التعارض بين رواية علي بن جعفر وموثقة سماعة في بيع الطعام قبل قبضه
التعارض بين رواية علي بن جعفر وموثقة سماعة في بيع الطعام قبل قبضه
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
سبق أن ذكرنا أنَّ السيد القمي قدس سره في كتابه "مباني منهاج الصالحين" أفاد بأن الروايتين، وهما رواية علي بن جعفر ورواية سماعة، متعارضتان.
عرض الروايتين
مفاد معتبرة علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام:
عن الرجل يشتري الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وإن كان يوليه فلا بأس. وسألته عن الرجل يشتري الطعام أيحل له أن يوليه منه قبل أن يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيئًا فلا بأس، فإن ربح فلا بيع حتى يقبضه.
فظاهر هذه الرواية أنه لا تفصيل بين الشريك وغيره، وأنَّ بيع الطعام المشترى لا يصح مرابحةً إلا بعد قبضه، من دون فرق بين الشريك وغيره، بينما يصح تولية مطلقًا.
أما موثقة سماعة فقد جاء فيها:
سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها؟ قال: لا، حتى يقبضها، إلا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح أو يوليه، فلا بأس.
وظاهر هذه الموثقة أن المدار على كون المشتري شريكًا لا على المرابحة والتولية، فإن كان شريكًا صح البيع بلا تفصيل بين المرابحة والتولية، وإن لم يكن شريكًا لم يصح بلا تفصيل بينهما أيضًا.
فمعتبرة علي بن جعفر جعلت المدار على التولية في الجواز، بينما موثقة سماعة جعلت المدار على كون المشتري شريكًا بغض النظر عن المرابحة والتولية، فهما متعارضان بنحو العموم من وجه كما أفاد السيد القمي، والترجيح عنده لما يدل على جواز البيع منهما، وذلك لموافقته للكتاب، وهو قوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
هذا ما أفاده السيد القمي قدس سره، وهنا عدة جهات لا بد من البحث فيها.
الجهة الأولى: هل لعنوان الشريك موضوعية؟
قد يقال: لا موضوعية لعنوان الشريك في معتبرة سماعة، وإنما استُثني من عموم المانع فيها لأن البيع فيه مرابحةً يستلزم بيعًا بقبضٍ لا بيعًا بدون قبض. بمعنى أن مفاد موثقة سماعة التي أجازت البيع على الشريك حاكمة على الروايات الأخرى، موسِّعة لدائرة القبض؛ فإن الروايات الأخرى فصّلت بين أن يجوز بيع الطعام مرابحةً بعد القبض لا قبله، وموثقة سماعة تكفّلت بتوسعة عنوان القبض ليشمل القبض الإجمالي، كقبض الشريك، حيث إن الطعام قبل البيع كان تحت سلطنة الشريكين معًا على نحو الإشاعة، فكل منهما قابض على الطعام على نحو الإشاعة.
وبالتالي، فإقباض البائع حصته لشريكه يعني فرز الحصة وتسليمها للشريك، وهو مما لا ثمرة فيه ما دام الطعام تحت سلطنته ولو بنحو الإشاعة. وبناءً على هذا، فلا معارضة بين موثقة سماعة ورواية علي بن جعفر؛ فمعتبرة علي بن جعفر فصّلت بين البيع تولية فيصح قبل القبض، والبيع مرابحةً فلا يصح إلا بعد القبض، وموثقة سماعة تقول: الشريك قابض لأن له سلطنة على الطعام وإن كانت على نحو الإشاعة، فبما أنه قابض صح البيع له تولية ومرابحة، وبالتالي فلا معارضة بينهما كما ذكر السيد القمي قدس سره في كتابه المباني.
اعتبار سند رواية علي بن جعفر
وإنما قلنا بأن رواية علي بن جعفر معتبرة باعتبار أن طريق الشيخ إليه طريق صحيح؛ لأن الشيخ ابتدأ الرواية باسمه فقال: "وسأل علي بن جعفر أخاه موسى..." كما في التهذيب، الجزء السابع، صفحة ٣٦. والشيخ ذكر في المشيخة قال: "ما ذكرته عن علي بن جعفر فقد أخبرني به الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى، عن العمركي النيسابوري، عن علي بن جعفر"، والسند تام، إلا أن أحمد بن محمد بن يحيى نفسه لم يوثَّق، لكنه من مشايخ الإجازة لكتب أبيه محمد بن يحيى، ومشايخ الإجازة الذين يُذكرون في السند إنما ذُكروا باعتبارهم واسطة إلى الكتاب المقروء، فلا مشكلة من ناحية السند من هذه الجهة.
الجهة الثانية: الجمع العرفي على فرض موضوعية عنوان الشريك
على فرض أن عنوان الشريك ملحوظ على نحو الموضوعية - إذ مقتضى أصالة الاحتراز أن لعنوان الشريك موضوعية - مع ذلك قد يقال بإمكان الجمع العرفي بين المعتبرتين.
