عاشوراء٢ محرم ١٤٤٨ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

هل الإيمان بالقضاء والقدر يلغي الحافز البشري نحو التغيير؟

هندسة الوجود بين القدر الإلهي وإرادة الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهل بيته المنتجبين الطيبين الطاهرين.

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

صدق الله العلي العظيم.

بين الجبر والاختيار: طرح الإشكال

هناك مفهومان شائعان يتنازعان أذهان الناس: المفهوم الأول يرى أن كل شيء في حياة الإنسان مقدَّر ومكتوب، ولا دخل له فيه. أما المفهوم الثاني فيرى أن الإنسان قادر على تطوير واقعه وتغييره نحو الأفضل بإرادته الحرة. فأي المفهومين هو الحقيقة؟ هل حياتنا مكتوبة مقدرة بالكامل، أم أنها بأيدينا نحن نغيرها ونطورها؟

وقد يتساءل قائل: إذا كان كل شيء مكتوبًا ومقدَّرًا عند الله، فلماذا أعمل؟ ولماذا أسعى وأدرس وأقيم علاقاتي الاجتماعية، ما دام القدر سيتحقق سواء عملتُ أو لم أعمل؟ وقد يقول المريض: إذا كان الشفاء مكتوبًا فالدواء لن يغير من الأمر شيئًا، وإن لم يُكتب لي الشفاء فلا أثر للدواء. فهل الإيمان بالقدر يبعث الإحباط والخمول والكسل، أم أنه يبعث النشاط وإرادة التغيير؟

سنبحث في هذا الموضوع ثلاثة محاور: الأول في هندسة الوجود والجمع بين الإيمان بالقدر وحيوية الإرادة، والثاني في تفصيل هذا الجمع على مستوى الأسباب الكونية، والثالث في أن التكنولوجيا لن تغلب الإيدولوجيا أبدًا.

المحور الأول: هندسة الوجود بين المشيئة والقدر والإرادة

الله تبارك وتعالى أبدع الوجود وهندسه بهندسة ذكيّة، فهل تعني هذه الهندسة إلغاء حرية الإنسان في العمل والتغيير؟ أم أنها لا تتعارض مع إرادة الإنتاج والتغيير؟ هذا بحث قرآني تحليلي، إذ تعرَّض القرآن الكريم لثلاثة مفاهيم مترابطة: العلاقة بين المشيئة والإرادة، والعلاقة بين القدر والقضاء، والعلاقة بين إرادة الله وإرادة الإنسان.

الفرق بين المشيئة والإرادة

يستخدم القرآن الكريم تارة لفظ "المشيئة" وتارة لفظ "الإرادة"، فيقول تعالى:

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ

ويقول:

وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ

وتارة يقول:

إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

فما الفرق بين المفهومين؟ المشيئة هي إعداد الأسباب، أما الإرادة فهي تنفيذ تلك الأسباب وتفعيلها. فمثلًا، علم الله تعالى أن في وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله، وفي وجود الإمام، وفي وجود الشيخ المفيد، وفي وجود عالِم كأديسون أو أينشتاين، مصلحةً للبشرية. فإذا علم الله أن في وجود إنسان ما مصلحة، أعدّ الأسباب لتحقيقها؛ يجمع بين زوجين، وإذا حصل اللقاء الجسدي تلقّحت البويضة في جدار الرحم. هذا إعداد الأسباب لوجود هذا الإنسان، وهو ما يُسمى مشيئة إلهية. أما الإرادة فهي تنفيذ تلك الأسباب واكتمالها وتفعيلها إلى أن يتحقق الوجود فعلًا. ولذلك جاء التعبير: "ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله"، أي في ضمن الأسباب التي أعدّها الله، فمشيئتك أنت تعمل ضمن الأسباب التي أعدّها الله لا مستقلة عنها. أما الإرادة فتعني أن الأسباب قد تمّت وتفعّلت وتنفّذت، ولذلك قال: "إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون" ولم يقل "إذا شاء".

الفرق بين القدر والقضاء

يقول القرآن الكريم:

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

ويقول:

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ

ويقول:

وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ

القدر يعني رسم الحدود؛ فلا يمكن أن تتعلق المشيئة بوجود إلا ضمن حدود معينة: حدود عقلية (نسبة معينة من الذكاء)، وحدود جسدية (لون وطول معينان)، وحدود ظرفية (زمان ومكان وأب وأم معينين). هذه كلها أقدار، وهذا هو معنى "إنا كل شيء خلقناه بقدر"؛ أي رسم الحدود أولًا.

أما القضاء فهو المرحلة التالية للقدر؛ يقول تعالى:

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ

ويقول:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ

فقضاء موت سليمان عليه السلام جاء بعد رسم القدر. فالقدر هو رسم الخارطة والحدود، والقضاء هو جعل تلك الحدود قابلة للتنفيذ والتفعيل والتجسيد على أرض الواقع. تمامًا كما لو أردت بناء بيت: تضع أولًا خارطة متكاملة (التقدير)، ثم تجمع الأسباب، ثم تُفعّل تلك الحدود وتجسّدها على الأرض، وهذا ما يسمى القضاء.

