المصطفون الأخيار: اصطفاء الله لآل إبراهيم والعلاقة النورية
اصطفاء الله لآل إبراهيم: قراءة في الآية والعلاقة النورية والشخصية الأممية
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهل بيته المنتجبين.
قال تبارك وتعالى:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ
انطلاقًا من هذه الآية المباركة، نتناول ثلاثة محاور: بيان مفردات الآية، ثم العلاقة النورية بين ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم بيان الشخصية الأممية.
المحور الأول: مفردات الآية المباركة
مفردة الاصطفاء
تحتاج هذه الآية إلى تأمل في مفرداتها، وأولها مفردة الاصطفاء. فما معنى الاصطفاء؟
للاصطفاء في القرآن الكريم درجتان ومرتبتان، تُستفادان من قوله تعالى:
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ
فمريم عليها السلام حازت درجتين من الاصطفاء:
الدرجة الأولى: الاجتباء. والمقصود به أن الاصطفاء هو تصفية الإنسان وتخليصه من الشوائب والكدورات المادية والسلوكية الملوثة، أي جعله مخلصًا لله تبارك وتعالى ومرآةً له. وهذا ما صنعه الله بالأنبياء والمرسلين، فأصبحوا مؤهلين للنبوة والإمامة والولاية. ومن مصاديق ذلك قول الرسول صلى الله عليه وآله:
رضى الله من رضى فاطمة، فاطمة بضعة مني، يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها
فالله اجتباها وخلّصها من الشوائب وجعلها وجهًا له ومرآةً له، فرضاها رضاه وغضبها غضبه.
الدرجة الثانية: التميز. أي أن الله لم يكتفِ باجتباء الشخص وإعطائه الكمال، بل جعله متميزًا وأعطاه التفوق على جميع العالمين، كما في قوله "واصطفاك على نساء العالمين". وهكذا آل إبراهيم وآل عمران ونوح وآدم، اصطفاهم الله على العالمين بهذه الدرجة الثانية.
وهذا المعنى أشارت إليه آية أخرى:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
فالكتاب هنا يعني كتاب التشريع السماوي، وجملة "فمنهم ظالم لنفسه..." مسوقة مساق التعليل، لبيان سبب اصطفاء بعض العباد دون بعض، إذ العباد على ثلاثة أقسام:
- السابق بالخيرات: كما في قوله تعالى "واستبقوا الخيرات" و"سارعوا إلى مغفرة من ربكم".
- المقتصد: وهذا ما يشير إليه قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: "الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق". فالمقتصد هو المتعلم على سبيل نجاة.
- الظالم لنفسه: وهو من ظلم نفسه لا ربه، مصداقًا لقوله تعالى "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، وذلك بترك التفقه في الدين والانغماس في أوحال المادة وشوائب الذنوب.
وبما أن العباد ثلاثة أقسام، فإن الكتاب أُعطي لخصوص القسم الأول، وهو السابق بالخيرات، فهو المصطفى المؤهل لحمل الكتاب. وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير هذه الآية: "السابق بالخيرات هو الإمام، والمقتصد هو العارف بالإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام". فالسابق بالخيرات هو المصطفى المؤهل لمنصب الإمامة ووراثة الكتاب.
مفردة آدم ونوح
هنا يُطرح السؤال: ما خصوصية آدم؟ وما خصوصية نوح؟ بأي وجه اصطفي كل منهما؟
آدم عليه السلام تميز بميزتين على جميع العالمين:
الميزة الأولى: أنه أول من فُتح به باب التوبة، وهذا الباب العظيم. قال تعالى:
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ
وقال أيضًا: "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى".
