شهر رمضان المبارك١٦ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

الشرط الربوي في القرض: المدرك والمعنى والثمرة

مسألة الشرط الربوي: المدرك والمعنى والثمرة

تمهيد: المحاولة الثالثة للتخلص من محذور الربا

سبق أن أدَّت محاولات التخلص من محذور الربا إلى المحاولة الثالثة، وهي عبارة عن تعليق المنشأ في عقد القرض على الالتزام والتعهد الفعلي بأداء الفائدة. فمثلًا، إذا أقرض البنك العميل مبلغًا مشروطًا بالفائدة، فمرجع القرض إلى أن البنك قد علَّق أصل التمليك للمال المُقتَرَض على التزام العميل حين القرض بأداء الفائدة في ظرفها.

فـالمعلَّق هو أصل التمليك، والمعلَّق عليه هو التعهد الفعلي من قبل العميل بأداء الفائدة في ظرفها، وليس المعلَّق عليه هو أداء الفائدة نفسه؛ إذ لو كان كذلك للزم التعليق المبطل للعقود، لأن المعلَّق عليه إذا لم يكن حاضرًا وقائمًا بالفعل كان التعليق مبطلًا للعقد. ولذلك كان المعلَّق عليه في المقام هو التعهد الفعلي حين القرض من قبل المقترض بأداء الفائدة في ظرفها، وحيث إن المعلَّق عليه أمر فعلي (وهو التعهد)، خرج عن محذور التعليق المبطل للعقود.

وتنقيح النتيجة في هذه المحاولة يقتضي عرض ثلاثة مطالب: مدرك حرمة الشرط الربوي، وتحقيق معنى الشرط، وثمرة البحث.

المطلب الأول: مدرك حرمة الشرط الربوي

وردت في المقام ثلاثة ألسنة في الروايات الشريفة:

اللسان الأول: عنوان "ما يجرّ نفعًا"

وهو حديث: "كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا"، وقد ورد هذا اللسان في حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وآله، بسند مذكور لدى العامة، فقد ذكره الحافظ ابن حجر، وشرحه الصنعاني والشوكاني، وذكرا أن إسناده ساقط، لأن في إسناده سوار بن مصعب الهمداني المؤذن الأعمى، وهو متروك في الحديث، كما قال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاواه: إن هذا الحديث ضعيف. وقال الفيروزآبادي: إنه موضوع. ولا عبرة بأخذ كثير من الفقهاء به، ولا يوجد له طريق عند الإمامية؛ لذلك لا اعتبار بهذا اللسان.

اللسان الثاني: عنوان "يجرّ شيئًا"

وهو ما ورد بسند معتبر عن الإمام الصادق عليه السلام، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان وعلي بن النعمان، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«سألته عن الرجل يُسلِم في بيع أو تمر عشرين دينارًا ويقرض صاحب السَّلَم عشرة دنانير أو عشرين دينارًا، قال: لا يصلح، إذا كان قرضًا يجرّ شيئًا فلا يصلح. وسألته عن رجل يأتي حريفه وخليطه فيستقرض منه الدنانير، فيقرضه لولا أن يخالطه ويحارفه ويصيب عليه، لم يقرضه، فقال: إن كان معروفًا بينهما فلا بأس، وإن كان إنما يقرضه من أجل أنه يصيب عليه فلا يصلح.»

وظاهر هذا اللسان أن مناط الحرمة هو كون القرض "يجرّ شيئًا". وقد يقال إن مفاد هذه الرواية يشمل فرضين:

الفرض الأول: أن يكون استدعاء القرض للفائدة لا من باب الشرط، بل حتى لو كان الاستدعاء من باب الغرض والداعي. فتارة يكون استدعاء القرض للفائدة من باب الشرط، كأن يُقرضه بشرط الفائدة، وهذا جرٌّ واضح. وتارة يكون استدعاء القرض للفائدة لا من باب الشرط، بل من باب الغرض، أي لا غرض له إلا الحصول على الفائدة، كما هو متعارف في بعض البلدان من استبدال القرض المشروط بالإجارة بعقد إجارة مشروط بالقرض، للتخلص من محذور القرض الربوي. فيقال: إذا كان الغرض من ذلك هو الوصول إلى الإجارة ببركة القرض، فهو قرض يجرّ شيئًا بلحاظ الغرض، وإن لم يكن جرًّا لها من باب الشرط. والرواية لم تستخدم عبارة "الشرط"، وإنما قالت: "إذا كان قرضًا يجرّ شيئًا فلا يصلح"، والجرّ أعمّ من أن يكون من باب الشرط أو من باب الغرض.

