شهر رمضان المبارك١٥ رمضان ١٤٤٧ هجريمدينة النجف الاشرف، العراق

بحث فقه المسائل المستحدثة: القرض الربوي والرافعة المالية

التخلّص من محذور القرض الربوي: المحاولة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

سبق الكلام في المحاولة الأولى للتخلّص من محذور القرض الربوي، وهي التفريق بين القرض الاستهلاكي والقرض الاستثماري. وننتقل الآن إلى المحاولة الثانية.

المحاولة الثانية: البنك وكيلٌ عن المقرِضين

تقوم هذه المحاولة على اعتبار أنَّ البنك المُقرِض هو وكيلٌ عن المقرِضين، بحيث تعود الفائدة المشروطة إلى الوكيل لا إلى الموكِّل، باعتبارها أجرةً بإزاء جهده وعمله. وبيان ذلك: أنَّ البنك مؤسسة قائمة على تسهيل وصول الأموال للمقترضين والمستثمرين، ومقتضى ذلك أن يأخذ البنك أجرةً مقابل عمله، وهو تسهيل وصول الأموال من المقرِضين إلى المقترضين، فهو واسطة في الإقراض، والفائدة المشروطة في المعاملة لا تعود للمقرِض، بل تعود للبنك نفسه كأجرة مقابل عمله.

وبناءً على ذلك، لا تكون المعاملة بين البنك والمقترض معاملةً ربوية، إذ لا يصدق عليها "قرضٌ جرَّ نفعًا للمقرِض"، بل ينطبق عليها المدلول المطابقي في الآية المباركة:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]

حيث إنَّ ما هو مضمونٌ للمقرِض هو مجرّد رأس ماله، لعود الفائدة إلى البنك الوسيط لا إلى المقرِض.

هذه هي المحاولة، ولكن هل تنطبق على الواقع أم لا؟ من أجل تحقيق ذلك يتعيّن شرح الواقع البنكي؛ ما هو البنك ودوره في القرض المشروط بالفائدة، وهذا يستدعي ذكر أمور تخصصية، ينبغي لطلاب الحوزة أن يفهموها حتى يضعوا الفتاوى والأحكام مطابِقة للواقع المسؤول عنه.

الأمر الأول: حقيقة البنك وأقسامه

كان البنك قبل ثلاثمائة سنة مجرد صندوق ائتمان على الأموال العينية، كالنقود المسكوكة وسبائك الذهب، ثم تطورت الشؤون الاقتصادية حتى أصبح البنك شخصية اعتبارية مالية تُشكِّل دورًا حيويًا في كل دولة في ميدان الاقتصاد، فلا يُعقل الآن وجود دولة لا تقوم على البنك.

أقسام البنك الثلاثة

١. البنك المركزي: وهو الذي يدير أموال الدولة ويضع الدراسات الاقتصادية لتوفير ما تحتاجه الدولة من أرصدة، سواء في مجال النفط أو المعادن أو غيرها. ومن أهدافه ضمان أموال المودعين في البنوك المرخَّصة، إذ لا يمكن تأسيس بنك في الدولة إلا برخصة من البنك المركزي، ولا تُعطى الرخصة إلا لمن يمتلك رأس مال ضخم يؤهله لذلك، فمن أهداف البنك المركزي حماية أموال المودعين عند تعرّضها لأي هزّة مالية.

٢. البنك التجاري: وهو الذي لا استثمار له إلا في القروض؛ وظيفته أن يقترض ويُقرِض. وقد يخطئ أحيانًا في بعض أنساقه المالية، فيحتاج إلى قوانين البنك المركزي. ومن الأمثلة على ذلك: أنَّ البنك الأهلي في السعودية اشترى قبل سنين بنكًا سويسريًا بخمسة مليارات دولار ليفتح له فرعًا في سويسرا، إلا أنه خسر الصفقة. ولولا قوانين البنك المركزي التي فرضتها على البنك الأهلي عند افتتاحه، لكانت هذه الخسارة ضررًا على المودعين، لكن بما أنَّ البنك الأهلي يمتلك رصيدًا ماليًا يُقدَّر بمئة وثمانين مليار دولار، فخسارة خمسة مليارات لم تكن مضرّة بأموال المودعين. وهذا يؤكد أنَّ البنك المركزي لا يعطي رخصة إلا مع فرض قوانين صارمة تجعل البنك التجاري يمتلك رأس مال ضخم يقف أمام الهزّات المالية، وبهذا اللحاظ يُعتبر البنك أمينًا، بمعنى تعهّده بالأمان من جهته بالنسبة للأموال.

