عاشوراء٦ محرم ١٤٤٨ هجريمدينة ديربورن، ولاية ميشيغان، الولايات المتحدة الأمريكية

ماهو دورنا في الحياة: العطاء أم الأخذ؟

الأخذ والعطاء: التوازن المفقود في بناء المجتمع

صلى الله وسلم عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المنتجَبين، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.

قال تعالى:

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ

هناك فرق بين شخصين: شخص دخل الحياة وهو يسأل "ماذا أستفيد؟"، وشخص دخل الحياة وهو يسأل "ماذا أُعطي وماذا أُقدّم؟". فهل قيمة الإنسان بما يأخذ أم بما يمنح ويعطي؟ وما هو المحقِّق للتوازن بين الأخذ والعطاء؟ في هذه المحاضرة نطرح مجموعة من الأسئلة للإجابة عنها.

السؤال الأول: شخصية "الأنا" أم شخصية "نحن"؟

في كل مجتمع شخصيتان: شخصية الأنا وشخصية نحن، وعلى كل إنسان أن يسأل نفسه: هل أنا أتمحور حول الأنا أم أتمركز حول نحن؟

سمات شخصية الأنا

شخصية الأنا ترى الآخرين منافسين لا شركاء، وترى أن النجاح بالتفوق على الآخرين لا بالبناء، وتحمل عقلية الندرة التي تتوهم تميزها على الجميع. هذه الشخصية ترى الحياة "كعكة" تُنهش ويُؤخذ منها ما استطاع الإنسان، سواء كانت هذه الكعكة مناصب أو ثروات أو أضواء وإعلاماً أو احتكاراً تجارياً أو معرفياً. إنها شخصية تكرّس الشَّرَه والتنافس لأخذ أكبر قدر ممكن.

وهذه الشخصية هي التي يصفها القرآن الكريم بقوله:

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ

فأنتم مشغولون بالتنافس والتكاثر، كيف أنمو، كيف أتكاثر، كيف أمتلك أكبر شيء ممكن. ويقول تعالى:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ

سمات شخصية "نحن"

أما شخصية "نحن" فتركز على الفريق والجماعة لا على الأنا، على من معي وعلى مجتمعي. هذه الشخصية لا ترى الآخرين منافسين بل امتداداً للذات وشركاء فيها، ولا ترى النجاح بالتفوق والهيمنة بل بالنتاج والأثر. إنها الشخصية التي تفكر دائماً في الهم الاجتماعي والخط العام، وهي المصداق لقوله تبارك وتعالى:

وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

وهي المصداق لقول الرسول صلى الله عليه وآله: «خير الناس من نفع الناس»، و«الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله».

فأنت، بعد هذا، ادرس نفسك: أأنت مع الأنا أم مع نحن؟ أنت أخبر بسماتك وطباعك الشخصية. هل ترى الحياة تنافساً أم ترى الحياة بناءً وتعاوناً؟

السؤال الثاني: ما منشأ كل شخصية؟

منشأ شخصية الأنا

هناك عدة دوافع طبيعية تبني شخصية الأنا:

  • خوف النقص: دائماً يخاف أن ينقص مقداره أو تنقص سمعته.
  • حب التميز: يحب أن يكون متفوقاً متميزاً.
  • الحاجة إلى الاعتراف والتقدير.

هذه الدوافع الثلاثة لا يحاربها الدين لأنها دوافع طبيعية موجودة عند كثير من الناس، وأقوى غريزة وُلد عليها الإنسان هي غريزة حب الذات، وهي غريزة متأصلة لا يمكن للإنسان أن ينفكّ عنها، وهي التي تجلب له المنافع وتدفع عنه الأضرار. وكذلك الحاجة إلى الحب والتقدير من الحاجات الأولية في هرم ماسلو.

فالدين لا يقاوم هذه الدوافع الطبيعية، إنما يقول: المهم ألا تتقوقع في ذاتك، المهم ألا يكون سلوكك نحو تضخيم الذات بل نحو البناء الفعّال.

الدافعان المشكِلان

المشكلة الحقيقية في دافعين آخرين:

الأنانية غير المهذبة: قد يولد الطفل وعنده طبع أناني مفرط، فعلى الأبوين حينها أن يتفرغا لتهذيب هذا الطبع كي لا يبقى مفرطاً.

التربية الاستهلاكية: قد يولد الطفل سليماً، لكنه يُربّى في أسرته على أن يكون مستهلكاً لا معطياً، دائماً آخذاً متكلاً على أبويه، يريد أن تُوفَّر له كل الخدمات. وهذه تربية خطرة، لأن هذا الطفل إذا كبر سيصبح إنساناً أنانياً بامتياز، لا يفكر إلا في نفسه، ويكون عبئاً على أسرته قبل مجتمعه.

