شهر رمضان المبارك٥ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

البيتكوين والمخاطرة المالية: دراسة فقهية في حكم العملات الرقمية

البيتكوين والمخاطرة المالية: دراسة في الصغرى والكبرى الفقهية

تمهيد في تحديد محل البحث

كان الكلام في أن التعامل بالبيتكوين مصداق من مصاديق المخاطرة المالية، وأن المخاطرة المالية هي مصبّ الحرمة فيما دلّ على تحريم القمار. وهذا البحث يقتضي الكلام في مقامين:

المقام الأول: هل أن التعامل بالبيتكوين مصداق من مصاديق المخاطرة المالية أم لا؟

المقام الثاني: على فرض أن التعامل بالبيتكوين متقوّم بالمخاطرة المالية، فهل أن المستفاد من أدلة تحريم القمار أن مصبّ الحرمة هو المخاطرة المالية ذاتها؟

المقام الأول: البيتكوين ضمن سياق تطور النظام المالي

الظاهر عند التحليل أن تطور النظام المالي لدى المجتمع البشري هو بنفسه اقتضى وجود العملة الافتراضية الإلكترونية، وبيان ذلك بذكر أمور:

الأمر الأول: الحاجة المجتمعية لتبادل السلع

مرّت هذه الحاجة بعدة مراحل:

  • المرحلة الأولى: المقايضة بين السلع، وحيث لم تكن كافية في تغطية الحاجة تطوّر النظام المالي.
  • المرحلة الثانية: النقود السلعية كوسيط للتبادل، فإنسان البحر كان يستخدم الأسماك، وإنسان البرّ كان يستخدم الجلود، وفي آسيا استُخدم الشاي، وفي اليابان استُخدمت الأرز.
  • المرحلة الثالثة: النقود المعدنية، بدءًا بالنحاس والبرونز وانتهاءً بالذهب والفضة، بحيث أصبح المسكوك منهما هو النقد الوسيط. ولعل أول من استخدم النقود المعدنية هم الليديون عام 546 ميلادي، وقيل إن أول نقد مسكوك في تاريخ الإسلام كان في عهد عبد الملك بن مروان بإدارة وإرشاد من الإمام الباقر عليه السلام.
  • المرحلة الرابعة: النقود الورقية كما هو الحال في كثير من الدول اليوم.
  • المرحلة الخامسة: العملة الافتراضية.

فالانتقال من النقود الورقية إلى العملة الافتراضية هو في إطار سير التطور الطبيعي للنظام المالي، تمامًا كما انتقل العالم من التواصل عبر البريد إلى التواصل عبر الفضاء الإلكتروني، إذ الغرض من ذلك هو تغيير النظام في مجال التواصل واستثمار المعلومات إلى المستوى الأكمل الذي يسهم في تغطية الحاجة. وكذلك الغرض من الانتقال إلى العملة الافتراضية هو تغيير النظام المالي العالمي في مجال التبادل والاستثمار إلى أن يكون بأيسر الطرق وأسهلها. إذن الغرض من الانتقال إلى العملة الافتراضية ليس المخاطرة بالأموال أو مجرد المغالبة والمنافسة، بل هو حلقة من سلسلة التطور في النظام المالي للمجتمع البشري.

الأمر الثاني: سهولة التعامل بالعملة الافتراضية

تقوم المعاملة في شبكة الند للند عبر التوقيع الإلكتروني والتشفير بين المتعاملين، دون هيئة وسيطة ودون المرور بأي مصارف، وبلا حاجة لمتطلبات معقدة سوى المحفظة الإلكترونية. والمتحكّم في التعامل بالبيتكوين هم جميع المستخدمين من جميع أنحاء العالم من خلال برنامج العملة، والدخيل في تحديد سعر البيتكوين هو قانون العرض والطلب لا غير، في إطار كمية محدودة من البيتكوين قدرها 21 مليون وحدة. فالذي أوجب الانتقال من النقد الإلكتروني إلى العملة الافتراضية هو أن المتعاملين وجدوا فيها أيسر السبل لتحقيق الحاجة، وهي سهولة التبادل وإدارة عملية الاستثمار والمضاربة.