والسر في ذلك أن مناط المعارضة هو ما إذا استلزم تقديم كل من الروايتين على الأخرى إلغاء العنوان أو الخصوصية المأخوذة في الرواية الأخرى. وهذا لا ينطبق على المقام؛ فإنه إذا قُدّم التفصيل المأخوذ في معتبرة علي بن جعفر - وهو التفصيل بين المرابحة والتولية - لم يبقَ لعنوان الشريك خصوصية، لأن المدار سيكون على التولية والمرابحة فقط، فتقديم معتبرة علي بن جعفر على موثقة سماعة موجب لإلغاء العنوان في موثقة سماعة بحيث لا يبقى لعنوان الشريك موضوعية أصلًا.
بينما تقديم معتبرة سماعة على معتبرة علي بن جعفر لا يلزم منه إلغاء عنوان، إذ غايته التخصيص لا أكثر؛ أي أن ما دل على التفصيل بين المرابحة والتولية يُقيَّد بغير الشريك، فالتفصيل لم يُلغَ وإنما قُيِّد.
إذن تقديم معتبرة علي بن جعفر مستلزم للغوية العنوان في معتبرة سماعة، وهو عنوان الشريك، ولا عكس؛ لأن تقديم معتبرة سماعة على معتبرة علي بن جعفر غايته التقييد لا أكثر. وبهذا ينتفي التعارض بين المعتبرتين، إذ تكون معتبرة سماعة بمثابة المقيِّد لمعتبرة علي بن جعفر، وتقييد المطلق ليس من أنحاء التعارض بل هو من أنحاء الجمع العرفي.
والنتيجة: التفصيل في بيع الطعام مرابحةً قبل قبضه بين الشريك وغيره.
الجهة الثالثة: استهجان التقييد وقياس المقام على تعدد الشرط واتحاد الجزاء
على فرض استهجان التقييد - أي كما أن تقديم معتبرة علي بن جعفر غير عرفي لاستلزامه إلغاء العنوان في معتبرة سماعة، فإن تقديم معتبرة سماعة أيضًا قد يُستهجن التقييد فيه - فهل يمكن تحقيق الجمع العرفي بين المعتبرتين بقياس المقام على ما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء؟
ومثال ذلك ما إذا ورد: "إذا خفي الأذان فقصّر"، وورد: "إذا غابت الجدران فقصّر"، وافترضنا أن بين المثالين عمومًا من وجه، أي يفترق كل منهما عن الآخر في بعض الموارد. فهنا يقال: لو خُلّينا والإطلاق الأولي في كل من الشرطيتين لكان مقتضى ذلك التعارض؛ لأن مقتضى الإطلاق في كل منهما أن كل منهما علة منحصرة للجزاء، ينتفي الجزاء بانتفائها، فيكون منطوق كل منهما معارضًا لمفهوم الجملة الشرطية الأخرى.
لكن العرف لو عُرضت عليه الشرطيتان لرأى إمكان الجمع العرفي بينهما برفع اليد عن الإطلاق الأولي في كل منهما، وتكون النتيجة أن كل من الشرطيتين علة تامة للجزاء، فكأن المولى قال: "إن خفي الأذان أو غابت الجدران فقصّر".
فقد يقال في محل الكلام كذلك: إن مقتضى عرض هاتين المعتبرتين على النظر العرفي أنه لو خُلّينا والإطلاق في كل منهما لكان مقتضى ذلك التعارض، ولكن من مرتكز عرفي يُرفع اليد عن الإطلاق في كل منهما، وتكون النتيجة أن كل منهما مناط للجواز؛ فكما أن عنوان الشريك مناط لجواز البيع قبل القبض مرابحةً أو تولية، فكذلك عنوان التولية مناط لجواز البيع قبل القبض في غير الشريك، فكل من العنوانين علة تامة وإن لم تكن علة منحصرة للجزاء، ألا وهو جواز البيع قبل القبض.
إشكال على هذا الجمع
إلا أن يقال: إن لسان الحصر يختلف عرفًا عن لسان الشرطية، فالجمع العرفي بنحو تعدد العلل من خلال رفع اليد عن الإطلاق الأولي عرفي في لسان الجملة الشرطية، ولكنه ليس عرفيًا في لسان الحصر. والوارد في معتبرة علي بن جعفر - وإن كان قابلًا للتقييد، لأن الوارد هو "فإن ربح فلا بيع حتى يقبضه" - فهو قابل للتقييد بالشريك، لكن الوارد في موثقة سماعة "لا حتى يقبضها إلا أن يكون معه قوم يشاركونه" فلسان الحصر هنا لا يقبل رفع اليد عنه بتقييده بغير فرض التولية. فتأمل.
الجهة الرابعة: هل يختص التعارض بمورد الطعام؟
ذكر السيد القمي قدس سره أنه على فرض استقرار التعارض بين الخبرين، فإنه يُصار إلى الترجيح بموافقة الكتاب. ولكن قد يقال: على فرض استقرار التعارض بين الخبرين، فإن التعارض لا يختص بما ورد في الطعام، إذ ظاهر كلام السيد القمي أن التعارض سيختص بمورد الطعام لأن المعتبرتين واردتان فيه، وما ورد في مطلق المكيل والموزون يبقى سالمًا عن المعارضة.