الفرض الثاني: أنه لا فرق في الحرمة بين كون المشروط فائدة للمقرِض، أو فائدة ولو لشخص ثالث. فتارة يكون المشروط فائدة للمقرِض، كما إذا أقرضه بشرط أن يخيط له ثوبًا، أو بشرط أن يزيد على رأس المال المقترض. وتارة يكون المشروط فائدة للمقترض أو لشخص ثالث، كما إذا أقرضه بشرط أن يلتزم بالصلاة، فهي فائدة للمقترض لا للمقرِض، أو أقرضه بشرط أن ينظف داره، أو بشرط أن يكون فلان وكيلًا عنه في شيء، بما يكون نفعًا للثالث لا للمقرِض ولا للمقترض. فربما يقال إن قوله عليه السلام "إذا كان قرضًا يجرّ شيئًا"، ولم يقل "يجرّ نفعًا"، أعمّ من أن يكون المشترط نفعًا للمقرِض أو لغيره.

إلا أن يقال: إن المنصرَف عرفًا من قوله عليه السلام "إذا كان قرضًا يجرّ شيئًا" هو الجرّ الاعتباري لا الجرّ التكويني، وهو الجرّ ببركة الاشتراط، لا الجرّ بلحاظ الغرض والداعي. كما أن ظاهر قوله منصرف إلى ما إذا كان القرض يجرّ شيئًا للمقرِض، لا أنه يجرّ شيئًا ولو لم يكن للمقرِض.

اللسان الثالث: عنوان "الشرط"

وهو ما ورد في عدة روايات، منها:

الرواية الأولى - مضمرة خالد بن الحجاج، عن محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يحيى بن الحجاج، عن خالد بن الحجاج، قال:

«سألته عن الرجل، كانت لي عليه مئة درهم عددًا فقضانيها مئة وزنًا؟ قال: لا بأس ما لم يُشترط. وقال: جاء الربا من قبل الشروط، وإنما يُفسده الشروط.»

وظاهره أن مناط الحرمة هو الشارط (الشرط) لا مطلق الجرّ. فإن قلنا بأن خالد بن الحجاج لا يُضمر إلا عن المعصوم عليه السلام، أو ثبتت له روايات صريحة عنه، أو قلنا بقرينة عطف الشيخ في التهذيب روايتين عن أبي عبد الله عليه السلام على هذه الرواية، فهي قرينة على كون المنظور هو الإمام أبو عبد الله عليه السلام. وبالنتيجة، لا محذور من هذه الجهة.

الرواية الثانية - معتبرة الحلبي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«سألته عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددًا ثم يعطيها سودًا وزنًا، وقد عرف أنها أثقل مما أخذ، وتطيب نفسه أن يجعل له فضلها، فقال: لا بأس به إذا لم يكن فيه شرط، ولو وهبها له كلها صلح.»

وبإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير مثله. وبهذا الإسناد عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام:

«إذا أقرضت الدراهم ثم أتاك بخير منها لا بأس، إذا لم يكن بينكما شرط.»

ومن هنا نقول: إن المستفاد من هذه الروايات الشريفة أن مناط حرمة القرض الربوي هو الشرط، وهذا يقتضي أن ننتقل إلى المطلب الثاني.