من هنا ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله:

«رحم الله أبوين حملا ولدهما على برّهما، ولعن الله أبوين حملا ولدهما على عقوقهما»

فأنت الذي تربي ولدك على أن يكون إنساناً ناجحاً نافعاً بك، أو أنانياً ضاراً بك.

مناشئ شخصية "نحن" ومستويات العطاء

الصورة الأولى: العطاء جِبِلَّة

بعض الناس كرماء بالطبع، كحاتم الطائي. لكن الطبع وحده لا يبني مجتمعاً ولا يؤسس حضارة، لأنه قد يتلوث بالمصالح والضغوط فيتحول الكريم إلى بخيل.

الصورة الثانية: عطاء يتضمن أخذاً

هنا ثلاثة دوافع يتضمن العطاء فيها أخذاً:

الدافع الأول: العطاء لأجل الراحة النفسية. كثير منا مجرد أن يعطي يرتاح نفسياً. والدين لا يمنع هذه اللذة، فهي من آثار العطاء، لكن المهم ألا تكون هي الهدف والمحرك الأساس.

الدافع الثاني: العطاء بغرض السمعة وحب الظهور. والدين لا يمنع أن يظهر اسمك كمشجّع للعطاء، لا كهدف أساسي. وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله:

«ينادى المرائي يوم القيامة: يا غادر، يا فاجر، يا مرائي، ضلّ سعيك وبطل أجرك»

الدافع الثالث: طلب الأجر والمثوبة من الله. وهذا دافع عظيم مقدس، لأن طلب الأجر من الله يحرر الشخصية الإنسانية من الدوافع الفردانية. قال تعالى:

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا

الصورة الثالثة: العطاء خُلق أخلاقي

هناك من يتعلم أن العطاء خُلُق جميل ويتربى عليه، وهذه منقبة مدحها القرآن الكريم:

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ

الصورة الرابعة: العطاء مسؤولية اجتماعية

هذه هي الصورة الأهم: أن تعيش العطاء مسؤولية اجتماعية تضامنية، لا مجرد راحة نفسية أو طلباً للثواب فقط. هذا هو العطاء الواعي، وهو أرقى وأسمى درجات العطاء، وهو الذي يبني المجتمعات.

من أوضح الأمثلة على ذلك الوالدان، فلا يوجد في البشرية كلها من يقدم عطاءً بلا حدود كالأب والأم، خصوصاً الأم:

قال رجل: يا رسول الله، من أبرّ؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك

وقال تعالى:

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

وكذلك المعلم والعلماء العاملون في كل حقل، الذين يبتكرون لأجل النفع البشري لا لأجل سمعتهم، يمثلون أروع درجات العطاء الواعي. قال تعالى:

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ

وقال:

وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

السؤال الثالث: محفزات العطاء

المحفز الأول: البيئة والعقل الجمعي

إذا عشت في أسرة معطاء ستكون معطاء، وإذا عشت في مجتمع بخيل ستكون بخيلاً. العقل الجمعي يؤثر على سلوك الفرد شاء أم أبى، لذلك يقول القرآن الكريم:

وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ

أي أنشِئوا مجتمعاً معطاء، عقلاً جمعياً يحفز على العطاء.

المحفز الثاني: طلب الثواب

قال تعالى:

مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا

ومَثَل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء.

المحفز الثالث: اكتشاف المواهب والطاقات

مثال على ذلك آدم ريفكن، الذي وصفته بعض المجلات بأنه صاحب أفضل شبكة علاقات في وادي السيليكون، لا بسبب نفوذ مالي بل بسبب فلسفته الفريدة. فقد أسس شبكة رواد الأعمال، تضم تجاراً ورواد أعمال ومهندسين، تعقد لقاءات شهرية هدفها التوجيه والتدريب والعثور على وظائف وتطوير المشاريع الناشئة. وأسس ما يسمى "خدمة الخمس دقائق": أن يقدم كل واحد معلومة أو نصيحة أو مشاركة في مدة لا تتجاوز خمس دقائق، مجاناً بلا مقابل. ونجحت هذه الشبكة نجاحاً باهراً، وأثبتت أن العطاء الواعي يبني المجتمعات أفضل من مجتمعات الرأسمالية المتوحشة والتنافس الأناني الفردي.