٣. البنك الاستثماري: ووظيفته تهيئة الفرص للاستثمار، ومنها تصميم صناديق ومنصّات لشراء الأسهم وتداول العملات وبيعها، بمقتضى خبرته بسوق المال، ومنها أسهم المعادن والعقار، ونحو ذلك، من دون استقبال ودائع، لأنَّ استقبال الودائع من وظيفة البنك التجاري.

لذلك، في كل دولة لا بد من الفصل بين البنكين: البنك التجاري الذي وظيفته الاقتراض والإقراض، والبنك الاستثماري. ومثال ذلك في السعودية: مصرف الراجحي (البنك التجاري) والشركة المالية للراجحي (البنك الاستثماري).

لا وجود لما يسمّى بالبنك الحكومي المحض

لا يوجد في أي دولة ما يُسمّى بالبنك الحكومي المحض، كما ورد في بعض الرسائل العملية، وإنما هذا تقسيم افتُرض قبل خمسة وستين سنة عند بداية تأسيس البنوك. والحقيقة أنَّ الدولة دائمًا أحد المستثمرين، فكما تستثمر في مجال النفط، تستثمر عن طريق البنوك، وقد تملك من البنك نسبة عشرة أو خمسة عشر بالمئة كسائر الملّاك المستثمرين.

وبناءً على هذا التقسيم، فإنَّ إدارة البنك التجاري تملك جزءًا من رأس المال (كعشرة أو عشرين بالمئة)، والمستثمرون الآخرون يملكون أرصدة وأسهمًا أيضًا. فالبنك التجاري حين يقوم بالإقراض، إنما هو مُقرِضٌ من جهة (لأنَّ له نسبة من رأس المال)، ووكيلٌ مُفوَّض من جهة أخرى عن المستثمرين الآخرين. وبالتالي فإنَّ الفائدة البنكية التي يشترطها البنك التجاري تعود إليه كمالك مُقرِض بنسبته، كما تعود على بقية المستثمرين بنسبٍ مختلفة.

الأمر الثاني: علاقة البنك المركزي بالبنك التجاري

تتلخّص هذه العلاقة في سعر الفائدة، وهو غير الفائدة البنكية المعروفة في القروض. فما هي حقيقة سعر الفائدة؟

تعريف النقد وحاجته إلى سعر الفائدة

سعر الفائدة مصطلح اقتصادي مرتبط بسيادة الدولة من أجل ضبط التضخم. وبيان ذلك يبتني على تعريف النقد: فالنظرية النقدية تُعرِّف النقد بأنه قوة شرائية، سواء كان عينًا (نقدًا ورقيًا) أو رقمًا (عملة إلكترونية). وحيث إنَّ هذه القوة الشرائية تختلف عن الذهب - الذي يكتسب ماليته من الرغبة النوعية والتعامل النوعي به - فإنَّ القوة الشرائية للنقد قوة مختزنة تحتاج إلى شحن، تمامًا كالبطارية التي لا قيمة لها لولا شحنها بالطاقة.

فالنقد، ورقيًا كان أو إلكترونيًا، كي يكتسب قوته الشرائية يحتاج إلى شاحن، وهذا الشاحن هو البنك المركزي، الذي يوفّر الطاقة للنقد كي يكتسب قوته الشرائية، وطاقة هذا الشحن متقوّمة بسعر الفائدة. فسعر الفائدة هو عبارة عن تعهّد البنك المركزي بتكلفة استئجار أو تحصيل القوة الشرائية.

الثمرة الأولى: مواجهة التضخم

لكل دولة دخل قومي يُقدَّر بمقدار معين، ويظل البنك المركزي في مراقبة ورصد هذا الدخل، يرتفع أو ينخفض، ويعالج المرحلتين بالتدخل في سعر الفائدة.

فمثلًا: إذا ارتفع الدخل القومي (بسبب قيام شركات جديدة، وتوفّر وظائف، وحركة في الأسواق)، فهذا يعني ارتفاع القوة الشرائية، ومعنى ارتفاع القوة الشرائية أنَّ التجار - إذا رأوا أنَّ الناس عندهم أموال - يزيدون من قيمة البضائع، وهذا ما يُسمّى بالتضخم.