ولكن يمكن أن يقال بأن التعارض - على فرض استقراره - يشمل أيضًا ما دل على جواز بيع المكيل والموزون تولية لغير الشريك، وهو معتبرة منصور بن حازم.
سند معتبرة منصور بن حازم
هذه المعتبرة مذكورة في الباب السادس عشر من أبواب أحكام العقود، بطريقين مختلفين وإن كان لسانها واحدًا:
- الطريق الأول: رواها الصدوق في الفقيه، الجزء الثالث، صفحة ٢٠٦، عن منصور بن حازم.
- الطريق الثاني: رواها الشيخ في التهذيب، الجزء السابع، صفحة ٣٥، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن منصور بن حازم. وطريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد طريق صحيح.
أما طريق الصدوق إلى منصور بن حازم فذكره في مشيخة الفقيه، صفحة ٤٣٤: "وما كان فيه عن منصور بن حازم فقد رويته عن محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الحميد، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم الأسدي الكوفي".
ومحمد بن علي ماجيلويه ترحّم عليه الشيخ الصدوق وترضّى عنه مرارًا، والترضّي عندنا دليل على الوثاقة بل على علو المقام، ومحمد بن أحمد بن يحيى ثقة، وبقية رجال السند موثقون.
أما محمد بن عبد الحميد، فقد قال النجاشي في ترجمته - وهو يتكلم عن محمد بن عبد الحميد -: "روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسى عليه السلام، وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين، له كتاب النوادر". والسيد الخوئي قدس سره أرجع ضمير "كان ثقة" إلى الأب عبد الحميد، فيبقى محمد بن عبد الحميد بلا توثيق. ولكن ظاهر السياق عود الضمائر إلى المترجَم، وهو محمد بن عبد الحميد نفسه، لأن سياق الترجمة له، فظاهره توثيق محمد، وبالتالي تكون الرواية معتبرة على كل حال، أي بكلا الطريقين.
متن معتبرة منصور بن حازم
عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
إذا اشتريت متاعًا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه، إلا أن توليه، فإذا لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه.
هذه الرواية واردة في مطلق المكيل والموزون.
هل للطعام خصوصية؟
هنا احتمالان:
المحتمل الأول: أن الطعام لا خصوصية له، وإنما هو مما يُكال، وهذا بحسب النظر العرفي، بل بقرينة مناسبة الحكم للموضوع؛ فعندما تقول معتبرة علي بن جعفر "لا تبعه إلا أن توليه"، فمقتضى مناسبة الحكم للموضوع أن لا خصوصية للطعام وأن المناط على كونه مكيلًا. ويؤكد ذلك معتبرة الحلبي في نفس الباب (الباب السادس عشر، الحديث العاشر):
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم اشتروا برًّا فاشتركوا فيه جميعًا ولم يقسموه، أيصلح لأحدهم بيع بره قبل أن يقبضه؟ قال: لا بأس ببره، وقال: إن هذا ليس بمنزلة الطعام، إن الطعام يُكال.
فظاهر هذه الرواية أن للطعام خصوصية، لأنه مكيل.
فبناءً على أن الطعام مما لا خصوصية له، ستدخل معتبرة منصور بن حازم في دائرة المعارضة؛ لأن موثقة سماعة حينئذ لا تكون معارضة لمعتبرة علي بن جعفر فقط، بل معارضة أيضًا للتفصيل الوارد في معتبرة منصور بن حازم.
المحتمل الثاني: أن يكون للطعام خصوصية، فلا وجه حينئذ لترجيح ما دل على الجواز بموافقته للكتاب، وهو قوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
ذلك أن الآية الكريمة عامة، وهذا العموم قد خُصّص في الروايات بما دل على التفصيل في المكيل والموزون بين المرابحة والتولية. فبعد تخصيص ما في الكتاب بما في الروايات الشريفة، لا معنى لترجيح إحدى الروايتين الواردتين في الطعام بالآية الكريمة، بل لا بد أن نبحث عن مرجّح آخر؛ لأن الآية الكريمة قد خرجت عن عمومها بما دل على التفصيل في الروايات.
المرجّح البديل: الشهرة
وإن لم يكن للطعام خصوصية، فقد يقال إن المرجّح لطرف معتبرة علي بن جعفر ومعتبرة منصور بن حازم هو الشهرة، وهي شهرة الفتوى بالتفصيل بين الربح والتولية، إذ إن عدم التفصيل بين الشريك وغيره ليس مشهورًا لدى الفقهاء أصلًا.
لكن هذا الترجيح مبني على مسلكين:
- شمول الشهرة الواردة في مقبولة عمر بن حنظلة للشهرة الفتوائية لا الروائية فقط.
- تقديم المرجح الصدوري - وهو الشهرة - على المرجح المضموني - وهو موافقة الكتاب.
فبناءً على هذين المبنيين، يُقدَّم الطرف الدال على التفصيل بين المرابحة والتولية.
والحمد لله رب العالمين.