الأمر الثالث: عدم كفاية النقد الإلكتروني في تغطية الحاجة

فالنقد الإلكتروني مجرد رقمنة للنقد الورقي، فالدولار الورقي يتحوّل إلى دولار إلكتروني ولم يتغيّر شيء في حقيقته، ولذلك فالتعامل به خاضع لقيود العملة التقليدية. خلافًا للعملة الافتراضية، فهي قفزة نحو التحرر من قيود التعامل المعهود، محاكاةً لعصر السرعة المعلوماتية الذي وصل إليه المجتمع البشري. ولذلك فليست العملة الافتراضية الوحيدة في الأسواق المالية هي البيتكوين؛ فهناك ما يزيد على ستين عملة افتراضية غيرها، وأبرزها ست عملات، وتتفاوت هذه العملات بتفاوت عملية التنقيب وحجم التداول ومعطيات العرض والطلب.

الأمر الرابع: عملية التعامل بالبيتكوين نشاط عقلي وليست عملية "جوزافية"

التعامل بالبيتكوين ليس لعبًا بين أطراف كاللعب بالنرد والشطرنج، بل هو جهد رياضي ونشاط عقلي ذهني يستحق بنظر العقلاء أن يتوّج بربح مالي. وهي متقوّمة بعدة أركان:

  1. آلية عمل العملة: سجل إلكتروني مشفّر موزّع على شبكة من الحواسيب، غير قابل للتصرف إطلاقًا.
  2. التشفير: تستخدم الشبكة خوارزميات تشفير قوية لضمان أمن المعلومات، حيث تكون المعلومات سرّية تمامًا.
  3. التعدين: ترتكز تمامية المعاملة على التعدين، وهو موطن التنافس بين العقلاء، حيث يقوم المعدّنون بتجميع المعلومات في كتلة جديدة وحل لغز تشفيري معقّد يحتاج قدرة حاسوبية عالية، وأول من يجد الحل يضيف هذه الكتلة ويحصل على مكافأة هي عملات جديدة من البيتكوين زائد رسوم.
  4. خطوات إتمام العملية، وهي ست خطوات: إرسال التعليمات عبر المحفظة الرقمية، انتظار تجميع المعاملات، تنافس المعدّنين لحل اللغز، التحقق من صحة الكتلة، إضافتها للسجل الإلكتروني، ثم استخدام العملة في المضاربة أو الاستثمار أو البيع.

فهذه معاملة رياضية تقوم على ركيزتين: ركيزة التعدين، وركيزة الخبرة العالية بالحاسوب.

الأمر الخامس: مزايا العملة الافتراضية (البيتكوين)

  1. حرية الدفع بشكل لحظي من وإلى أي مكان في العالم.
  2. قلة الرسوم، حيث تُنفَّذ مدفوعات البيتكوين إما بلا رسوم أو برسوم قليلة.
  3. التعامل الآمن، إذ لا تحتوي المعاملة على المعلومات الخاصة والحساسة بالمستهلك، مما يحميه من الخسارة الناشئة عن الاحتيال أو محاولات الاختراق.
  4. التحكّم الكامل، حيث يمتلك المستخدمون تحكمًا كاملًا في معاملاتهم من دون جهة عليا عليهم.
  5. الشفافية والوضوح، فجميع المعلومات الخاصة بتزويد الأموال متاحة وواضحة عبر سلسلة الكتل (البلوكشين) لأي أحد.

الأمر السادس: الاعتراف الرسمي بالعملة

بناءً على ما مضى، اعترفت بها عدة جهات ودول؛ فمدينة نيويورك أول مدينة قبلت العملات الافتراضية ومنها البيتكوين، كما أقرّ بكونها نقدًا بعض القضاة الفيدراليين، واعترفت بها ألمانيا وهي في طريقها لفرض الضرائب عليها، ومنحتها محكمة العدل الأوروبية بعض الشرعية عام 2015، كما أُعلن عن قبولها بشكل نسبي في بعض الشركات في بعض الدول العربية كالأردن والإمارات والكويت. وبالتالي فهي كالتعامل بالعملة الإلكترونية المبرمجة والمرقّمة، في كونها عبارة عن ذمّة، فالجهة المصدرة لها تشغل ذمتها بمديونية عوض العملة.

