأشتر بشأن التجار:

"وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقًا فَاحِشًا وَشُحًّا قَبِيحًا وَاحْتِكَارًا لِلْمَنَافِعِ وَتَحَكُّمًا فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ، فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَنَعَ مِنْهُ، وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعًا سَمْحًا بِمَوَازِينِ عَدْلٍ وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ، فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ وَعَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ."

فالإمام عليه السلام يبيّن أنَّ لولي الأمر التدخل حتى في تحديد الأسعار بما لا يُجحف بالفريقين، وكل ذلك من أجل حفظ الأمور الحسبية، أي المصالح النظامية التي يُحرَز رضى الشارع بها.

تطبيق الحكم الولائي على البيتكوين

بناءً على ما تقدّم، فإنَّ التعامل بالبيتكوين -سواء كان مبادلة أو مضاربة أو استثمارًا- وإن لم يكن في ذاته إقدامًا على خطرٍ مالي، إلا أنه لا إشكال في استخدامه غطاءً للمعاملات المحرَّمة، باعتبار أنَّ هذه العملة لا تخضع للرقابة الرسمية ولا تملك غطاءً قانونيًا، فأمكن استخدامها غطاءً لمعاملاتٍ لا رقيب عليها ولا حسيب، كما في بيع المخدرات والمواد المحرَّمة وغسيل الأموال؛ فإنَّ المافيات والعصابات القائمة على هذه المعاملات استفادت كثيرًا من التعامل بالبيتكوين، حيث جعلته ثمنًا أو رمزًا لسائر البضائع والمداولات الممنوعة.

وحيث إنَّ ذلك بابٌ للفساد وخللٍ بالنظام، وقد استُفيدت مبغوضيته من قوله عز وجل:

﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]

فمقتضى ذلك أن يكون هذا مبررًا لصدور حكمٍ ولائي من الفقيه بالمنع، بمقتضى ولايته في الأمور الحسبية؛ لأنه قطعًا لا يرضى الشارع بفتح باب الفساد والخلل في الحياة الاقتصادية، وهذا باب فساد، فبإمكانه أن يمنع عنه بالحكم الولائي.

نعم، لو صدر منه حكمٌ ولائي بالمنع، فغايته الحكم التكليفي بالمنع، لا البطلان الوضعي للمعاملة.

بهذا تمّ الكلام في مسألة التعامل بالبيتكوين، ويأتي الكلام غدًا إن شاء الله في معاملات أخرى من المعاملات المستحدثة التي لم تُبحث في كلمات الفقهاء السابقين، والحمد لله رب العالمين.