شهر رمضان المبارك١٤ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

الربا الاستثماري وحكمه الشرعي

الرِّبَا الاستثماري وحُكمه الشرعي: عرضٌ وتحليل

تمهيد في محل النزاع

كان الكلام في شمول حرمة الرِّبَا للرِّبَا الاستثماري، فالمشهور بين الفقهاء شمول حرمة الرِّبَا لجميع مصاديقه، ومنها الرِّبَا الاستهلاكي والاستثماري. إلا أن جمعًا من الباحثين بنَوا على اختصاص حرمة الرِّبَا بالرِّبَا الاستهلاكي، ومنهم العالِم المصري رشيد رضا في تفسيره "المنار" (الجزء الثالث، صفحة ١١٣)، ومعروف الدواليبي، ومصطفى الزرقاء، وتبنّاه من فقهاء الإمامية الشيخ يوسف الصانعي في كتابه "الرِّبَا الاستثماري" (صفحة ٣٢).

وتحقيق النتيجة في هذا المبحث يقتضي عرض عدة مطالب.

المطلب الأول: هل كان الرِّبَا الاستثماري موجودًا زمن نزول القرآن؟

الظاهر من موقع جامعة الإمام محمد بن سعود أنه ذُكر في مؤتمرها الاقتصادي الثالث أن قريشًا كانت تمارس القروض الاستثمارية قبل البعثة عن طريق الاشتراك في القوافل، وقد نُقل ذلك موثّقًا في إصدار القسم الثقافي في جامعة المدرّسين، في قسم "باب الرِّبَا" (صفحة ٩١ وصفحة ٣٠٠).

ولذلك بعض الشواهد، منها:

  • ما ذكره الطبري في تاريخه (الجزء الرابع، صفحة ١١٩) من أن أصحاب رؤوس الأموال كانوا يُعطون القروض في زمن الجاهلية.
  • ما ورد في "السنن الكبرى" للنسائي (الجزء الرابع، صفحة ١٩٣، حديث ٤٠٨٥) من أن العباس بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وبني المغيرة، كانت بينهم وبين بعض بني ثقيف قبل الإسلام معاملات ربوية، ومن المعلوم أن الجميع كانوا من أصحاب الثراء.

وبعد مجيء الإسلام ونزول قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٩]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«إن كل رِبًا من رِبَا الجاهلية موضوع، وأول رِبًا أضعه رِبَا العباس بن عبد المطلب»

ومن الواضح أن وضع الرِّبَا معناه وضع شرطه، أي أول قرضٍ أُلغي شرطُه، ألا وهو شرط الزيادة. وظاهرٌ أن إقراض العباس لبني ثقيف - مع أن كلا الطرفين من الأثرياء - كان من القروض الاستثمارية لا الاستهلاكية.

فهذه مجموعة من الشواهد ترشد إلى أن الرِّبَا الاستثماري كان موجودًا زمن نزول الآيات المباركة، لا أن الرِّبَا الاستهلاكي هو الفرد المعهود دون غيره من أنواع الرِّبَا.

المطلب الثاني: دعوى إجمال الآيات والروايات

ذكر بعض الباحثين أن الآيات والروايات الناهية عن الرِّبَا مجملة، فيُقتصر على القدر المتيقّن منها وهو حرمة الرِّبَا الاستهلاكي. وهذه الدعوى ممنوعة، بل الآيات والروايات مطلقة تشمل كلا المصداقين، وذلك لوجوه:

الوجه الأول: إطلاق عنوان الرِّبَا لغةً وعرفًا

إن عنوان الرِّبَا لغةً وعرفًا هو عبارة عن الزيادة المشروطة، وهذا العنوان لا يختص بمصداق دون آخر، فكلا النوعين (الاستهلاكي والاستثماري) مصداق للزيادة المشروطة.

الوجه الثاني: المقابلة بين الربا والصدقة

إن المقابلة بين الرِّبَا والصدقة في قوله تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]

ظاهرة أو قرينة على أن المراد بالرِّبَا الزيادة المضمونة في مقابل المجانية، وهذه الزيادة المضمونة كما تنطبق على الرِّبَا الاستهلاكي تنطبق على الرِّبَا الاستثماري.