المطلب الثاني: تحقيق معنى الشرط المعاملي

بيان ذلك أن الشرط إما شرعي أو معاملي:

  • الشرط الشرعي: ما كان صادرًا من قبل الشارع، سواء كان قيدًا في الحكم أو في الموضوع أو في المتعلَّق، وهذا ليس محل الكلام.
  • الشرط المعاملي: وهو ما كان بجعل من المتعاملين، عقدًا أو إيقاعًا، وهذا هو محل البحث.

وقد اختلف الأعلام في تعريف الشرط المعاملي على ثلاثة تعريفات:

التعريف الأول: الشرط سلطنة

الشرط المعاملي عبارة عن سلطنة يمنحها المشروط عليه للشارط. فلو قال: "بعتك الكتاب بألف بشرط أن تخيط لي ثوبًا"، فمعنى ذلك أن يمنحه سلطنة عليه، ومقتضى هذه السلطنة أثران: أثر تكليفي وهو حق المطالبة بالخياطة، وأثر وضعي وهو ثبوت الخيار إن لم يتحقق الشرط، أي السلطنة على فسخ العقد.

التعريف الثاني: الشرط رابط وتعليق

وهو ما ذكره السيد الخوئي قدس سره في كتاب الإجارة (الجزء الثلاثين من موسوعته، صفحة سبعة وثمانين)، تبعًا لشيخه المحقق النائيني قدس سره، من أن الشرط هو الرابط، غاية ما في الباب أن الرابط مفهومًا له مصداقان:

المصداق الأول: تعليق الالتزام على أمر خارجي. فلو قال: "أقرضك ألفًا بشرط أن تؤدي القرض في الوقت المحدد"، فمعنى الشرط هنا تعليق الالتزام بالقرض على أدائه في الوقت المحدد، بحيث لو لم يؤدِّه لكان له حق الفسخ. وثمرة هذا التعليق ثبوت الخيار.

المصداق الثاني: تعليق المنشأ على التزام المشروط عليه بالفعل بأمر معين، كما في العقود التي لا تقبل الخيار مع أنها تقبل الشرط، كالنكاح. فلو أن الزوجة علَّقت النكاح على شرط، كأن يهيئ لها سكنًا مستقلًا أو يشتري لها سيارة، فمرجع الشرط هنا ليس إلى تعليق الالتزام (إذ لا خيار في عقد النكاح)، بل إلى تعليق أصل الزوجية على التزام الزوج بالفعل حين النكاح بهذا الأمر. فإذا التزم حين النكاح وقال "قبلت بهذا الشرط"، فقد حصل المعلَّق عليه (الالتزام)، وترتب عليه حصول المعلَّق (الزوجية).

فهناك فرق بين العقود التي تقبل الخيار (كالبيع والقرض)، حيث يكون الشرط بمعنى تعليق الالتزام، والعقود التي لا تقبل الخيار (كالنكاح)، حيث يكون مرجع الشرط إلى تعليق المنشأ العقدي على الالتزام الفعلي. وربما يجتمع التعليقان معًا، كما لو قال: "بعتك هذا الكتاب بألف على أن تخيط لي ثوبًا"، فيكون هناك تعليق للالتزام بالبيع على الخياطة (بحيث لو لم تقع لكان له الخيار)، وتعليق للمنشأ (أصل الملكية) على أن يلتزم بالفعل بالخياطة.

ثمرات المصداق الثاني (تعليق المنشأ):

الثمرة الأولى: حكم تكليفي، وهو ثبوت حق المطالبة بتنفيذ الشرط.

الثمرة الثانية - وهي المهمة في محل الكلام -: تظهر في باب البنوك، حيث ذكر الأعلام في أحكام البنوك (كما في منهاج الصالحين) الفرق بين البنك الأهلي والبنك الحكومي والبنك المشترك. فإذا كان القرض من قبل البنك الأهلي بشرط الفائدة، فبما أن مرجع الشرط - بحسب مبنى السيد الخوئي قدس سره - إلى تعليق أصل القرض على التزام العميل بأداء الفائدة في ظرفها، فلو لم يلتزم العميل (لأن هذا الشرط ربوي يحرم الالتزام به)، فإنه ينجو من المحذور التكليفي، لكنه لا ينجو من المحذور الوضعي؛ لأن أصل الملكية معلَّق على التزامه الفعلي بأداء الفائدة، ولم يلتزم، فلا مِلك له.

