المحاذير الثلاثة الأخيرة في معاملات الرافعة المالية
المحاذير الثلاثة الأخيرة في معاملات الرافعة المالية
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
سبق أن ذكرنا في مدخل البحث عن معاملات الرافعة المالية أن هناك عدة محاذير: محذور الربا وقد سبق الحديث عنه بطرق ثلاثة، ومحذور الجمع بين السلف والبيع وقد سبق البحث عنه، ومحذور بيع ما لا يُقبض إذا كان من المكيل أو الموزون وقد سبق الكلام فيه. ووصل الكلام الآن إلى المحاذير الثلاثة الأخيرة.
المحذور الأول: المخاطر المالية وتراكم الديون
هذا محذور مشترك بين التعامل بالعملات الافتراضية كالبيتكوين وبين المعاملة بنحو الرافعة المالية، بدعوى أن الإقدام على المعاملة بالرافعة المالية إقدام على معاملة معرَّضة للخطر المالي؛ لاحتمال استهلاك واستنزاف الرصيد المالي للمتداول في كثير من الأحيان، وهذا قد يوجب له تراكم الديون لاضطراره لترميم رصيده المالي في كل مرة باقتراضه من نفس البنك أو المنصة المُعدَّة للتعامل بالأسهم. والإقدام على معاملة معرَّضة للخطر المالي وتراكم الديون معاملة سفهية مشمولة لقوله تبارك وتعالى:
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]
الجواب عن هذا المحذور
يُجاب عن هذا المحذور بأن هناك اختلافًا في المبنى، أي في تحديد بطلان المعاملة السفهية، وذلك ضمن مسلكين:
المسلك الأول: وهو مسلك سيدنا الخوئي قدس سره، وحاصله أن الباطل هو معاملة السفيه، فالمستفاد من الآية المباركة بطلان معاملة من كان سفيهًا بغض النظر عن سنخ معاملته؛ فقد تصدر من السفيه معاملة عقلائية، لكن ظاهر الآية أن الباطل معاملة السفيه وإن كانت عقلائية، ما دام المتصدي للمعاملة سفيهًا. وبناءً على ذلك، فلا محذور في الإقدام على معاملة ذات خطر مالي إذا كان المُقدِم عليها إنسانًا عاقلًا رشيدًا وليس سفيهًا.
المسلك الثاني (وهو المختار): أن المرتكز العقلائي قائم على عدم إمضاء المعاملة السفهية، لا عدم إمضاء معاملة السفيه؛ فالسفيه لو صدرت منه معاملة على طبق الموازين العقلائية فهي معاملة ماضية عند العقلاء وليست باطلة. بل الباطل الذي لا يحميه القانون هو المعاملة السفهية، أي الخارجة عن الموازين العقلائية، لتصادمها مع الأغراض النوعية التي صمَّم العقلاء المعاملات لأجلها.
ومقتضى احتفاف الآية المباركة بهذا المرتكز العقلائي أن عنوان السفيه ملحوظ على نحو الطريقية لا الموضوعية، أي أن المنهي عنه في الواقع هو المعاملة السفهية، وإنما ذُكر السفيه كواسطة وطريق إليها؛ باعتبار أن السفيه لا يصدر منه عادة إلا المعاملات السفهية. فمصبّ النهي في الآية هو المعاملة السفهية لا معاملة السفيه، وهذا ما اخترناه في بحث المعاملات.
ويؤكد ذلك ذيل الآية:
﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]
فمن الواضح أن المضر بالقيام ليس معاملة السفيه ولو كانت عقلائية، وإنما المضرّ بقيام الأموال هو المعاملات السفهية، وهذه قرينة على أن مصبّ النهي هو المعاملة السفهية في حد ذاتها.
وبناءً على ذلك، فالمناقشة في المقام تكون في الصغرى لا في الكبرى؛ أي أن الإقدام على تحصيل الثروة عبر الروافع المالية المنشأة ضمن صناديق استثمارية مصممة من قبل البنوك أو شركات الاستثمار على ضوء دراسات اقتصادية محكمة، لا يُعدّ إقدامًا على معاملة سفهية كي يندرج تحت النهي.
