بيع الأسهم والعملات: المحاذير الشرعية والرافعة المالية
بيع الأسهم والعملات: بين المحاذير الشرعية الثالث والرابع
المحذور الثالث: بيع الأسهم من المعادن والذهب
كان الكلام في المحذور الثالث في بيع الأسهم، وهو ما إذا كانت الأسهم من المعادن أو الذهب، فإنَّ المحذور الوارد هو بيع ما يُوزَن بربح قبل قبضه. وقد سبق أنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من فساد بيع المكيل والموزون بربح قبل قبضه.
وبناءً على ذلك، فلا يندفع المحذور في بيع الأسهم من المعادن أو الذهب بربح قبل قبضها إلا بتوكيل البائع أو الوسيط في القبض عنه، بمعنى أنَّ مَن يشتري الأسهم في منصات بيع الأسهم لا بد أن يقرن شراءه بتوكيل البائع أو الوسيط في عملية قبض تلك الأسهم، ولو كان القبض بمصداقه القانوني العرفي.
وقد مضى أنَّ الصحيح هو أنَّ المُحقِّق للقبض هو السلطنة على التصرف، وليس المُحقِّق للقبض هو القبض الحسي، وإن ورد عنوان "القبض" في النصوص والروايات، إلا أنَّ المُنصرَف منه ما كان سلطنةً على التصرف، لا ما كان قبضًا باليد. وبالتالي، فإذا كان المشتري للأسهم متسلطًا على التصرف فيها، أي قادرًا على تحويلها أو نقلها، فيكون ذلك محققًا للقبض، وإلا فلا.
هذا تمام الكلام في المحذور الثالث.
المحذور الرابع: التعامل بالعملات وبيع الكلي بالكلي
إذا كان التعامل بالعملات كما هو الشائع، خصوصًا في معاملة الرافعة المالية، فإنَّ التعامل بالعملات إنما يكون عن طريق المبادلة بين كلي وكلي، أي أنه يبيع ألف دولار بألف ومئة مثلًا، أو ألف دولار في الذمة بمثله من اليورو في الذمة.
وقد وقع الكلام في صحة بيع الكلي بالكلي، وإن كان المتبايعان قادرين على التسليم، لكن هل في بيع الكلي بالكلي في حد ذاته محذور أم لا؟
تقسيم البيع باعتبار التعجيل والتأجيل
ذكر سيدنا الخوئي قدس سره في موسوعته، الجزء الأربعين، صفحة مئتين وخمسة وثلاثين، أنَّ البيع ينقسم باعتبار التعجيل والتأجيل في العوضين إلى أربعة أقسام:
- أن يكون العوضان كلاهما معجَّلين، وهذا هو بيع النقد.
- أن يكون كلاهما مؤجَّلين، وهذا هو بيع الكلي بالكلي.
- أن يكون أحدهما معجَّلًا والآخر مؤجَّلًا؛ فإن كان المعجَّل هو العِوَض يسمى بيع النسيئة، وإن كان المعجَّل هو المعوَّض يسمى بيع السَّلَم أو السَّلَف.
والكلام الآن في القسم الثاني، ألا وهو بيع مؤجَّل بمؤجَّل، كما هو الشائع في منصات تبادل العملات؛ فكله مؤجَّل بمؤجَّل، كلي بكلي.
رواية طلحة بن زيد وحكم بيع الدين بالدين
قد أفاد صاحب الحدائق رحمه الله في الجزء العشرين، صفحة مئتين وواحد، قوله: "الظاهر أنه لا خلاف بينهم في تحريم بيع الدين بالدين"، ويدل على ذلك من طريق الخاصة رواية طلحة بن زيد، التي ذكرها صاحب الوسائل في الجزء الثامن عشر، صفحة سبعة وأربعين:
"محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم" — إلى هنا السند تام — "عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يُباع الدين بالدين."
وطلحة بن زيد لم يُوثَّق، ولكن قيل إنَّ كتابه معتمد، فإن أُحرز أنَّ الرواية من كتابه دخلت ضمن الاعتماد، وإن لم يُحرَز - كما يُشكِّك في ذلك بعض الأساتذة - فبالتالي لا مجال لاعتماد الرواية إلا عمل المشهور، حيث ادُّعي الإجماع على العمل بالرواية.
ومقتضى عمل المشهور بالرواية، على المختار عندنا، هو انجبار ضعفها بعمل المشهور، باعتبار أنَّ عمل المشهور بشهرة مطبقة من قرائن الوثوق بصدور الرواية. فالرواية بناءً على عمل المشهور بها يُعتمد عليها، وموردها بيع الدين بالدين.