بينما في البنك الحكومي أو المشترك، حيث لا ولاية للبنك لا على الإقراض ولا على تسليم المال (إذ المال الواصل بيده مال لا تكون يده أمارة على الملك)، فحتى لو علَّق أصل التمليك على التزام العميل بأداء الفائدة، ولم يلتزم العميل، فهل يمكن أن يتملك المال؟ يقال: نعم، بولاية الحاكم الشرعي، إذ يمكن للحاكم الشرعي أن يُعمِل ولايته إما في القرض (فيقبل القرض دون الشرط بوصفه هو المقرِض بالولاية)، أو في الاستلام (بأن يأذن للعميل باستلام المال من باب استنقاذ مجهول المالك). وهذا هو الفارق بين البنك الأهلي والبنك الحكومي.

التعريف الثالث: الشرط التزام في التزام

وهو ما ذكره المشهور، واختاره وتبنّاه بعض الأكابر قدس سره في كتاب البيع (الجزء الخامس، صفحة ثلاثمئة وسبعة)، حيث ذكر أن الصحيح في معنى الشرط أنه "التزام في التزام"، لا كما ذهب إليه النائيني والخوئي من أنه ربط وتعليق له مصداقان. بمعنى أن هناك قرارين مستقلين: عقد وشرط، من دون ربط بينهما إلا في عالم الدواعي والأغراض، أي أن ما دعاه للبيع إلا الحصول على الشرط، كما لو باعه ريحانة بفلس بشرط أن يخيط له ثوبًا، فلا غرض له في بيع الريحانة، بل غرضه الوصول إلى الشرط (الخياطة). فلا ربط بينهما إلا بحسب عالم الدواعي والأغراض.

وثمرة هذا التعريف: ثبوت الخيار، فإن ارتكاز العقلاء يرى أن كل شرط ضمن عقد فتخلفه موضوع للخيار، من دون حاجة إلى هذا التطوير الذي سلكه النائيني والخوئي.

مناقشة تعريف النائيني والخوئي

وأما ما ذكره المحقق النائيني ومن تبعه من أن الشرط رابط وتعليق، فهو مخالف ومصادم للمرتكزات العقلائية؛ فإنه لا يُرى عند قول القائل "بعتك الكتاب بألف بشرط أن تخيط لي ثوبًا" أن هناك تعليقين والتزامين: تعليق للمنشأ على الالتزام الفعلي بالخياطة، وتعليق آخر للالتزام بالبيع على حصول الخياطة خارجًا. فالمرتكز العقلائي لا يرى أكثر من شرط ضمن عقد، وهو ما عبّر عنه المشهور بأنه "التزام في التزام".

مضافًا إلى أن المعلَّق عليه غير واضح في كلام النائيني: فحين يقول "بعتك الكتاب بشرط أن تخيط لي ثوبًا"، هل المعلَّق عليه هو الالتزام الفعلي أو الالتزام المستمر إلى يوم الخياطة؟

  • فإن كان المعلَّق عليه هو الالتزام الفعلي، فمعناه أن الشرط قد تحقق بمجرد الالتزام، ومقتضاه أنه إذا التزم فلا حق له في المطالبة لاحقًا، مع أنه بلا إشكال له حق المطالبة.
  • وإن كان المعلَّق عليه هو الالتزام المستمر، فلو لم يستمر الالتزام، لزم أن العقد لم يحصل من الأساس (لأن أصل المنشأ معلَّق على الالتزام المستمر ولم يستمر)، وهذا مما لا يقول به أحد.

فهذه منبِّهات على سُقم تعريف المحقق النائيني قدس سره ومن تبعه للشرط المعاملي، بأنه عبارة عن التعليق بمصداقيه.

وسيأتي الكلام - إن شاء الله - في المطلب الثالث، وهو تطبيق هذه المعاني على محل الكلام، وهو القرض المشروط بالفائدة، والحمد لله رب العالمين.