المحذور الثاني: أكل المال بالباطل
إن الشركات المسيطرة على هذه المنصات قد تتلاعب بالأسعار بشكل فاحش وسريع لاقتناص الأرباح بأي وسيلة ممكنة، مما يعني أن جمع الثروات بهذه الطرق مصداق من مصاديق:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]
فتكون المعاملة بنحو الرافعة المالية مصداقًا من مصاديق أكل المال بالباطل، ولذلك تكون فاسدة.
الجواب: تحديد مفهوم الباطل في الآية
يمكن تحديد مفهوم "الباطل" في الآية المباركة ضمن ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: ما ذهب إليه سيدنا الخوئي قدس سره من أن الباطل هو ما ليس تجارة عن تراضٍ، بمقتضى قوله تعالى:
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
فمقتضى قرينة المقابلة بين عنوان الباطل والتجارة عن تراض أن المراد بالباطل ما ليس تجارة عن تراضٍ. وبناءً عليه لا ينطبق هذا الاتجاه على محل الكلام؛ لأن التجارة عن طريق الرافعة المالية تجارة عن تراضٍ، فلا تدخل تحت عنوان الباطل.
الاتجاه الثاني: أن المراد بالباطل ما كان لاغيًا شرعًا، كالقمار والربا والغرر وبيع ما لا يحل كالميتة والخمر ونحو ذلك، أي الأسباب التي حكم الشارع ببطلانها. وبناءً على هذا الاتجاه لا يمكن التمسك بالآية في المقام؛ لأنه تمسك بالدليل في الشبهة المصداقية، إذ لا يُعلم أن المعاملة بالرافعة المالية تعامل بالباطل شرعًا.
الاتجاه الثالث (وهو المختار): أن الباطل ما كان باطلًا عقلائيًا، أي بحسب المرتكزات العقلائية؛ باعتبار أن الآيات الواردة في المعاملات إنما جاءت ناظرة للمرتكزات العقلائية رفضًا أو إمضاءً. فالظاهر أن المراد بالباطل ما لا يقره القانون العقلائي ولا يرتب عليه الآثار، كبيع ما ليس ملكًا أو بيع ما لا قدرة على تسليمه وتسلُّمه.
وهذا الباطل العقلائي قد ينطبق على التعامل بالعملة الافتراضية كالبيتكوين، بدعوى أن التعامل بها لا يقره القانون العقلائي؛ لأن أغلب القوانين الرسمية ما زالت لا تحمي هذه المعاملة وليس لها غطاء قانوني، فقد يصدق عليها أنها أكل للمال بالباطل. لكنه لا ينطبق على التعامل بالرافعة المالية، فإن القانون يحميها ويرتب عليها الآثار في مقام التبادل والإرث والمحاكم ونحو ذلك.
المحذور الثالث والأخير: البعد الاقتصادي
هذا محذور ركّز عليه السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره في كتابه "اقتصادنا"، حيث ذكر أن المستفاد من مجموعة من الآيات، منها قوله تعالى:
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]
ومنها قوله تعالى:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]
أن من أهداف المشرِّع ومقاصده العليا استثمار الأموال في الأنشطة الاقتصادية التي تساهم في نمو المال، وهي الأنشطة التي تدفع بعملية الصناعة والإنتاج. أما الأنشطة التي تدور عبر الأرقام والشاشات، من دون أن يكون هناك نماء على أرض الواقع، ومن دون تحريك مصانع أو إحداث نماء حقيقي للثروة أو جهد فردي واضح، فقد تؤدي إلى هزات اقتصادية عنيفة. وبالتالي فإن المشرّع لا يرضى بفتح مثل هذا الباب؛ لأنه يؤدي إلى تراخي الناس عن الأنشطة الاقتصادية المثمرة وحصر أموالهم في الأنشطة الربحية السريعة. فنقطع بأن المشرّع لا يرضى بمثل هذه الألوان من الأنشطة الاقتصادية.