مناقشة دعوى المخاطرة والقرصنة

بعد أن اتضح تسلسل تطور النظام المالي إلى أن يصل إلى العملة الافتراضية، وأن المسألة ليست مسألة تلاعب واختلاس بل تطور طبيعي في النظام المالي، فليس هناك عائق أمام استخدام هذه العملات إلا دعوى المخاطرة، وأن من يُقدِم قد يخسر، واحتمال الخسارة احتمال عقلائي وارد على المتعامل.

والجواب: إن احتمال مخاطر الخسارة في التعامل بالبيتكوين كسائر احتمال مخاطر الخسارة في تجارة الأسهم، فعالم الأسهم في أي شركة وأي دولة عالم متقلب من حيث الخسارة والربح، وربما تتقلب الأسعار في ساعة واحدة تفاوتًا فاحشًا، ومع ذلك لم يتخلّف أحد من المستثمرين عن التعامل بالأسهم بذريعة المخاطرة المالية. كذلك مخاطر القرصنة الواردة على الحواسيب المستخدمة في إتمام عملية البيتكوين هي واردة أيضًا في التعامل بالنقد الإلكتروني نفسه. فلو كان احتمال المخاطرة كافيًا في المنع لَمَنَع كثيرًا من ألوان التجارات والتداولات، وخصوصًا الإلكترونية منها.

فتلخّص مما عُرض أن الصغرى ممنوعة، وهي دعوى أن في التعامل بالبيتكوين معرضية عقلائية للمخاطرة المالية بحيث تجعله موردًا للحذر العقلائي أو الريبة من قبل المستثمرين والتجار دون بقية العملات الإلكترونية؛ فهذه الصغرى غير منطبقة على التعامل بالبيتكوين.

المقام الثاني: هل مصبّ حرمة القمار هو المخاطرة المالية؟

على فرض التسليم بأن في التعامل بالبيتكوين مخاطرة مالية، ننتقل إلى البحث في الكبرى، وهي دعوى أن المستفاد من أدلة حرمة القمار أن مصبّ الحرمة هو المخاطرة المالية. والمدّعى في هذا المقام له ثلاثة محتملات:

  1. أن مفهوم القمار ينطبق على التعامل بالبيتكوين، أي أن التعامل بالبيتكوين هو قمار بعينه.
  2. أن موضوع حرمة القمار أعمّ من العنوان الوارد في لسان الدليل، فيشمل كل ما كان طريقًا للمخاطرة المالية.
  3. أن الشارع إنما حرّم القمار لعلّة، وتلك العلة هي المخاطرة المالية، وحيث إن العلة تُعمِّم الحكم، فيُحكم بتحريم كل ما يؤدي إلى المخاطرة المالية.

المحتمل الأول: انطباق مفهوم القمار على البيتكوين

هذا المحتمل يقتضي التدقيق في مفهوم القمار المحرّم، وفيه عدة تعريفات:

التعريف الأول: تعريف السيد الحكيم (قدس سره)

أفاد السيد الحكيم في "منهاج الصالحين":

"والمراد بالقمار ما تتوقف الغلبة فيه على إعمال الفكر وقوته."

وقد ناقشه السيد الحكيم السبط (نجله) في كتابه "التجارة" (ج1، ص196)، فقال:

"الظاهر أن ذلك ليس معيارًا في صدق القمار؛ لانتقاضه طردًا بمثل المغالبة على حل المسائل العلمية، حيث لا يصدق عليه القمار، وعكسًا بمثل النرد الذي قيل إن التعامل به يبتني على الحظ والصدفة من دون إعمال فكر، مع أنه قمار قطعًا."

فمثال النقض الطردي: لو جمعنا الطلاب وقلنا لهم تسابقوا في حل مسألة علمية والسابق يُعطى جائزة، فهذا ليس قمارًا رغم توقفه على إعمال الفكر. ومثال النقض العكسي: النرد الذي يبتني على الحظ والصدفة، ومع ذلك هو قمار قطعًا.

