شهر صفر١ صفر ١٤٤٧ هجريمدينة لندن، المملكة المتحدة

التدبر في القرآن الكريم: طرقه وثماره

التدبر في القرآن الكريم: طرقه وثماره

مدخل

صلى الله وسلم عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المنتجبين، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيمًا.

قال الله تبارك وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

انطلاقًا من هذه الآية المباركة، نتناول ثلاثة محاور: طرق التدبر في القرآن، ثم الأمثلة التطبيقية للآية المباركة، ثم بيان علاقتنا بالنعمة الباطنة.

المحور الأول: طرق التدبر في القرآن الكريم

يقول القرآن الكريم:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾

فالقلوب مقفلة ومغلقة، ومفتاحها التدبر في القرآن. وللتدبر في القرآن ثلاث طرق ذكرها القرآن الكريم نفسه: التفسير، والتأويل، والتمثيل.

الأدلة القرآنية على العناوين الثلاثة

العنوان الأول: التفسير. قال تبارك وتعالى:

﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾

العنوان الثاني: التأويل. قال تبارك وتعالى:

﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾

العنوان الثالث: التمثيل. قال الله تبارك وتعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾

الفرق بين التفسير والتأويل والتمثيل

كثير من الأمور تحمل هذه الأبعاد الثلاثة. لنأخذ الصلاة مثالًا توضيحيًا:

  • عندما نسأل: ما هي حقيقة الصلاة؟ فهذا سؤال عن التفسير. والجواب: الصلاة صلة روحية خضوعية بين قلب العبد وربه، أما الركوع والسجود والأذكار فهي مظاهر لهذه الحقيقة.
  • عندما نسأل: ما المغزى من الصلاة؟ فهذا سؤال عن التأويل. والجواب يكشفه قوله تعالى:

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾

فالهدف أن تتحول الصلاة إلى سلوك عملي، إلى انتهاء عن الفحشاء والمنكر.

  • عندما نسأل: ما هي أمثلة الصلاة وتطبيقاتها؟ فهذا سؤال عن التمثيل، والجواب: الصلاة اليومية، وصلاة العيدين، وصلاة الجمعة، وصلاة الآيات.

تطبيق العناوين الثلاثة على القرآن الكريم

أولًا: التفسير

التفسير هو ما يعبر عنه بعض العلماء بـ"كشف القناع"، أي تحديد المعنى المراد من الآية. والآيات القرآنية على قسمين: آيات واضحة لا تحتاج إلى تفسير، مثل قوله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾

وآيات غامضة لا يمكن الوصول إلى تحديد معناها إلا عبر الرواية الصحيحة عن أهل التفسير، أهل البيت عليهم السلام. ومن الأمثلة:

المثال الأول: قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾

فالأرض لا تنقص حسًّا؛ إذ ما زالت تدور حول نفسها منذ ملايين السنين دون أن ينقص منها شيء. فما معنى "ننقصها من أطرافها"؟ هذه آية غامضة تحتاج إلى تفسير، وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام حين سُئل عن معناها فقال: فقدان العلماء؛ فموت العلماء - بشتى العلوم النافعة للبشرية - نقص في نتاج الأرض.

المثال الثاني: قوله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾

فـ"أحد" أي لا مثيل له، لكن "الصمد" لفظ غامض يحتاج إلى تفسير. وقد ورد عن ربيع بن مسلم عن الإمام الكاظم عليه السلام أن الصمد هو الذي لا جوف له؛ فكل مخلوق مادي له جوف، لأن المادة تتكون من طول وعرض وعمق، والله تبارك وتعالى ليس جسمًا ماديًا حتى يكون له عمق أو جوف.

المثال الثالث: قوله تعالى:

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾

فما معنى "روحًا من أمرنا"؟ ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه خلق من خلق الله أعظم من جبرائيل وميكائيل، أي ليس من سنخ الملائكة بل أعظم منهم.

فمتى ما كان اللفظ غامضًا واحتجنا إلى تحديد معناه بالرجوع إلى الرواية عن أهل البيت عليهم السلام، فهذه مرحلة التفسير.