الميزة الثانية: أنه أول خليفة لله على الأرض. قال تبارك وتعالى:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً... وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا
وهنا نشير إلى معطيات علمية حول تاريخ الأرض: فمنذ تشكل الأرض قبل نحو 4.54 مليار سنة، ظهرت أول خلية أحادية منذ 4 مليارات سنة، ثم تكونت البكتيريا الزرقاء منذ 3.5 مليار سنة، ثم ظهرت أشباه القرود قبل 10 ملايين سنة، ثم وُجد "البشر" - وليس "الإنسان" - قبل نحو 1.8 مليون سنة، ويُعبَّر عنه بـ"إنسان يندرتال"، وهو بشر بصورة الإنسان لكنه غير قادر على النطق أو الإبداع أو التغيير. ثم جاء آدم قبل 300 ألف سنة، وهو أول إنسان جعله الله خليفة على الأرض، لأنه أول من امتلك القدرة على النطق والبيان، مصداقًا لقوله تعالى: "الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ".
أما نوح عليه السلام، فهو أول الخمسة من أولي العزم. فآدم لم يُعطَ شريعة، أما نوح فقد أُعطي شريعة عامة للبشرية، فهو أول رسول منح شريعة عامة، قال تعالى:
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ
مفردة آل إبراهيم وآل عمران
جاء بعد ذلك ذكر "آل إبراهيم وآل عمران"، وآل عمران هم أنفسهم من آل إبراهيم، سواء أريد بعمران أبو مريم أو أبو موسى عليهما السلام، فتناسل الأنبياء والأوصياء جميعهم من ذرية إبراهيم.
لكن لماذا نص الله على "آل عمران" تحديدًا من بين آل إبراهيم؟ أراد بذلك أن يبين أن ميزة الاصطفاء لم تُعطَ لكل آل إبراهيم، وإنما لصفوة خاصة منتجبة منتخبة منهم، كما عبّر القرآن الكريم بقوله:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
وقال في آية أخرى: "وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب".
المحور الثاني: العلاقة النورية بين ذرية إبراهيم الخليل
قال تبارك وتعالى: "ذرية بعضها من بعض". فما المقصود بهذه الفقرة؟ إن كون ذرية إبراهيم يتناسل بعضها من بعض أمر بديهي، ينطبق على كل ذرية بشرية، فلا يحتاج إلى بيان خاص. إذن، هذه الفقرة تشير إلى نوعين من العلاقة: العلاقة الوراثية والعلاقة النورية.
العلاقة الوراثية
نحن نعرف أن في كل كائن حي شفرة وراثية مكونة من الجينات، وهي حروف تختزن وتشفر المعلومات الخاصة بالكائن الحي. وكل إنسان يخضع لهذه الجينات الوراثية شاء أم أبى. بل اكتُشف في عام 2014 ما يُعبَّر عنه بـ"التغيرات فوق الجينية"، حيث تبين أن أثر الجينات أكبر مما كان يُتصور، فهي لا تؤثر فقط في لون الشعر والعينين والطول والوزن، بل حتى في طريقة اختيار الأصدقاء والاستجابة للمدارس. فالجينات الوراثية تضع بصماتها على شخصية الإنسان، وإن كانت بصمات اقتضائية لا على نحو العلة التامة.
من هنا، الذرية المؤمنة ترث الإيمان بجيناتها، والذرية المنحرفة ترث الانحراف بجيناتها. يقول الله تبارك وتعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام:
رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا
وفي المقابل، يتحدث القرآن عن إبراهيم وذريته بقوله "ذرية بعضها من بعض"، أي ورثة الإيمان وجذور النبوة والإمامة، ورثوها جيلًا عن جيل. وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله:
لم يزل الله ينقلني من أصلاب الطاهرين وأرحام المطهرات، إلى أن أخرجني إلى عالمكم هذا، لا يدنسني دنس الجاهلية
وفي زيارة الإمام الحسين عليه السلام: "أشهد أنك كنت نورًا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها".