نطالب اليوم الشباب والشابات، وهم رصيد المستقبل، أن يؤسسوا مؤسسات خيرية شبيهة، هدفها التوجيه والتدريب والعثور على وظائف وتطوير المشاريع الناشئة. عندما تعلن مثل هذه المؤسسة عن هدفها، ستلقى دعماً اجتماعياً سخياً، لأنها تكتشف مواهب أبناء المجتمع وتفتح لهم الأبواب والفرص. هذا هو المجتمع الواعي، الذي لا يكتفي بالتبرع للمأتم أو المسجد أو الفقير، بل يشجع أبناءه على المشاريع والوظائف المثمرة ويكتشف طاقاتهم ليفتح أمامها الآفاق.

السؤال الرابع: دعائم العطاء الناجح

الدعامة الأولى: العفو وتجاوز الجراح

كم من مشاريع هدمتها الخصومات والنزاعات! قال تعالى:

وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ

الدعامة الثانية: حمل الهمّ الاجتماعي

ألا تفكر فقط في لقمتك وجيبك، فالرسول صلى الله عليه وآله يقول:

«من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»

الدعامة الثالثة: ألا يكون العطاء إلغاءً للذات

الإسلام لا يريد منك أن تكون إنساناً مستنزَفاً مستهلَكاً بيد الأنانيين والمحتكرين، فتفقد دورك تدريجياً. العطاء لا يعني إلغاء الذات ولا احتقارها، بل يعني توسعة الذات. لا يريد منك الدين أن تبني غيرك وتهدم نفسك وأهلك، بل أن تكون متوازناً بين الأخذ والعطاء.

ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله:

«إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسمك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه»

وورد عن الإمام الكاظم عليه السلام:

«اجتهدوا أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله عز وجل، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يُعرِّفونكم عيوبكم ويُخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها لذّاتكم في غير محرم»

فليكن العطاء متوازناً، لا إلغاءً للذات.

كيف نبني مجتمعاً معطاء؟

الخطوة الأولى: العطاء الصادق

كثير ممن يخدم في المجالس والمآتم والمراكز الإسلامية يريد أن يكون هو الواجهة والصدارة. لكن المهم ليس أن تكون أنت البطل، بل أن ينجح المشروع. فليست المشاريع لبناء شخصك بل لبناء مجتمعك، فما المانع أن تتحول إلى الخلف وتكون جندياً مجهولاً، المهم أن تبذل وتعطي وتربّي نفسك على روح العطاء والغيرية؟ قال تعالى:

وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ

الخطوة الثانية: تربية الكوادر

هل نعطي المجال للشباب أن يتحملوا المسؤولية ونشركهم في القرارات الأساسية، أم نحتكر الإدارة والتخطيط لأنفسنا ويبقى الشباب مجرد يد عاملة منفذة؟ إنما تنتقل المسؤولية من الكبار إلى الشباب إذا احتضناهم وأشركناهم في القرار واختبرنا طاقاتهم ومواهبهم.

من هنا نستفيد من تجربة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، الذي احترم جيل الكبار كسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، وفي الوقت نفسه قدّم جيل الشباب كمالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر، وأعطاهم مسؤوليات كبرى.

الخطوة الثالثة: الإيثار والتنازل

إذا كنا مخلصين لأهدافنا سنتنازل عن مهماتنا يوماً ما، لأن المهم هو الهدف لا الشخصية. قال تعالى:

وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ

ونستفيد من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي مدحه القرآن الكريم بقوله:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ

حين نام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله فادياً له بنفسه.

الإيثار في كربلاء

وقد تجلّى الإيثار أروع تجلّ يوم كربلاء، في أنصار الحسين عليه السلام الذين تسابقوا يؤثرون الحسين على أنفسهم. أما سمعتم قول سعيد الحنفي ليلة العاشر: "يا أبا عبد الله، والله لا نخليك حتى يعلم الله أننا حفظنا غيبة رسول الله فيك، والله لو أُقتل ثم أُحيا ثم أُحرق ثم أُنشر سبعين مرة ما تخليت عن نصرتك يا أبا عبد الله، وإنها لموتة واحدة ثم الكرامة".

وحبيب بن مظاهر الأسدي، سيد الأمصار، جسّد أروع مثل للفداء، حين رأت زوجته أم القاسم في المنام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام تحمل إليه سلامها وتقول له: "أما آن أن تُخضَّب شيبتك؟". فما هي إلا ساعات حتى جاءه كتاب الحسين عليه السلام يستنجد به، فلبّى النداء ومضى إلى كربلاء ليختلط دمه بدم الحسين.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم بالزهراء وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها، اللهم فرّج عنا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات، اللهم عجّل فرج وليّك وابن أوليائك، واجعلنا من أنصاره وأعوانه والمرضيين عنده.

والفاتحة إلى أرواح أمواتكم وأموات المؤمنين والمؤمنات.