التعريف الثاني: تعريف السيد الخوئي (قدس سره)

له عبارتان في "مصباح الفقاهة" (ج1):

العبارة الأولى (ص253):

"إن المحرَّم هو مطلق المراهنة والمغالبة أو المغالبة مع العوض."

العبارة الثانية (ص577):

"فقد عرفت أن الظاهر من أهل العرف واللغة أن القمار هو الرهن على اللعب."

واستشهد بأن في القاموس ولسان العرب: "تقمّره: راهنه فغلبه"، وفي مجمع البحرين: "القمار بالكسر: اللعب بالآلات المعدة له على اختلاف أنواعها"، وفي أقرب الموارد: "قمر الرجل قمرًا: راهنه ولعب بالقمار".

وهذا التعريف أيضًا مورد إشكال؛ إذ ذكر السيد الحكيم السبط (ص196):

"والظاهر عدم صدقه على المراهنة على تعيين ما له واقع محفوظ لا دخل للمتراهنين به، كالمراهنة على طلوع الهلال في ليلة 30 مثلًا أو نزول المطر."

فمجرد المراهنة على المغالبة ليس مصداقًا للقمار، بل هناك أركان أخرى تنضمّ إلى ذلك.

التعريف الثالث: المغالبة في الأعمال (المنسوب لصاحب الرياض)

وقد نُسب إلى صاحب الرياض رحمه الله أن المغالبة في الأعمال الخارجية هي القمار. وقد أُشكل على هذا التعريف من السيد الحكيم وغيره، ويمكن أن نضيف إليه أمثلة توضيحية: فلا إشكال في عدم صدق القمار على المراهنة على بعض الأعمال الخارجية، كالسباحة والملاكمة والمصارعة وحمل الأثقال والفروسية والكتابة والعدو، فإنه مما تعارفت المراهنة على المغالبة فيه، ولم ينكر أحد أنه من باب القمار، وهذا من قديم الزمان، حتى في زمن الرسول والمعصومين كانوا يتغالبون على حمل الأثقال ولم يُعتبر ذلك من باب القمار.

التعريف الرابع: المراهنة على المغالبة المقصودة في نفسها

أي المراهنة على المغالبة الخارجية التي لا غرض لها إلا التسلي والتلهي. ولعل هذا هو أحد مختارات السيد الخوئي حين قال إن الرهن على اللعب بأي شيء كان هو القمار. لكن هذا أيضًا مورد ملاحظة، فإن التسلي والتلهي غرض عقلائي يُبذل بإزائه الأموال، وليس خارجًا عن إطار الأغراض العقلائية كي يقال إنه مصداق للعب المحرّم.

التعريف الخامس (المختار)

القمار المحرّم هو المغالبة الخارجية بغرض الاكتساب عن طريق الرهان، بأن يبذل كل متراهن مبلغًا، ويكون الغرض من المسابقة - لا لغرض عقلائي آخر - اكتساب الربح المرصود بالمراهنة.

النتيجة

بناءً على هذا التعريف المختار، لا ينطبق مفهوم القمار على التعامل بالبيتكوين؛ لأن البيتكوين معاملة مالية بنظر العقلاء، وهي مضاربة واستثمار ومعاوضة، وليست مغالبة ومسابقة، بل هي عملية استثمار ومعاوضة، لا من قبيل المغالبة الخارجية كي تكون مصداقًا من مصاديق القمار.

الخلاصة والانتقال إلى المحتمل الثاني

بهذا ينتهي الكلام في المحتمل الأول من محتملات المدّعى الثاني. ويبقى النظر في المحتمل الثاني، وهو دعوى أن مناط حرمة القمار - وهو المخاطرة المالية - ينطبق على التعامل بالبيتكوين، وذلك يستدعي الرجوع إلى أدلة تحريم القمار والروايات الواردة فيه، للنظر هل يُستفاد منها أن النكتة والملاك في التحريم هو المخاطرة المالية أم لا.