ثانيًا: التأويل

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في صحيحة الفضيل بن يسار:

«ما من آية في القرآن إلا ولها ظهر وبطن، ظهره تنزيله وبطنه تأويله»

فالتأويل هو بيان ما وراء اللفظ، واستجلاء بطن الآية، والانتقال إلى اقتناص المغزى منها. ومن الأمثلة:

المثال الأول: يسأل زيد بن الشحام الإمام الباقر عليه السلام عن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾، فقال: "ما طعامه؟" قال الإمام: علمه الذي يأخذه، عمّن يأخذه. فالطعام في ظاهر اللفظ هو الغذاء المادي، لكن الإمام أراد بيان المغزى: أن على الإنسان أن يبحث عن مصدر غذائه، سواء كان ماديًا أم معنويًا.

المثال الثاني: في صحيحة الفضيل بن يسار، يسأل الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام عن قوله تعالى:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

فقال الإمام: من غرّق أو حرّق، أي أنقذها من الغرق أو الحريق (فهذا تفسير، بيان المعنى الظاهر). فسأله السائل: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال الإمام: ذلك تأويلها الأعظم. فمن قدّم عطاءً - ماديًا أو روحيًا - وأخرج إنسانًا من الضلال إلى الهدى، فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن إحياء الأب لنفسه إحياء لأسرته وأصدقائه ومن حوله.

ثالثًا: التمثيل

القرآن طرح عدة أمثلة لتكون طريقًا إلى التدبر، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ومثال العنكبوت الذي مرَّ ذكره، ثم يختم الله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، أي وما يتدبرها إلا العالمون.

أمثلة إضافية على التمثيل:

عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فتفسير "الغيب" هو: كل ما غاب عن المقاييس الحسية. لكن حين نطلب التمثيل، أي تطبيقًا للغيب، ترد الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "من آمن بقيام القائم أنه حق فذلك الغيب"، وهذا تطبيق وليس تفسيرًا؛ إنه أنموذج من نماذج الغيب.

ومثال آخر: ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "اقرأوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، وارغبوا فيها فإنها سورة الحسين بن علي". فسُئل: وما ذلك؟ فقال: أما تقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾؟ قال: يعني الحسين بن علي، فإنه ذو النفس المطمئنة. فعنوان "النفس المطمئنة" عنوان عام يشمل كل نفس اطمأنت لقضاء الله وقدره، لكن من أجلّ أمثلتها وأروع صورها الحسين بن علي عليه السلام.

المحور الثاني: التطبيقات العلمية للآية المباركة

نعود إلى قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

وقوله في آية أخرى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

في التفسير، سخّر الله للإنسان نعمًا لا تُحصى، مبثوثة في السماوات والأرض. لكن الكلام هنا في التمثيل، أي في التطبيق: أين هذا التسخير؟

قبل مئة عام كان تصور العلماء لهذه الآية محصورًا وضيقًا؛ إذ كان "ما في السماوات" يُفهم بالشمس والقمر والغيوم والأمطار، و"ما في الأرض" يُفهم بالجماد والنبات والحيوان. لكن حين ارتقى العلم وغاص الإنسان في قراءة الكون - وهو كتاب مفتوح مفتاحه العلم - استطاع الإنسان في العصر الحديث أن يتدبر القرآن من خلال أمثلة وتطبيقات لم يكن يقدر عليها قبل مئة أو مئتي سنة. ونستعرض هنا أربع نوافذ من مكتشفات العلم الحديث:

النافذة الأولى: نحن رماد النجوم

بعد الانفجار العظيم، تكوّنت نجوم عملاقة من الجيل الأول، قصيرة العمر، لم تحمل سوى عناصر بدائية كالهيدروجين والهليوم، ثم انفجرت. جاء الجيل الثاني من النجوم من رماد الجيل الأول، حاملًا بعض العناصر الثقيلة، ثم انفجر بدوره. جاء الجيل الثالث - ومنه شمسنا - حاملًا العناصر الثقيلة كالحديد والكربون والأكسجين، أي عناصر الحياة. ومن هذه الشمس جاءت الأرض، ومن الأرض جاءت أجسامنا:

﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾

فأجسامنا - كما يقول الفلكيون - بقايا رماد النجوم التي انفجرت. وهذا تطبيق علمي حديث لمعنى "سخّر لكم ما في السماوات" لم يكن مكتشفًا من قبل.