فهل يترتب على ذلك التحريم أم لا؟ وإذا ترتب، فهل هو تحريم تكليفي أم تحريم وضعي؟
معالجة هذا المحذور بثلاث طرق
الطريق الأول: الحكم الولائي في منطقة الفراغ
كما التزم به السيد الشهيد نفسه، حيث قال إن للفقيه أن يعبّئ منطقة الفراغ بالأحكام الولائية التي تصون المصالح العامة، استنادًا لولاية الفقيه الجامع للشرائط في الأمور العامة، والمقصود بالأمور العامة المصالح الضرورية للمجتمع الإسلامي. وتحديد كون هذا الأمر من موارد الولاية أم لا، أمر بيد الفقيه نفسه.
الطريق الثاني: التمسك بدليل حرمة الظلم
عندنا أدلة كثيرة في الروايات تدل على حرمة الظلم، وذلك بمقدمتين: تحديد الكبرى وتشخيص الصغرى.
المقدمة الأولى - تحديد الكبرى: الظاهر من عنوان الظلم سلب ذي الحق حقه، فلا بد أن نقرر أن هناك حقًا في رتبة سابقة كي يكون سلبه ظلمًا. والظاهر من كلمة الظلم في كلام أي متكلم أنه يريد الظلم واقعًا، أو لا أقل الظلم في نظره. لكن الأدلة الواردة في تحريم الظلم في لسان الشارع لا يراد بها ما كان ظلمًا شرعًا، وإلا لَزِمت لغوية هذه الخطابات؛ لأنه كي يكون الخطاب فاعلًا ومؤثرًا يحتاج لعدة خطابات تشرح ما هو مبرر الظلم ومقياسه بنظر الشارع. فمقتضى الإطلاق المقامي للدليل أن المراد بالظلم ما يراه المرتكز العقلائي ظلمًا، وهذا يعني أن العرف مرجع في تشخيص المصاديق.
وقد أشكل سيدنا الخوئي قدس سره في قاعدة لا ضرر وغيرها بأن غاية ما ثبت حجية نظر العرف في تحديد المفاهيم، ولم يثبت حجيته في تشخيص المصاديق. ونقول: هذه قاعدة صحيحة لا دليل على خلافها، لكن في باب الظلم، بما أن أدلة تحريم الظلم لا يراد منها الظلم الشرعي، فمقتضى الإطلاق المقامي فيها إرادة ما يراه المرتكز العقلائي ظلمًا؛ فالإطلاق المقامي لهذه الأدلة بنفسه يدل على حجية نظر العقلاء في تشخيص مصاديق الظلم، ما لم يُعلم الخلاف.
المقدمة الثانية - تشخيص الصغرى: هناك موارد حتى الفقيه يعترف فيها باختلاف نظر الشارع عن نظر العقلاء، ومنها:
-
الأرض الموات: لا تُملك إلا بالإحياء، فلو اشترى إنسان أرضًا مواتًا وصرف فيها ملايين الدولارات لم يملك شيئًا عند الفقه الإمامي، بينما لو جاء آخر وأحياها ملكها، وهذا بنظر العقلاء ظلم للأول، بينما بنظر الشارع ليس بظلم. ولهذا اختلف علماؤنا في مسألة إرث صك الأرض الموات؛ فذهب الشيخ التبريزي قدس سره إلى أن الصك نفسه يُعتبر عند العقلاء حقًا قابلًا للإرث وللخمس، بينما ذهب السيد السيستاني دام ظله إلى أن الحق العقلائي ثابت بغض النظر عن وجود صك أو سند، فهو حق عقلائي قابل للإرث ولا يجوز سلبه أو التعدي عليه.
-
حساب المواطن (كالنظام المعروف في السعودية): الأموال التي تُنزَّل في حساب الشخص من دعم الدولة، أو البدلات التي تُنزّل في حسابات الموظفين (بدل السكن، بدل المواصلات، بدل العلاج)، لا تُملك شرعًا عند سيدنا الخوئي والسيد السيستاني إلا بالقبض. فلو سحبها شخص آخر لكان ذلك ظلمًا عند العقلاء، وإن كان صاحبها لا يملكها شرعًا.
-
أكل المارّة من البساتين المفتوحة أو الواسعة: يجوز شرعًا الدخول والأكل من ثمارها والشرب من مائها والوضوء منه، مع أن العقلاء يمنعون من ذلك، وربما لا يرضى المالك بذلك. والسيد السيستاني احتاط وجوبًا بترك ذلك في فرض إحراز كراهة المالك، لكن كثيرًا من الفقهاء يجيزون ذلك مطلقًا.