العلاقة بين إرادة الله وإرادة الإنسان

يقول تعالى:

فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ

فهنا يتحدث القرآن عن إرادة الله، بينما في موضع آخر يتحدث عن إرادة العبد:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا

فكيف نجمع بين إرادة الله وإرادة العبد؟ النقطة المهمة هنا أنه لا مزاحمة ولا صراع بين إرادة الله وإرادة العبد، ولا اصطدام بين القدر الإلهي وإرادة الإنسان؛ ذلك لأن القدر الإلهي هو عبارة عن هندسة الكون ووضع ثوابته وأسبابه. فهذا الوجود الذي نعيش فيه يقوم على أربع دعائم: قوة الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الشديدة، والقوة النووية الضعيفة، وهذا معنى السنة الإلهية:

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا

ومن هذا التقدير الإلهي أن الله خلق الإنسان وجعله كائنًا مختارًا؛ فإرادتي هي جزء من القدر ذاته، وليست مصادمة له! كما قدّر الله الجاذبيةَ للأرض، قدّر أن يكون الإنسان مخلوقًا ذا إرادة واختيار، فكون الإنسان مريدًا مختارًا هو في حدّ ذاته قدر، ولا اصطدام بين هذين القدرين.

وبعبارة أوضح: القدر لا يصنعنا، ولا يصنع إنجازاتنا وأعمالنا، بل نحن الذين نستثمر القدر في صنع إنجازاتنا. فالبذرة تُنتج شجرة، والشجرة تُنتج ثمرة، وهذا قدر كوني ثابت، لكنك أنت بإرادتك توفّر البذرة والسماد والتربة الصالحة والماء لتستثمر هذا القدر في صنع غذائك. وكذلك أعطاك الله عقلًا وطاقة جسدية وإرادة، وهذه عناصر مقدَّرة، لكن أنت الذي تستثمرها في صنع إنجازك وإنتاجك.

ولذلك لا يمكن للإنسان أن يتنصّل من مسؤوليته بدعوى القدر، فيقول من يرتكب معصية: "الله قدّر عليّ أن أفعل المعصية"، أو يقول من أهمل صحته فمرض: "الله قدّر عليّ أن أمرض"، أو يقول من أخفق في دراسته أو وظيفته: "الله قدّر عليّ الإخفاق". فالقدر إنما يعني أن الله أعطاك أرضية تستغلها لصالح إرادتك، فليس لك أن تتنصل من المسؤولية، ولذلك قال تبارك وتعالى:

وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ

وقال:

كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ

فأنت مرهون بعملك ومسؤول عنه، ولا مجال للتنصل بدعوى أن هذا ما أراده الله أو قدَّره، بل أنت صنعت حياتك بإرادتك واختيارك. ولذلك تأمّلوا هذه الآية:

يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ

فمن الذي يشاء؟ إنه الإنسان؛ فالله يُضِل مَن شاء الضلال ويهدي مَن شاء الهداية، والأمر راجع إلى اختيار الإنسان نفسه. وقال تعالى:

فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

فهم زاغوا أولًا ثم أزاغ الله قلوبهم، وقال:

نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ

فلا تناقض إذن بين القدر وبين إرادة الإنسان.

المحور الثاني: الجمع بين الإيمان بالقدر وحيوية الإرادة

هناك مقولتان شائعتان عند الناس ينبغي الوقوف عندهما وبيان خطئهما.

المقولتان الخاطئتان

المقولة الأولى: "لماذا أتعب نفسي والله قدّر ما قدّر؟" فتجد المريض الذي يستخدم عدة أدوية دون نتيجة يقول: لو كان الله قدّر لي الشفاء لشُفيت، فلا جدوى من الدواء أو الطبيب. وتجد الأب الذي يعاني من ولد متمرد يقول: إن كان الله يريد أن يصير ولدي إنسانًا صالحًا فسيصير، وإلا فلا فائدة من التربية والتأديب. وتجد الطالب الذي تتكرر إخفاقاته يقول: إن كان الله يريد أن أنجح سأنجح، وإلا فلا جدوى من الاجتهاد. فهذه مقولة شائعة مفادها أن كل شيء مقدّر، فلا داعي للتعب، وهي مقولة خاطئة.

المقولة الثانية: كيف نجمع بين الإيمان بالقدر وضمان النتائج؟ فالتاجر الذي يفتح شركة لا يضمن نجاحها، فقد تحدث زلازل أو أوبئة أو حروب، وما دام يؤمن بأن الله بيده الأمور، فهو لا يضمن نتائج عمله، فيعيش حالة من القلق والتوتر والإحباط الدائم. وكذلك من يعيش في بلد فيه حروب وصراعات، يشعر أنه لا يضمن حياته، وبالتالي لا يضمن عمله ولا نتيجة عمله، فيعيش القلق لأنه يؤمن بالقدر الإلهي.

هاتان المقولتان لا بد من الإجابة عنهما، والجواب أن الأسباب في عالم الكون على ثلاثة أقسام: أسباب تكوينية، وأسباب اجتماعية، وأسباب غيبية، ولكل سبب نتيجته الخاصة.

الأسباب التكوينية

هي الأسباب الفيزيائية والبيولوجية التي تؤثر أثرها شئنا أم أبينا؛ فالنار تحرق شئنا أم أبينا، ومن يشرب ماءً ملوثًا يصاب جهازه الهضمي شاء أم أبى، ومن يجرح جسده بسكين ينزف دمه شاء أم أبى. هذه أسباب تكوينية نتائجها مضمونة، فمثلًا لو مرّت صواعق محرقة على الغابات فالنتائج مضمونة لا محالة، إلا أن يشاء الله.

الأسباب الاجتماعية

هي التي ترتبط بحركة المجتمع كله وإرادته الجماعية، لا بإرادة الفرد وحده. فالمجتمع إذا أراد أن تكون له ثقافة صحية سينشئ المستشفيات ويُخرّج الأطباء، ووجود هذه الثقافة يتبع إرادة اجتماعية لا إرادة فردية.