النافذة الثانية: النظام الصارم

قوة الجاذبية التي لولاها لما تشكلت الكواكب ولما استقرت الحياة على الأرض؛ وقانون الضغط الجوي الذي لولاه لما استطاع الإنسان أن يتنفس؛ والثوابت الفيزيائية كسرعة الضوء وثابت بلانك، التي لو تغيرت بمقدار يسير لانهارت الحياة في الكون. فهذه القوى الدقيقة نعمة من نعم "سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض".

النافذة الثالثة: ما في الأرض

حين نقرأ الأرض قراءة علمية نجد المصداق الواضح لهذا التسخير: النباتات التي تصنع الأكسجين وتغذي كل كائن حي، والمعادن التي وزعها الله فيها بما يخدم الإنسان، وهذه الأرض بميزانها الدقيق التي هُيئت لتكون فراشًا وقرارًا ومهدًا للإنسان.

النافذة الرابعة: نظام الحماية

المسافة بين الأرض والشمس محسوبة بدقة (نحو 149 مليون كيلومتر)، وهي التي تضمن ألا نحترق وأن نستفيد من حرارة الشمس وضوئها. والقمر له دور مؤثر في توازن الأرض ومحورها. والمجال المغناطيسي يحمينا من الإشعاعات الشمسية. والمجرة التي نعيش فيها توفر بيئة هادئة بعيدة عن الانفجارات والثقوب السوداء.

خلاصة المحور

كلما ارتقى الإنسان في العلم وقرأ الكون قراءة أدق، كان أقرب إلى الله وأكثر خشوعًا له. لذلك عندما نقرأ قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

فليس المقصود علماء الدين فقط، بل كل من يحمل علمًا يوصله إلى الله فهو مصداق لهذه الآية: الفيزيائي الذي يقرأ الكون قراءة عِلمية توصله إلى الله، والكيميائي الذي يقرأ المواد الحية قراءة دقيقة توصله إلى الله، وعالم الفلك، وعالم الدين، وعالم العقائد - كلهم داخلون في هذه الآية.

المحور الثالث: النعمة الباطنة وعلاقتنا بها

نعود إلى ذيل الآية المباركة: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. ما معنى "ظاهرة وباطنة"؟ قال بعض المفسرين: الظاهرة هي الحواس الخمس، والباطنة هي العقل والإرادة والمشاعر. وقال آخرون: النعم الظاهرة هي الموجودات المحسوسة، والباطنة هي المدد الرباني الذي لا ندركه، كما في قوله تعالى:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

لكن هناك رواية شريفة تذكر أحد أوضح المصاديق والأمثلة للنعمة الظاهرة والباطنة. فقد ورد عن محمد بن زياد الأزدي عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه سُئل عن قوله تعالى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ما هي؟ فقال:

«النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والنعمة الباطنة الإمام الغائب»

فالنعمة الظاهرة هي أمير المؤمنين وأولاده، والنعمة الباطنة هي الإمام المغيّب، عجل الله تعالى فرجه الشريف.

كيف تكون علاقتنا بالإمام الغائب؟

الإمام الغائب نعمة عظيمة، فكيف علاقتنا بهذه النعمة وشكرنا لله عليها؟ مع الأسف، علاقتنا به علاقة سطحية جدًا، تقتصر أحيانًا على دعاء عابر كقولنا "اللهم كن لوليك"، وهذه علاقة ليست كافية لتكون مظهرًا لشكر هذه النعمة الكبيرة. نحتاج إلى تقوية علاقتنا بالإمام عجل الله فرجه الشريف، علاقة راسخة تؤثر على سلوكنا ونمط حياتنا وقراءتنا للأحداث والأوضاع، لا مجرد قراءة سطحية. ونذكر من هذه العلاقة ثلاث صور:

الصورة الأولى: تعليم أبنائنا تاريخ الإمام

لا بد أن نعلّم أبناءنا تاريخ الإمام: ولادته، غيبته الصغرى والكبرى، سفراءه، رسائله، رواياته، كما يتعلمون الرياضيات، وأن يحفظوه كما يحفظون الأرقام، وأن يعيشوه منذ نعومة أظفارهم. فهذا هو إمامنا الحي، وهذه حجة الله على خلقه. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «بادروا أبناءكم بالحديث لا تسبقكم المرجئة»، ففي زمانه كان تيار المرجئة يهدد أبناء الإمامية. واليوم، أبناؤنا أمام وسائل التواصل الاجتماعي يستقبلون الأفكار المنحرفة بسرعة خارقة، فلا بد أن نبادرهم بالحديث عن أهل البيت وتاريخهم وتاريخ إمامنا عجل الله فرجه الشريف.