هنا تقف الدولة أمام هذا التضخم برفع سعر الفائدة؛ فإذا كان لدى الشخص مبلغ من المال يريد أن يشتري به سيارة أو أرضًا، ورأى أنَّ سعر الفائدة قد ارتفع، يُحفَّز على أن يضع ماله في البنك بدلًا من إنفاقه، ليحصل على هذا السعر المرتفع. فتضطر الناس لإيداع أموالها في البنوك مقابل تحصيل السعر المرتفع، وحينئذ إذا رأى التجار أنَّ الإقبال على الشراء قلَّ، يضطرون إلى تخفيض الأسعار، فتواجه الدولة التضخم بهذه الطريقة.

وبالعكس، عندما لا تجد الدولة نموًّا (لا وظائف جديدة، ولا شركات جديدة، ولا حركة واضحة في السوق)، تقوم بتقليل سعر الفائدة، فلا يكون الإيداع محفِّزًا، بل قد يكون مكلِّفًا، فيضطر الناس إلى تحريك الأسواق بالشراء والتبادل والتداول.

فتحكُّم الدولة في سعر الفائدة أمرٌ ضروري للتوازن ومواجهة التضخم، ولذلك حين تُلغي دولةٌ ما سعر الفائدة (كما يُقال عن الركود الاقتصادي في اليابان الذي أوجب تصفيره، أو كما حصل في أوروبا قبل خمس عشرة سنة حين وصل سعر الفائدة إلى السالب)، يصبح الإيداع مكلِّفًا، لأنَّ المودِع يحتاج أن يدفع للبنك عمولة على حفظ ماله، فلا يكون ذلك مشجِّعًا على الإيداع.

الثمرة الثانية: علاقتها بباب القروض

يضع البنك المركزي جُعالة أو مكافأة لأي بنك مرخَّص لديه فائض نقدي، فإذا كان لدى البنك فائض نقدي (سيولة) ولا مجال لاستثماره، يسلّمه للبنك المركزي ويأخذ عليه سعر الفائدة. والمستفيد من ذلك هو البنك، إذ لا يبقى لديه فائض مالي بدون استرباح.

وآلية ذلك: أن تتعهّد الدولة لكل من يسلّمها الفائض المالي لمدة سنة أن تعطيه نسبة معينة (كستة بالمئة مثلًا)، فيكون التسليم من قبل البنك موضوعًا لسعر الفائدة. وهذه الظاهرة - تسليم البنوك المرخَّصة فوائضها للبنك المركزي - موجودة في كثير من الدول بشكل يومي، إذ تُسلَّم البنوك الفائض النقدي في نهاية كل يوم لتأخذ سعر الفائدة على مبيت هذا المقدار من المال.

الفرق بين سعر الفائدة والفائدة البنكية

إذا سلَّم العميل إلى البنك مبلغًا نقديًا، فإنه يطالب البنك بسعر الفائدة الذي وضعته الدولة، فكأنَّ المعاملة بين العميل المودِع والبنك التجاري إيجار؛ فالعميل يقول: سلّمتك العملة (آجرتك إياها) لمدة سنة، والأجر هو سعر الفائدة. وحتى البنك الاستثماري، الذي يفتح صناديق ومنصات للاستثمار في الأسهم، يحتاج إلى أموال يأخذها من البنك التجاري، وعندما يقترض منه يأخذ منه البنك التجاري سعر الفائدة أيضًا.

فالبنك التجاري بذلك يقوم بعملية تعويض: فهو حين يستقبل الودائع يُفرَض عليه سعر الفائدة، فيعوّض عن ذلك عند الإقراض بأخذ سعر الفائدة من المقترضين. فهذا المقدار الذي يأخذه البنك من المقترضين (لنفترضه ٦٪) ليس منفعة له، بل هو سعر التكلفة، أي أنه يوفّر لك المبلغ بسعر التكلفة الذي يتحمّله هو نفسه تجاه المودعين.

نعم، البنك يأخذ مضافًا إلى سعر الفائدة نسبة إضافية (لنفترضها ٢٪)، فيأخذ منك ٨٪ إجمالًا: ٦٪ سعر الفائدة (التكلفة)، و٢٪ فائدة حقيقية، تُحسب بمعادلة رياضية تأخذ في الحسبان مدة الاقتراض، وحجم المخاطرة، ومقدار المال، ونوع المقترض (شركة مبتدئة أو معروفة أو مغمورة).