وكما أن العناوين المنهي عنها في الكتاب الكريم يُؤخذ بإطلاقها، كقوله تعالى:

﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]

وقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]

وقوله تعالى:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]

فكذلك عنوان الرِّبَا لا فرق بينه وبين هذه العناوين، من حيث إن مقتضى الأصل العقلائي كون المشرِّع في مقام البيان من جهة الحكم والموضوع والمتعلَّق. فدعوى أن المشرِّع ليس في مقام البيان من جهة المتعلَّق، وأنه في مقام بيان أصل الحرمة فقط دون بيان ما هو الرِّبَا المحرَّم، مخالفةٌ للأصل العقلائي؛ إذ ما دام المشرِّع في مقام التشريع، والقضية التشريعية تتضمن ثلاثة أركان: الحكم، والموضوع، والمتعلَّق، فمقتضى الأصل العقلائي أنه في مقام البيان من جهة الأركان الثلاثة، فدعوى أنه ليس في مقام البيان من جهة معينة تحتاج إلى قرينة وشاهد، ولا قرينة على ذلك.

الوجه الثالث: سياق آية "لا تظلمون ولا تُظلمون"

إن سياق قوله تعالى:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

ظاهرٌ في تحديد المناط في حرمة الرِّبَا، أي أن المناط هو الظلم. وهنا مبنيان:

المبنى الأول: أن المقصود بالظلم هو الظلم الشرعي الاعتباري، أي أن قوله «لا تظلمون ولا تُظلَمون» عبارة أخرى عن قوله «فلكم رؤوس أموالكم»، بمعنى أن ما يزيد على رأس المال يُعتبر ظلمًا شرعيًا، وبالتالي فالمدار ليس على ما يراه العقلاء ظلمًا، بل على ما يعتبره المشرِّع كذلك، فيدور التحريم سعةً وضيقًا مدار ما ورد في النصوص. والروايات الواردة في تعليل حرمة الرِّبَا محل تأمل، إما سندًا - إذ أغلبها ضعيف - وإما دلالةً، بأن يُقال إنها في مقام التبرير وبيان فلسفة التشريع لا في مقام بيان العلة المنحصرة كي تدور الحرمة مدارها وجودًا وعدمًا. وهذا المبنى هو الظاهر من أغلب فقهائنا.

المبنى الثاني: أن المقصود بالظلم هو الظلم العقلائي، وأن الآية في مقام التعليل وبيان أن العلة في حرمة الرِّبَا كونه مستلزمًا للظلم العقلائي.

وبناءً على المبنى الثاني، فبما أن الآية في مقام ذكر مناط حرمة الرِّبَا وأن المناط هو الظلم، فظاهرها أنه لا ضمان على المقترِض للمقرِض إلا مقدار رأس ماله لا أكثر، وأن اعتبار ضمان ما زاد على ذلك ظلم. ومقتضى هذا المناط عمومه للرِّبَا الاستهلاكي والاستثماري؛ إذ التخصيص بفرض الاستهلاك دون الإنتاج مستهجن عرفًا، بأن يُقال: أخذ الزيادة ظلمٌ إلا في الرِّبَا الإنتاجي فليس بظلم! فإنه إذا كان أخذ الزيادة على رأس المال ظلمًا، فاستثناء الرِّبَا الإنتاجي منه مستهجن عرفًا، إذ كيف يكون ظلمًا ومع ذلك لا مانع منه في مجال الرِّبَا الإنتاجي؟

فإن قيل: إن قوله تعالى في الآية التالية:

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]

قرينة على نظر الآيات للرِّبَا الاستهلاكي؛ لأن العسرة والميسرة إنما تُتصوّر في المدين الذي حلّ دينه وليس بقادر على الأداء، فيُقال بإمهاله، وهذا إنما يُتصوّر في الرِّبَا الاستهلاكي، أما في الرِّبَا الاستثماري فالتجار المقترضون قادرون ولا يحتاجون إلى الإمهال. فنفس عطف هذه الآية على آيات حرمة الرِّبَا قرينة على نظر آيات النهي إلى الرِّبَا الاستهلاكي، وهو موجب لتضييق إطلاق الآيات.