العلاقة النورية
أما النوع الثاني، فهو العلاقة النورية، ويُشار إليها في أحاديث الأنوار، وهي موجودة عند الفريقين شيعة وسنة، وتُراجع في الكافي (كتاب الحجة، باب 168)، وفي بحار الأنوار (الجزء الخامس والعشرين)، وفي عيون أخبار الرضا (الجزء الثاني). ومن ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:
أول ما خلق الله نوري ونور علي، قبل أن يخلق الكون بألف عام
وفي زيارة الجامعة: "خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين". فهذه الأنوار تسلسلت من كابر لكابر، جيلًا بعد جيل، وهذه هي العلاقة النورية التي عبّر عنها القرآن بقوله "ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم".
لماذا اختار الله هذه الذرية؟
قد يتساءل سائل: لماذا اختار الله ذرية إبراهيم بالذات؟ ولماذا اختار من ذريته محمدًا صلى الله عليه وآله؟ ولماذا صارت الإمامة في ذرية الحسين دون أخيه؟
الجواب أن الله تبارك وتعالى علم منذ الأزل أن هذه الصفوة من البشر، حتى لو لم يمنحهم إمامة أو نبوة أو وحيًا، سيكونون أقوى الناس إرادة، وأكثرهم صبرًا وتضحية وعطاءً وفداءً للمبادئ والقيم. فوهبهم النبوة والإمامة والكمال والوحي، وجعلهم ذرية مصطفاة بعضها من بعض. قال تعالى:
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ
المحور الثالث: الشخصية الأممية
يقسّم علم النفس الاجتماعي الشخصيات البشرية إلى أربعة أقسام: المغبون، والمثير، والمؤثر، والأممي.
الصنف الأول: المغبون. هو من لا يتغير، يعيش روتينًا واحدًا كل يوم، لا يبدع ولا ينتج ولا يتطور لا في ثقافته ولا في سلوكه وعبادته. وقد قال الإمام الكاظم عليه السلام: "من تساوى يوماه فهو مغبون"، أي خاسر لأنه يخسر عمره ودقائقه وثوانيه دون تغيير.
الصنف الثاني: المثير. وهو من يمتلك سلوكًا يلفت أنظار الناس، سواء كان سلوكًا طيبًا متواضعًا مصداقًا لقوله تعالى "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، أو سلوكًا عدوانيًا استفزازيًا، كحال من "يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".
الصنف الثالث: المؤثر. وهو من لا يكتفي بالإثارة، بل يقدم للمجتمع البشري إنتاجًا فريدًا وإبداعًا متميزًا، في أي مجال من الفن أو الأدب أو الطب أو الفيزياء أو الفقه أو الأصول. وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، مصداقًا لقوله تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ". ومن أمثلة هذا الصنف أبو الطيب المتنبي في الشعر، وابن سينا في الفلسفة، وإنشتاين في الفيزياء.
الصنف الرابع: الشخصية الأممية. وهي الشخصية التي تتعدى تأثيرها الأمة الواحدة إلى الأمم كلها، وتتغنى بها جميع طبقات المجتمع - الصغير والكبير، الطفل والشاب والشيخ - كل يعرفها وينجذب إليها ويرتبط بها.
يقول القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام: "إن إبراهيم كان أمة"، فإبراهيم رأس ذرية النبوة والكتاب، وكل الديانات ترجع إليه، فهو شخصية أممية. وكذلك محمد صلى الله عليه وآله، أمة بمفرده. وكذلك علي بن أبي طالب، هذا العملاق العظيم، أمة بمفرده تغنت به كل الأمم وجميع الطبقات.
فهذا جورج جرداق، وهو مسيحي، يتحدث عنه في كتابه "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية"، وهذا بولس سلامة، وهو مسيحي أيضًا، يقول في شعره عنه:
جلجل الحق في المسيحي حتى عدَّ من فرط حبه علويّا لا تقولوا شيعة هواة علي إن في كل منصف شيعيّا أنا من يعشق الفضيلة والإيـ ـمان والعدل والخلاق الرضيّا فإذا لم يكن علي نبيًّا فلقد كان خلقه نبويّا
كيف تتحقق الشخصية الأممية؟
تتحقق الشخصية الأممية عبر الجاذبية، وهي إما جاذبية تكوينية، كما هو الحال في الكون حيث تحفظ قوة الجاذبية والمادة المعتمة توازن النجوم، وإما جاذبية فطرية طبيعية بين البشر. ولهذه الجاذبية عوامل ثلاثة:
العامل الأول: الحب. قال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً".