ومن طريق العامة، ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله: "لا يجوز بيع الكالئ بالكالئ"، فالتعبير في الكتب الفقهية بـ"بيع الكالئ بالكالئ" جاء من طرق العامة، أما من طرقنا فلم يرد إلا "بيع الدين بالدين".
صور بيع الدين بالدين
وفي المقام ثلاث صور يقع الكلام فيها:
الصورة الأولى: بيع الدين المؤجل بدين مؤجل (سابقين على العقد)
كما إذا كان لي دين على زيد، فبعت هذا الدين على بكر بدين له على عمرو، وكلاهما دين مؤجَّل سابق على البيع. وهذا هو القدر المتيقن من الرواية، أي المصداق المتيقن من "بيع الدين بالدين".
أما لو كان بيع دين مؤجل بدين حال - أي أستطيع أن أستوفيه حالًا - فقد بنى المشهور على عدم صحته، وعلَّل ذلك صاحب الحدائق رحمه الله بعدم استحقاقه قبل الأجل، أي أنَّ العِوَض حالٌّ، لكن المعوَّض ليس مستحَقًّا قبل حلول أجله، فعدم استحقاقه قبل حلول أجله هو المانع من صحة المعاملة.
ولكن يُلاحَظ على ذلك أنَّ الشرط في صحة البيع هو القدرة على تسليم المبيع أو تسلُّمه في ظرفه، فإذا كان الدين عند حلوله مقدورًا، فلا مانع من صحة البيع، ما دام ثمنه حالًّا. أما لو كان ثمنه مؤجلًا، فسيدخل تحت بيع الدين بالدين.
نعم، لو كان مشكوك القدرة - لا يُدرى أنه مقدور على استلامه في ظرفه أم لا - فقد يدخل تحت عنوان الغرر، فيشمله النهي عن بيع الغرر. أما إذا كان مقدورًا على تسلُّمه في ظرفه، فلا مانع من صحته.
الصورة الثانية: بيع الدين الحال بدين حال
والظاهر جوازه للعمومات. أما بيع الدين الحال بمؤجل، أو المؤجل بمؤجل أيضًا، فلا مانع منه، لولا دعوى أنه غير مستحَق قبل حلول الأجل، وقد سبق الكلام فيه.
الصورة الثالثة: ما يكون دينًا بالعقد لا سابقًا عليه
وهي محل البحث، كأن يقول: "بعتك ألف دولار مؤجَّلًا بألف يورو مؤجَّلًا"، فكلاهما مؤجَّل ولم يكونا دينين قبل العقد. وهذا هو محل الابتلاء.
آراء الفقهاء في المسألة
ذكر صاحب مفتاح الكرامة في الجزء الخامس عشر، صفحة تسعين، أنَّ الكلام يقع في مقامين:
- بيع الدين المؤجل بعقدٍ سابق بدين مؤجل كذلك (كلاهما دين قبل العقد).
- أن يكونا مؤجَّلين بهذا العقد نفسه (أي يصيران دينين بالعقد لا دينين سابقين عليه).
رأي المحقق الأردبيلي
نقل صاحب مفتاح الكرامة عن مجمع البرهان للأردبيلي: "أنَّ ظاهر العرف وكلام الفقهاء فساده، وأنه كالأول"، أي أنَّ بيع الدين بالدين بالعقد فاسد كذلك الدين السابق على العقد، لأنه أيضًا يدخل في بيع الكالئ بالكالئ.
ثم احتمل الأردبيلي قصر بيع الكالئ بالكالئ على الأول، وهو ما كان دينين قبل العقد، لأنه المتبادر من هذا التعبير، وأيَّد ذلك بالأصل مع عدم العلم بالإطلاق عرفًا، وبالعمومات. ثم ناقش - كما هي عادته - في سند الروايتين المانعتين، فالأولى عامية، والثانية رواية طلحة غير معلومة الصحة، فيقتصر على موضع اليقين.
رأي جماعة من الفقهاء
ثم قال صاحب مفتاح الكرامة: "وقد صرَّح جماعة ببطلان هذا القسم وفساده"، ونقل الإجماع عن جامع المقاصد، بل صرَّح في النهاية والسرائر والمختلف والدروس واللمعة وحواشي الكتاب وجامع المقاصد والروضة ببطلان البيع، وهو الأقرب.