قلنا: إن ظاهرها وإن كان النظر لفرض الإمهال عند حلول أجل الدين، إلا أن ذلك لا يمنع إطلاق الآية لكلا الفردين، لتصوّر الحاجة إلى الإمهال حتى في القروض الاستثمارية، كما في حال تعثّر الظروف الاقتصادية وترتّب الخسائر، فإن التجار يحتاجون إلى الإمهال في أداء الدين كي يتمكّنوا منه في ظرفه.

الوجه الرابع: إطلاق الروايات وشيوع الرِّبَا الاستثماري زمن المعصومين

لو وقع الشك في شمول الآيات الناهية للرِّبَا الاستثماري، فإنه لا شك في إطلاق الروايات لشموله، وذلك بمقتضى شيوع الرِّبَا الاستثماري في زمن المعصومين عليهم السلام، لتحسّن الأوضاع الاقتصادية في أزمنتهم، وتوافر التعامل التجاري بين العرب والفرس والروم في تلك الأزمنة، مما يقتضي بحسب العادة شيوع القروض الاستثمارية؛ إذ منشأ القروض الاستثمارية هو التجارة، بأن يحتاج التجار إلى رأس مال أوسع ليتمكّنوا من التجارات الأكبر، فيحتاجون إلى القروض من أصحاب رؤوس الأموال. وهذه الحاجة كما هي متصوَّرة في زماننا هي متصوَّرة في تلك الأزمنة؛ فإنه في كل زمان تتوافر فيه أسباب التجارة تتحقق فيه الحاجة إلى القروض الاستثمارية.

مضافًا إلى إطلاقات العلل المذكورة في الروايات الشريفة، ومنها:

عن الباقر عليه السلام: «كل قرض جرَّ منفعة فهو رِبًا»

وهذا شاملٌ بعمومه الوضعي لكل قرض.

عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: «سألته عن رجل أعطى رجلًا مئة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أكثر، قال: هذا الرِّبَا مَحْضًا»

عن الباقر عليه السلام: «إذا أعطى شخصٌ لشخصٍ قرضًا فلا يشترط عليه غير ردّ المبلغ نفسه، فإن أعطى أكثر أو أحسن كهدية أمكن للمقرِض أن يقبل منه، ولكن ليس لأحدٍ منكم أن يشترط ذلك»

عن الرضا عليه السلام لمّا سُئل عن علة تحريم الرِّبَا، فقال: «لِمَا نهى الله عز وجل عنه، ولِمَا فيه من فساد الأموال؛ لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهمًا وثمن الآخر باطلًا، فبيع الرِّبَا وشراؤه وقس على ذلك حال المشتري والبائع، فحرّم الله عز وجل على العباد الرِّبَا لعلة فساد الأموال»

وسيأتي توضيح معنى "فساد الأموال" إن شاء الله تعالى.

المطلب الثالث: هل تعليل حرمة الربا بالظلم يوجب اختصاصها بالربا الاستهلاكي؟

الجواب أن مقتضى تبرير الحرمة بالظلم هو شمول الحرمة لكلا المصداقين، وبيان ذلك بذكر أمور:

الأمر الأول: الظلم النوعي لا الشخصي

إن ظاهر العطف في قوله تعالى «لا تظلمون ولا تُظلَمون» - ولم يقتصر على "لا تظلمون" - أن المنظور هو الظلم النوعي، أي ليس الظلم بلحاظ شخص المتعاملين، بل بلحاظ نوع المجتمع، أي بلحاظ استقرار النظام الاقتصادي لا بلحاظ فئة معينة.

الأمر الثاني: العدالة المالية والتوازن الاقتصادي

إن الظاهر من مجموع النصوص - آياتٍ وروايات - أن الغرض الأساس للمشرِّع، المقابل للظلم النوعي، هو العدالة المالية، أي ما أراد بتحريم القمار والرِّبَا والغش والرَّهن ونحو ذلك من المعاملات إلا الوصول إلى العدالة المالية الاجتماعية.