الصورة الثانية: تقوية الصلة الروحية

الإمام يدعو لنا ويقدّم لنا بركاته وخيراته، فماذا نقدم نحن؟ هو الحاضر ونحن الغائبون؛ غائبون عن أنفاسه، غائبون عن الصلة به، غائبون عن الاستنارة بأنواره. فصلتنا به لا ينبغي أن تقتصر على الدعاء فقط، بل لا بد أن نزور عنه، ونتصدق عنه، ونصلي عنه، ونقرأ القرآن عنه، ونأتي بالأعمال الصالحة نيابة عنه، ليعيش الإمام في عباداتنا وقرباتنا ومستحباتنا، فنعيش علاقة روحية واضحة معه.

الصورة الثالثة: عدم ربط الدين بالأشخاص

كثير من الناس يسأل: أين الإمام؟ إذ يمر المسلمون بأحداث عظيمة وفضائع مهولة، فتصيب فئة من الناس اليأس والقنوط والإحباط لأنهم ربطوا الواقع كله بأشخاص وأسماء معينة، وهذا تفسير خاطئ. فالإمام عجل الله تعالى فرجه، في رسالته للشيخ المفيد رحمه الله كما ذكرها ابن شهراشوب والطبرسي وغيرهما، يقول:

«ولو أن أشياعنا وفقهم الله تعالى لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا»

فمن المتأخر إذن؟ نحن، لا هو. نحن الذين يأكل بعضنا بعضًا، ويتباغض بعضنا بعضًا، ونعتبر بعضنا كفارًا وفساقًا لمجرد الاختلاف في بعض القضايا. فلو كنا على وئام ووفاق واجتماع من القلوب لتعجلت السعادة بلقائه. إذن نحن الغائبون المتخلفون، لا الإمام، والمسؤولية علينا نحن، لأننا لا نُعد أنفسنا إعدادًا جيدًا، كما قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

فالتغيير لا بد أن ينطلق منا، من إرادتنا وعزمنا وإعدادنا لأنفسنا، لا أن ننتظر ونقول: متى يظهر الإمام؟ بينما لا نسأل أنفسنا: ماذا أعددنا نحن؟

تاريخ المسلمين، منذ مقتل أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى يومنا هذا، حافل بالدماء والكوارث والفواجع. فمن الذي حفظ المذهب والدين في طول هذا التاريخ؟ إنهم الأئمة. ونحن لا ننكر أن للعلماء والمراجع دورًا في حفظ الدين وشيعة أهل البيت، وهم الذين ورد عن الإمام المهدي عجل الله فرجه قوله فيهم:

«وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»

فللعلماء دور، لكن الدور الأساسي في حفظ الدين هو للإمام المهدي عجل الله فرجه. لذلك لا نربط الدين والمذهب بالأشخاص؛ فالأشخاص يموتون، والعلماء والعظماء الذين بذلوا وأنتجوا في سبيل حفظ الدين ومذهب أهل البيت - شكر الله سعيهم - يموتون ويذهبون، ويبقى الدين شامخًا صامدًا، لأن بقاءه مرتبط بحجة الله على الخلق، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.

لا بد أن نعرف هذه الحقيقة ونعلّمها لأبنائنا وأجيالنا: أن بقاء الدين والمذهب منوط بالإمام صاحب العصر والزمان، وأن العلماء - رغم جهادهم وخدماتهم المشكورة - إنما يستمدون بقاء أثرهم من ذلك النور، نور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي نستغيث به ونلتجئ إليه ونستنجد به، لأنه الملجأ وهو الغوث صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه.


اللهم بحق مولانا صاحب العصر والزمان، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، اللهم بحقه اشفِ مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، واقضِ حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، اللهم احفظ وانصر المسلمين في كل مكان يا رب العالمين. اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليًا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا وعينًا حتى تسكنه أرضك طوعًا وتمتّعه فيها طويلًا برحمتك يا أرحم الراحمين.