الأسهم الحقيقية والأسهم الاعتبارية والمحذور الثالث في الرافعة المالية
الأسهم الحقيقية والأسهم الاعتبارية: المحذور الثالث في معاملة الرافعة المالية
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
كان الكلام في محذورين سابقين، هما محذور الربا، ومحذور الجمع بين البيع والسّلَف، ووصل الكلام الآن إلى المحذور الثالث، وهذا المحذور لا يختصّ بمعاملة الرافعة المالية، بل هو محذور عامّ في جميع منصات تداول الأسهم.
تمهيد: أنواع الأسهم
إن الأسهم على نوعين:
- أسهم حقيقية: وهي ما كانت أسهمًا في المعادن، أو في الذهب والفضة، أو في الطاقات كالغاز والكهرباء وما أشبه ذلك.
- أسهم اعتبارية: وهي ما كانت من قبيل المزايا والحقوق المُنتزَعة من الموقع والمكانة السوقية للشركة. فإذا افترضنا أن شركة أصبحت لها مكانة سوقية، أو بنكًا أصبح له مكانة في عالم المال، فبيعت أسهمه، فإن شراء سهم من هذا البنك لا يعني أن مقابله حصة من عين خارجية، وإنما مقابل السهم هو حقٌّ في هذا الموقع المالي الاعتباري لهذه الشركة أو البنك. وهذا مما قد نتعرض لحكمه إن أسعفنا الوقت.
والكلام فعلًا فيما يخصّ الأسهم الحقيقية، أي الأسهم من المعادن أو الطاقات أو الأثاث أو العقار وما أشبه ذلك، وهنا فصّل فقهاء الإمامية بين المكيل والموزون وغيرهما، فقالوا: إن المبيع إذا كان مما يُكال أو يُوزن، فلا يصح بيعه بربح قبل قبضه، ولا بأس ببيعه تولية (أي بلا ربح) قبل قبضه، وإنما الإشكال في بيعه بربحٍ قبل قبضه.
المطلب الأول: التفصيل بين المكيل والموزون وغيرهما
ذكر سيدنا الخوئي قدس سره في المنهاج: إذا اشترى شيئًا ولم يقبضه، فإن كان مما لا يُكال ولا يُوزن جاز بيعه قبل قبضه؛ لمقتضى العمومات الدالة على جواز بيعه قبل قبضه، مضافًا إلى النص الخاص في هذه المسألة، وهو معتبرة منصور بن حازم، قال:
سألتُ أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى بيعًا ليس فيه كيل ولا وزن، أله أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه؟ فقال: «لا بأس بذلك ما لم يكن كيل ولا وزن، فإن هو قبض فهو أبرأ لنفسه.»
فهذه الرواية تدل على أن ما لم يكن من الكيل أو الوزن يصح بيعه ولو مرابحة قبل قبضه. أما الكلام في المكيل والموزون، فقد دلّت عليه عدة روايات، منها صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
«إذا اشتريتَ متاعًا فيه كيلٌ أو وزنٌ فلا تَبِعْه حتى تقبضه، إلا أن تُوَلِّيَه، فإن لم يكن فيه كيلٌ ولا وزنٌ فبِعْه.»
فهذا هو المطلب الأول، وهو أصل التفصيل بين المكيل والموزون وغيرهما، والتفصيل قبل القبض وبعده، وبين التولية (البيع بلا ربح) والربح.
المطلب الثاني: المناط في كون الشيء من المكيل والموزون
ما هو المناط في كون الشيء من المكيل والموزون أو عدمه؟
نُسِب إلى المشهور (نقله صاحب الحدائق رحمه الله، وأيّده الشيخ الأعظم) أن المناط في المكيل والموزون والمعدود هو زمان النبي صلى الله عليه وآله؛ فكل شيء كان مكيلًا أو موزونًا في زمانه فهو كذلك. فإذا لم يُعلم حال الشيء في زمن النبي صلى الله عليه وآله، فلا بد من ملاحظة العادة في جميع البلدان؛ فإن كان في جميعها مكيلًا أو موزونًا عومل معاملة المكيل والموزون، وإن اختلفت البلدان ولم يوجد وضع عام، فاللازم مراعاة المتعارف في كل بلد بخصوصه؛ فيُعامَل الشيء الواحد في بلدٍ معاملة المكيل والموزون، وفي بلدٍ آخر معاملة المعدود.