الأمر الثالث: النتائج المترتبة

النقطة الأولى: القرض البنكي مصداق للقرض الربوي

القرض البنكي مصداق للقرض الربوي، لأنَّ المُقرِض هو المالك (باعتبار أنَّ البنك جزء من المالك وله نسبة مما يُقرِض)، مشروطًا بنسبة من النفع تعود إليه، ولو كانت ٢٪ فقط، فبالنتيجة ستعود إليه. وإن كان البنك يعتبرها أجرة له لأنه وفّر المال، وله موظفون ومعاملات تحتاج إلى رواتب وأموال، فهو مضطر لأخذها ليستمر عمله كبنك، لكن بما أنها نفع له، ينطبق عليها الميزان الفقهي الوارد عن الإمام الباقر عليه السلام:

«كل قرضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا»

الخلاف الفقهي حول شرط القبض

هذه النقطة أُثيرت سابقًا بناءً على الخلاف الفقهي بين عالِمين: السيد الخوئي قدس سره والسيد الأستاذ (مدّ ظلّه) من جهة، والشيخ الأستاذ التبريزي من جهة أخرى.

فبناءً على رأي السيدين: أنَّ عنوان القبض الوارد في النصوص، كشرط في صحة القرض، ظاهره عرفًا القبض باليد. وحيث إنَّ القروض في زماننا كلها عبر التحويل (يحوّل البنك إلى حسابك مبلغًا) من دون قبض حسّي، فالمعاملة - بناءً على هذا الرأي - ليس فيها إشكال شرعي، لأنها ليست قرضًا شرعيًا أصلًا لعدم توفّر القبض، وبما أنها ليست قرضًا شرعيًا، فشرط النفع فيها ليس شرطًا ربويًا.

بينما على رأي الشيخ الأستاذ: أنَّ القبض بالنظر العرفي هو السلطنة على التصرف، ولا خصوصية للقبض الحسّي، وبناءً على هذا فالتحويل في الحساب محقِّق للسلطنة على التصرف، وبذلك يتحقق القبض، فيصير القرض قرضًا شرعيًا، وبما أنه قرض شرعي فالشرط في ضمنه شرط ربوي، فيترتب عليه آثار القرض الربوي.

النقطة الثانية: معاملة الرافعة المالية (المارجن)

في معاملة الرافعة المالية: قد يكون لدى الشخص رصيد في البنك (لنفترضه مليونًا) لا يكفي لدخول عالم الأسهم، فيحتاج إلى رافعة مالية ترفع من القوة الشرائية لرصيده. فيقدّم البنك ما يُعرف بـ "المارجن"، وهو عبارة عن قرض يُقرِضه إياه (يزيده مثلًا خمسمئة)، فترتفع القوة الشرائية لرصيده، لكن بشرط أن تكون التداولات تحت حوزته وعبر منصته.

والفائدة التي يجنيها البنك من هذا الشرط: أنه إذا انخفضت قيمة الأسهم (لنفترضها بنسبة خمسة بالمئة)، يبعث البنك رسالة تحذيرية للعميل، تُلزمه إما بزيادة رأس ماله، أو ببيع الأسهم أو بعضها لتغطية الخسارة. فالبنك بذلك يحصل على نفعين: نفع مادي (الفائدة على أصل القرض)، ونفع معنوي (كون التداولات ضمن حوزته، مما يضطر العميل لزيادة رأس ماله أو الاقتراض أكثر).

تصحيح المعاملة

من أجل تصحيح هذه المعاملة - كما ورد في جواب فتوى من مكتب السيد السيستاني - يمكن للعميل أن يوكّل البنك في أن يقترض له من البنك التجاري (وليس البنك الاستثماري)، ويعطيه عمولة على كونه وسيطًا في الإقراض، من أجل رفع القوة الشرائية لرصيده. فإذا جعل البنك وكيلًا عنه في الاقتراض ووكيلًا عنه في التداول، مقابل عمولة على هذه الوكالة، ويكون شرط أن تكون التداولات عبر منصة البنك وتحت حوزته شرطًا ضمن عقد الوكالة، فلا يرد حينئذ إشكال القرض الربوي.


تأتي بقية البحث لاحقًا، بعد أيام الشهادة (ليلة الثاني والعشرين)، ثم نتوقف ليلة القدر لأجل زيارة سيد الشهداء عليه السلام، ثم نعود بعدها إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.