العامل الثاني: العطاء. فمن يحسن إلى الناس ينجذبون إليه، لأن "جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها"، مصداقًا لقوله تعالى: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ".
العامل الثالث: وهو أخفى الأعمال، أن يخلق الله بعض البشر ومعهم جاذبية فطرية كالمغناطيس. وهذا ما حظي به علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ خلقه الله وخلق له جاذبية لملايين البشر على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأمزجتهم وأديانهم وأفكارهم. يقول أبو الطيب المتنبي:
وتركتُ مدحي للوصيِّ تعمدًا إذ كان نورًا مستطيلًا شاملًا وإذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلًا
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "شيعتنا منّا، خُلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا"، وورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق".
قصة ابن السكيت
ومما يُروى في هذا المعنى، أن ابن السكيت كان معلمًا لولدي المتوكل، وكان المتوكل يُغدق عليه الأموال لأجل ذلك. فسأله يومًا: "يا ابن السكيت، أيهما أحب إليك، ولديّ أم علي بن أبي طالب؟" فأجابه: "نعل قنبر - خادم علي بن أبي طالب - أحب إليّ منك ومن ولديك". فأمر المتوكل بقطع لسانه.
فمن الذي جذب هؤلاء إلى علي بن أبي طالب؟ لم يكن ولاؤهم له ولاء مصالح أو أموال أو مناصب، بل كان ولاء مبادئ، ثابتين عليه لا يتزلزلون ولا يتراجعون، رغم المحاربة والقتل والأذى والتكذيب. فهذا حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسائر أصحاب علي والحسن والحسين، أصروا جميعًا على درب علي بن أبي طالب مهما كانت التضحيات، لأن عليًا هو الميزان، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: "علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار".
ولذلك انقسم الناس إلى فئتين: فئة مع علي والمبادئ، وفئة مع أبناء أمية وولاء المصالح والدنيا. وهذه الفئة الأولى التي كانت مع علي، هي نفسها التي وقفت مع الحسين يوم عاشوراء، وتلك الفئة التي حاربت عليًا هي التي قالت للحسين عليه السلام يوم عاشوراء: "إنما نقاتلك بغضًا لأبيك". وهذا البغض والحقد هو الذي قاد الجيش الأموي إلى إبادة عترة رسول الله وسبي حريمه.
ختام: مصيبة الطفلة رقية
يُروى أن الحسين عليه السلام كانت له طفلة صغيرة تُدعى رقية، متعلقة به، تسأل عمتها زينب دائمًا: أين أبي الحسين؟ فتجيبها العمة أن أباها سافر سفرًا طويلًا. وذات ليلة، أخبرتها أنها رأت أباها في المنام يقول لها إنه معهم لم يفارقهم، لكنها لا ترى له أثرًا ولا تسمع له صوتًا. فضمتها زينب إلى صدرها، لكن الطفلة أصرّت أن تريد رؤية وجه أبيها.
فسمع يزيد بن معاوية بأمرها، فأمر أن يُؤتى برأس أبيها الشريف ويوضع بين يديها. فرفعت المنديل عن الرأس المخضب بالدماء، فصرخت، وسقطت مغشيًا عليها، وإذا بها قد فارقت الحياة.
نسأل الله بحق هذه الطفلة الصغيرة اليتيمة المظلومة أن يغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويكفّر عنا سيئاتنا، ويتوفانا مع الأبرار، وأن يشفي مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، ويقضي حوائجنا وحوائج المؤمنين والمؤمنات، وأن يعجّل فرج وليّه وابن أوليائه، ويكتب له النصر والظفر، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه.
والفاتحة إلى أرواح أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات.