وثمرة ذلك واضحة؛ فالطاقات كالغاز والكهرباء ليست من المكيل ولا من الموزون، والذهب والفضة من المكيل والموزون قطعًا. إنما يظهر الإشكال في النقود المسكوكة، فهذه النقود بلحاظ مادتها (كونها من الذهب أو الفضة) من المكيل والموزون، ولكن بلحاظ تداولها ليست كذلك؛ فلا تُعامَل النقود معاملة المكيل والموزون، كالنقود الورقية في زماننا.
إشكال السيد الخوئي على كلام المشهور
أشكل سيدنا الخوئي قدس سره في الجزء السابع والثلاثين من موسوعته (ص٣٧٨) على هذا الكلام، وإشكاله يتألف من أمرين:
الأمر الأول: قال إنه إن قام على هذا الكلام إجماع أو ورد فيه نص، وإلا فإثبات ذلك مستحيل فضلًا عن تعسّره؛ والوجه في ذلك أن الجمع بين القضية الحقيقية (التي يترتب فيها الحكم على موضوعه المفروض الوجود) والقضية الخارجية (التي يترتب فيها الحكم على الموضوع المتحقق فعلًا في الخارج) غير ممكن في قضية تشريعية واحدة.
وبتطبيق ذلك على محل الكلام: فإن كان الحكم بأن المكيل والموزون من قبيل القضايا الخارجية، بأن يكون النظر فيه إلى المكيل والموزون الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وآله، فلا محالة تختصّ أحكام الكيل والوزن بما كان في زمن النبي ولا تتعدى عنه بوجه؛ فما هو الوجه في التزام المشهور بجريان أحكام المكيل والموزون -ومنها أحكام الربا- فيما صار مكيلًا أو موزونًا في العرف العام بعد زمن النبي؟
وإن كان من قبيل القضية الحقيقية، بأن يكون النظر إلى ما وُجد وصدق عليه المكيل والموزون، فيتوجّه عليه: لماذا لا يُجرون أحكام المكيل والموزون فيما لم يكن من قبيلهما في زمن النبي، مع أنه صار من أفراد الموضوع الذي حُكم عليه بأحكام المكيل والموزون؟ وبالجملة، الجمع بين هذين الأمرين مستحيل، كما ذكره شيخنا الأنصاري.
الجواب عن الإشكال
وهذا الإشكال غير وارد على من ذكر أن المناط في المكيل والموزون ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله؛ والسرّ في ذلك أنه لا إشكال في أن القضية قضية حقيقية، وأن المدار على ما وُجد في الخارج وكان من المكيل والموزون. إنما المناط في كونه مكيلًا أو موزونًا هو: هل كان مكيلًا أو موزونًا في زمن النبي أم لا؟
فذهب المشهور -كما قال صاحب الحدائق- إلى أن المناط على ما كان مكيلًا أو موزونًا في زمن النبي، بمعنى أن كل شيء يُتعامل به في أي زمن، إن كان من سنخ المكيل والموزون في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ترتّب عليه حكمه. وهذا لا يتنافى مع كون القضية قضية حقيقية؛ إذ لم يُرَد -كما نسبه صاحب الحدائق والشيخ الأعظم وغيرهما إلى المشهور- أن الموضوع هو ما وُجد في زمن النبي بالذات كي يقال إن هذا لا ينسجم مع كون القضية حقيقية، وإنما المناط ما وُجد في أي زمن، فإن كان من سنخ ما كان مكيلًا أو موزونًا في زمن النبي فهو مكيل وموزون، وإن لم يُعلم ذلك فعلى ملاحظة عموم البلدان، فإن اختلفت فعلى بلد المعاملة. وهذا لا يصطدم مع كون القضية قضية حقيقية، كي يقال إن الجمع بين القضيتين في قضية تشريعية واحدة غير معقول؛ فالمشهور لم يجمع بينهما أصلًا.