والمقصود بالعدالة المالية هي التوازن الاقتصادي بين فئات المجتمع من حيث الثروة، ومعنى هذا التوازن كون الربح والخسارة على جميع الأطراف؛ لأن كون الربح لطرفٍ والخسارة على طرفٍ آخر مما يتنافى مع العدالة الاجتماعية، ومما يكون موجبًا لعدم استقرار النظام الاقتصادي.

وبيان ذلك بذكر اتجاهين في المقام:

الاتجاه الأول: اتجاه الرأسماليين القائلين بحلية الربا مطلقًا

يقولون: إن تجميد المال وحبسه عن فرص الاستثمار لمدة زمنية معينة هو في حد ذاته عملٌ عقلائي يحتاج لبذل المال بإزائه، حيث إن المقرِض يجمّد ماله لستة أشهر أو لسنة أو لسنين، وهذا التجميد بنظرهم عملٌ عقلائي كسائر الأعمال العقلائية التي تستحق أن يُبذل بإزائها المال. فكما أن الصنع والزراعة والإنتاج أعمال عقلائية تستحق أن يُبذل بإزائها المال، فإن تجميد المال عن فرص الاستثمار لمدة زمنية معينة هو أيضًا عمل عقلائي يقتضي أن يُبذل بإزائه المال، فلا يقلّ من حيث القيمة المالية عن غيره من الأعمال. وبالتالي فأخذ المال بإزائه عدلٌ بنظر المرتكز العقلائي. ومقتضى هذا التوجه عدم الفرق بين الرِّبَا الاستهلاكي والاستثماري.

الاتجاه الثاني: اتجاه القائلين بمنع الربا

إن المال - ويُقصد به الورق النقدي سواء كان نقديًا أو افتراضيًا - له ثلاث خصائص:

  1. أنه مقياسٌ لقيمة الأشياء.
  2. أنه واسطة التبادل التجاري بين السلع، إذ لا يمكن التبادل التجاري بالمقايضة.
  3. وهو الأهم: أنه ذخر الثروة، حيث يُقاس حجم ثروة الشخص بما يمتلك من نقد أو ما يقابل ثروته من نقد.

وكما أن العمل أو الطاقة مال مختزَن يكتسب قيمته من حيث إمكان تحوّله إلى مادة إنتاج، فكذلك المال طاقة مختزَنة يكتسب قيمته من حيث إمكان تحوّله إلى مادة إنتاج؛ فكلاهما - الطاقة والمال - من حيث القيمة الاقتصادية واحد، إذ يمكن تحوّل كل منهما إلى مادة إنتاج.

وبناءً على ذلك، فإن تحوّل المال من وجوده الحقيقي إلى الوجود الاعتباري - وهو كونه مضمونًا في الذمة، حيث إن المقرِض إذا مَلَّك المقترضَ ماله خرج المال من كونه وجودًا حقيقيًا إلى وجود اعتباري، أي مملوكًا في الذمة - فقد خرج من وجوده الحقيقي الذي هو مادة الإنتاج إلى كونه وجودًا اعتباريًا. ومن الواضح أن الوجود الاعتباري ليس مادة إنتاج؛ فإن مادة الإنتاج تكون بالوجود الحقيقي، وذلك عند تحوّل المال إلى مصانع وأدوات وبضائع وطاقات عاملة. أما ما دام المال في إطار الوجود الاعتباري فليس مادةً للنمو والإنتاج. وبالتالي فإن المشرِّع حرص على أن يكون المال بوجوده الحقيقي الذي من خلاله يصلح أن يكون مادة للنمو والإنتاج.

الأمر الثالث: النصوص الدالة على منشأ العدالة الاجتماعية

المستفاد من مجموعة من النصوص، منها قوله تعالى:

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: ٧]

وقوله تعالى:

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]

ورواية هشام: سأل أبا عبد الله عليه السلام عن علة تحريم الرِّبَا، فقال:

«إنه لو كان الرِّبَا حلالًا لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه»

وخبر زرارة:

«إنما حرَّم الله الرِّبَا لئلا يذهب المعروف»

وما ورد في رواية الإمام الرضا عليه السلام من أن علة تحريم الرِّبَا فساد الأموال، وما ورد في رواية أخرى:

«أخْذُ الرِّبَا ظلمٌ وفناءٌ للأموال»

المستفاد من هذا المجموع أن العدالة الاجتماعية هي كون الثروة ربحًا وخسارةً على جميع الأطراف، وما لم تكن الثروة بهذا النحو لا تتحقق العدالة الاجتماعية، بل يتحقق في مقابل ذلك تكدّس الثروات لدى فئة من المجتمع، وتحمّل الخسارات من فئة أخرى.