الشاهد من هذه الأمثلة أن للمرتكزات العقلائية تدخلًا في تحديد مصاديق الظلم. وبناءً على الكبرى المتقدمة، فكل مورد يرى العقلاء فيه للإنسان حقًا بحيث يكون سلبه منه ظلمًا، فهو حرام شرعًا، ما لم يقم نص على خلافه، ومن هذا القبيل سلب حق البراءة أو حق الاختراع.
وقد يُقال في تطبيق هذا الدليل على محل الكلام: إن استنزاف الشركات الاستثمارية لأرصدة العملاء نتيجة دخولهم في معاملات الرافعة المالية ظلم، ومقتضى ذلك حرمته. لكن لا يبعد عدم صدق عنوان الظلم عليه لدى المرتكز العقلائي، فلا يُسلَّم شمول دليل حرمة الظلم له.
الطريق الثالث: التمسك بقاعدة لا ضرر
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ عَلَى مُؤْمِنٍ»
وذلك بناءً على نكتتين:
النكتة الأولى: شمول عنوان "لا ضرر" للضرر الاعتباري، أي أن عنوان لا ضرر لا يختص بالأضرار الحقيقية (تلف النفس أو المال أو العرض)، بل يشمل الأضرار الاعتبارية أيضًا، وهي ما يراه العقلاء ضررًا وإن لم يكن هناك نقص حقيقي. فمثلًا الركود الاقتصادي ضرر عند العقلاء، وفقدان المجتمع للموازين التي من خلالها يقتدر على الصناعة والإنتاج ضرر، وإن لم يكن ضررًا حقيقيًا بل اعتباريًا.
النكتة الثانية: شمول لا ضرر للأحكام العدمية. المشهور عند الفقهاء أن لا ضرر لا تشمل الأحكام العدمية وتختص بالأحكام الوجودية؛ باعتبار أن لسان لا ضرر لسان النفي لا لسان الإثبات، فهو ينفي الحكم الضرري لا أنه يثبت حكمًا يسد باب الضرر. لكن السيد الصدر والسيد السيستاني ذهبا إلى أن لا ضرر تشمل الأحكام العدمية أيضًا:
-
تقريب السيد الصدر: أن لا ضرر لا يُراد بها نفي الحكم الضرري، وإنما نفي الموقف الضرري. والشارع الحكيم إذا لم يشرّع قانونًا يسد باب الضرر، فعدم تشريعه يُعدّ موقفًا ضرريًا؛ فلا ضرر إذن كما تنفي أحكامًا ضررية، كذلك تُشرّع أحكامًا تسد أبواب الضرر.
-
تقريب السيد السيستاني: أن لا ضرر نافية، لكنها تنفي التسبيب، أي أن الشارع لم يتسبب بالضرر على المكلف. ومن الواضح أن الشارع الحكيم إذا كان بإمكانه تشريع قانون يسد باب الضرر، فعدم تشريعه يُعدّ بنظر العقلاء تسبيبًا منه للضرر على المؤمنين. فمقتضى نفي التسبيب في قاعدة لا ضرر أن الشارع صمّم أحكامًا تسد أبواب الضرر.
بناءً على هاتين النقطتين، يُقال إن الكساد الاقتصادي ضرر اعتباري، ولا ضرر كما تشمل الأحكام الوجودية تشمل الأحكام العدمية. إذن لو لم يشرّع المقنّن الشرعي قوانين تحرّم المعاملات التي يترتب عليها الضرر الاعتباري على المجتمع، لكان ذلك تسبيبًا للضرر أو موقفًا ضرريًا، فمقتضى لا ضرر صدور هذه القوانين، ومنها حرمة المعاملات التي يترتب عليها الضرر على المكلَّف. لكن النقاش كله يبقى في الصغرى.
والحمد لله رب العالمين، تم الكلام في الرافعة المالية، وبذلك أتممنا الكلام في هذا الشهر الكريم في هاتين المعاملتين: التعامل بالعملة الافتراضية والتعامل بالرافعة المالية، وبذلك أتممنا البحث الرمضاني إن شاء الله تعالى. ويأتي الكلام في البحث السنوي لعله في الأحد بعد القادم، إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.