رأي السيد الخوئي في الميزان
ثم أفاد (ص٣٧٩) أنه بما أن كلام المشهور غير تام عنده، فإن الميزان في الحكم بلزوم الكيل والوزن هو ملاحظة المتعارف في كل بلد. وهذه المسألة لا تختص بالمكيل والموزون، بل هي مسألة عامة؛ فما هو الميزان في أدوات القمار؟ وما هو الميزان في القوت المتعارف الذي تُخرَج منه زكاة الفطرة؟ فالميزان في كل ذلك هو ما هو المتعارف في كل بلد؛ ففي هذا البلد القوت المتعارف التمر، وفي بلدٍ آخر الذرة، وفي ثالث الطُّعم "التمن" مثلًا. وكذلك بالنسبة لأدوات القمار: فقد تكون أداة معينة من أدوات القمار في بلد، وليست كذلك في بلد آخر. فإذا كان الشيء في بلدٍ من المكيل أو الموزون لحقه حكمه، ولو كان في بلد آخر معدودًا، وهذا هو المناط في المكيل والموزون من حيث جريان أحكام الربا.
تعقيب: بلد المنشأ أم بلد المعاملة؟
وهذا الكلام العام يحتاج إلى تدقيق: هل المناط في المكيل والموزون على المتعارف في بلد الصانع (المنشأ) أم على المتعارف في بلد المعاملة؟ فلو فرضنا أن شيئًا في بلد الصنع والاستخراج من المكيل أو الموزون، ولكن المتعاملين تعاملا به في بلدٍ آخر ليس فيه من المكيل والموزون بل من المعدود، فما هو المناط؟
ظاهر كلام سيدنا الخوئي قدس سره أن المناط على بلد المنشأ؛ إذ يصدق عليه أنهما تعاملا على ما هو مكيل أو موزون. ولكن لا يبعد أن يقال: إن المناط على بلد المعاملة (بلد اللعب في القمار، وبلد إخراج زكاة الفطرة)، لا بلد المنشأ وبلد الصنع؛ فإنه عندما يقول في الرواية: «لا تبِع ما كان يُكال أو يُوزن مرابحة قبل قبضه»، فهذا منصرف إلى ما كان مكيلًا أو موزونًا في ظرف المعاملة نفسها.
فلو فُرض أن المعاملة تمت في الفضاء الإلكتروني (الأونلاين)، وهي معاملة لا تختص ببلد معين، بأن كان البائع من أقصى الشرق والمشتري من أقصى الغرب، وتعاملا في منصة واحدة، وكان المبيع بحسب بلد البائع من نوع، وبحسب بلد المشتري من نوع آخر، فما هو المناط حينئذ؟ لا بد من النظر إلى ما هو المتعارف في السوق العالمي، أي في السوق العام الذي تحدث فيه هذه المعاملة، فيُنظر إلى المتعارف في ذلك السوق المالي بالذات، فيجري عليه حكمه.
المطلب الثالث: تعارض الروايات في المكيل والموزون
ذكر السيد القمي قدس سره في "مباني منهاج الصالحين" أن الروايات في المكيل والموزون متعارضة. فإذا نُظر إلى رواية سماعة، قال:
سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها؟ قال: «لا، حتى يقبضها، إلا أن يكون معه قومٌ يشاركهم فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح أو يوليه.»
وظاهر هذه الرواية أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز مطلقًا -سواء بربح أو تولية- إلا للشريك؛ لأن القبض الإجمالي حاصل بينهما بحكم الشركة في نفس الطعام. فظاهر رواية سماعة أن البيع للطعام لا يجوز قبل قبضه إلا للشريك، ولا فرق فيه بين الربح والتولية، وفي غير الشريك لا يصح لا ربحًا ولا تولية.
أما معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام، فقد سأله:
عن الرجل يشتري الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه؟ قال: «إذا رَبِح لم يصلح حتى يقبض، وإن كان يُوَلِّيه فلا بأس.»
وظاهر هذه المعتبرة أنه لا فرق بين الشريك وغيره؛ فالمدار على الربح والتولية: إن كان تولية جاز، وإن كان ربحًا لم يجز قبل القبض.
وجه التعارض ومرجّحه
فيتعارض مقتضى الروايتين في موضعين:
- في الشريك: مقتضى رواية سماعة الجواز مطلقًا (ربحًا أو تولية)، بينما مقتضى معتبرة علي بن جعفر عدم الجواز مع الربح ولو كان شريكًا.
- في غير الشريك: مقتضى رواية سماعة عدم الجواز مطلقًا، بينما مقتضى معتبرة علي بن جعفر الجواز مع التولية.
فيقع التعارض بينهما، ومقتضى التعارض الرجوع إلى المرجّح، والمرجّح مع القائل بالجواز لموافقته لإطلاق قوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
هذا الكلام تام، والحمد لله رب العالمين.