ومن الواضح أن فتح باب الرِّبَا - خصوصًا الرِّبَا الاستثماري، الذي هو أعظم خطرًا - موجبٌ لتكدّس الثروات لدى فئة معينة، وهم أصحاب الشركات الكبرى العابرة للقارات، الذين لا يحتاجون إلى بذل أي جهد في سبيل الاسترباح سوى تمويل القروض الربوية؛ لأن أصحاب رؤوس الأموال هم الذين يمتلكون أقوى البنوك على مستوى العالم، وهم الذين يمتلكون مصدر الثروات على مستوى العالم. ففتح باب الرِّبَا يعني تكدّس الثروات لدى أصحاب الشركات العالمية.

وهذا هو معنى فساد الأموال؛ إذ لا يُقصد بفساد الأموال تلَفُها، بل يُقصد به - كما ورد في رواية أخرى بلفظ "فناء الأموال" - أي تجمّعها لدى فئة معينة. ومن ملك المال العام وأصول الثروات، ملك كل القرارات في العالم، فبيده الحلّ والعقد، وبيده الرفع والوضع، وهذا هو الحاصل في زماننا.

كما أن مقتضاه ورود الخسارات والإخفاقات الاقتصادية عند سوء الظروف على خصوص فئة الكادحين والتجار ذوي الدخل المتوسط، وذلك منشأ واضح لظهور الطبقية الاجتماعية ونشوء الخلافات، كما أشار لسدّ بابه الكتاب الكريم في منع الميسر، في قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٩١]

ومن الواضح عدم الفرق في هذه النكتة بين الرِّبَا الاستهلاكي والرِّبَا الإنتاجي.

المطلب الرابع: المضاربة حلٌّ جامع بين الحقين

ذكرنا أن علة القائلين بحلّية الرِّبَا أنهم يقولون: نحن نجمّد أموالنا، فلا بد أن يقابل هذا التجميد شيء، وإلا كان ذلك ظلمًا على صاحب المال.

والجواب: إن تجميد المال عن فرص الاستثمار، وإن كان في نفسه عملًا يقتضي الجبران، إلا أنه من الممكن الجمع بين حق المستثمر في الإنتاج من دون تحمّل عبء الخسارة وحده، وحق صاحب رأس المال في نمو ماله والانتفاع به في مجال الاستثمار من دون تجميد، عن طريق المضاربة.

فإن المضاربة تجمع بين الحقّين: حق صاحب رأس المال في توفير فرص الاستثمار له، وحق العامل والكادح والتاجر في تحصيل الربح من دون تحمّل الخسارة وحده؛ فهي تضمن حق الطرفين، وتُسهم في توفير فرص الاستثمار لهما.

وأما احتمال الخسارة، فهو وارد في جميع أنواع التجارة، بل وارد حتى في القروض الربوية الاستثمارية؛ فإن احتمال خسارتها وارد أيضًا، ولذلك - على سبيل المثال - في السعودية اشترى أحد البنوك الكبيرة بنكًا في سويسرا بخمسة مليارات دولار، ثم خسره خلال سنة واحدة. فالبنك إذا أفلس لا يوجد تعويض، وقد يسقط بنكٌ بأكمله بسبب ظروف اقتصادية تُفوِّت الأموال.

فاحتمال الخسارة إذن وارد في جميع أنواع التجارات، حتى في القروض الربوية، عند خسارة البنوك أو حلول الكساد الاقتصادي، ولذلك لا يصلح أن يكون شاهدًا لتبرير حلّية الرِّبَا الاستثماري.

ويأتي الكلام في البقية إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.