وذكر أنَّ مبنى الكلام في هذا الإجماع راجع إلى الخلاف في المبنى، وهو: هل مفاد رواية طلحة "بيع الدين بالدين" يشمل محل الكلام أم لا؟
تحديد المراد من "الدين" في رواية بيع الدين بالدين
قال صاحب مفتاح الكرامة إنَّ مبنى الكلام في مسألتنا يتوقف على بيان المراد من "الدين" في بيع الدين بالدين الذي نُهي عنه في الخبر، وكان معقد الإجماع: هل يختص بما كان دينًا قبل العقد؟ أو يشمل ما صار دينًا بسبب العقد؟
والمشهور، بل المجمَع عليه، هو الثاني، أي أنه يشمل حتى ما كان دينًا بالعقد، وهذا ما أيَّده سيدنا الخوئي قدس سره كما نُقل عنه سابقًا.
مناقشة رأي الشهيد الثاني
ثم يُعلَم مما ذُكر حال ما ذكره الشهيد الثاني في كتابين له، حيث لم يقبل بذلك، فقال: إنَّ الدين الممنوع هو ما كان عوضًا حال كونه دينًا. فإنَّ ظاهر هذه الجملة إذا أُطلقت عرفًا - "نهى النبي عن بيع الدين بالدين" - أنَّ المنهي عنه ما كان عوضًا وهو دين، لا ما صار دينًا ببركة كونه عوضًا. فالمضمون عند العقد ليس بدين، وإنما يصير دينًا بعده، فلم يتحقق بيع الدين به.
ثم أورد الشهيد الثاني نقضًا على نفسه: أنه يلزم مثله في بيعه بالحال؛ فلو قيل بأن الدين يصدق عليه، فلا بد أن يُقال إنَّ بيع الدين المؤجل بالحال أيضًا لا يصح، لأنه بيع دين بدين، وهم لا يقولون بذلك.
رد صاحب مفتاح الكرامة
قال صاحب مفتاح الكرامة: "والفرق بينه وبين الحال أنه مع اشتراط التأجيل وذكره في العقد يصدق أنه بيع دين بدين". فحين يُذكر شرط التأجيل في العقد، وبعد تمام العقد - أي بعد أن يقول المشتري "قبلت" - يصدق بيع الدين بالدين؛ لأنَّ الشرط كالجزء من العقد، ويترتب الحكم بالصحة أو الفساد على تمامه.
فبعد تمامية العقد يصدق أنه دين بدين، فتشمله الرواية، فإطلاق اسم الدين عليه في أثناء العقد وبعده حقيقي، بخلاف الحال إذا كان دينًا وقد حلَّ أجله، فإنَّ إطلاق الدين عليه في صورة الإمهال يكون مجازًا.
الرأي المختار
والنظر إلينا أنَّ الصحيح ما ذكره الشهيد الثاني، من أنَّ ظاهر قوله "نهى النبي عن بيع الدين بالدين" هو أنَّ المنظور في صدق الدين بالدين هو حين المبايعة، حين تحقق المبادلة، لا في رتبة لاحقة. والمفروض أنه حين تحقق المبايعة لم يكن كل منهما دينًا، وإنما صار دينًا بالبيع، لا أنه دين حلَّ عليه البيع.
وبعبارة أخرى: ظاهر الرواية أنَّ البيع طرأ على الدين، فلا يشمل ما إذا تحقق الدين بالبيع نفسه. ولذلك حيث لم نُحرز شمول رواية طلحة له، والمفروض أنَّ ما قام عليه الإجماع هو بطلان بيع الدين بالدين لا أكثر - يعني أنَّ المجمعين لم يتدخلوا في تحديد المصاديق - فالقدر المتيقن منه أيضًا هو ما كان دينين قبل العقد.
وإن نقل صاحب مفتاح الكرامة عن كثير من المتأخرين الإجماع على بطلانه، إلا أنه إجماع متأخر، وثانيًا لم يُحرَز أنه مدركي، فلعله مستند إلى فهمهم تعميم الدين بالدين لمثل ذلك، كما يظهر من عبارة سيدنا الخوئي قدس سره في مورده.
الخلاصة
والنتيجة من ذلك أنَّ المحذور الرابع، وهو أنَّ بيع العملات بنحو الكلي بالكلي، إما أن نقول إننا لم نُحرز بطلانه. ويأتي الكلام - ولعله المحذور الأخير - في الليلتين المقبلتين، والحمد لله رب العالمين.
