شهر صفر٦ صفر ١٤٤٧ هجريمدينة لندن، المملكة المتحدة

أجوبة على أسئلة حول المحاضرات السابقة

أجوبة على أسئلة حول المحاضرات السابقة

مدخل: التدبر أساس اتباع الأحسن

قال الله تبارك وتعالى:

فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

هذه الآية المباركة تحث على التدبر والتأمل فيما يصل إلى الإنسان من الأفكار والآراء، فاتباع الأحسن لا يكون إلا بعد التدبر والتأمل والمقارنة بين هذا الرأي وغيره من الآراء. وانطلاقاً من هذه الآية الكريمة، نجيب على مجموعة من الأسئلة التي وردت حول المحاضرات السابقة، باعتبار أن المحاضرة القادمة ستكون خاصة بتحليل تاريخ الإمام الحسن الزكي صلوات الله وسلامه عليه. وأغلب هذه الأسئلة وردت من سماحة العلامة الشيخ، أحد العلماء الأجلاء الذين ينبغي للجالية الاستفادة من علمهم وتأملاتهم الدقيقة، زاده الله توفيقاً وتسديداً.

السؤال الأول: معنى كلمة "أحد" في سورة الإخلاص

ذُكر سابقاً أن كلمة أحد تعني "من لا مثيل له"، بينما ذكر المفسرون أن "أحد" هو الواحد من دون وحدة عددية، أي الذي لا يقال له ثانٍ وثالث.

هذا صحيح، فالتفسير الذي ذُكر سابقاً كان تفسيراً باللازم وليس تفسيراً بالحقيقة. فكلمة "أحد" كما وردت في الرواية الشريفة:

الأحد الفرد المتفرد

فمعنى "أحد" في قوله تعالى "قل هو الله أحد" هو الفرد المتفرد بوحدانية ليست من قبيل الوحدة العددية، لأن الوحدة يقابلها اثنان وثلاثة، بل هو متفرد بوحدانية لا تُعدّ ولا تُحدّ؛ وجود واجبي لا محدود. ولازم هذا المعنى - أي كون الله فرداً متفرداً - أنه لا مثيل له. فعندما قلنا "الله أحد" بمعنى "لا مثيل له"، كان ذلك تفسيراً باللازم، أما المعنى الحقيقي فهو "الفرد المتفرد" الذي لا مثيل له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

أما قوله تعالى في ذيل السورة:

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ

فهذه الآية تنفي المكافئ ولا تنفي المماثل، أي لا مكافئ له تبارك وتعالى، لكن نفي المماثل تتكفل به آية أخرى وهي قوله تعالى:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

السؤال الثاني: معنى كلمة "الصمد"

ذُكر أن الصمد هو الذي لا جوف له، كما في الرواية، مع أن له معاني أخرى مثل "من يُصمد إليه بالحوائج". وهناك أشياء أخرى لا جوف لها كالموجات الضوئية، فهل هذا يعني أنها مماثلة لله؟

وردت في الروايات الشريفة تفسيرات متعددة لكلمة "الصمد". فعن الإمام الجواد عليه السلام حين سُئل: ما الصمد؟ قال عليه السلام:

السيد المصمود إليه في القليل والكثير

أي المقصود بالذات في جميع الحوائج، بينما نحن نقصد أهل البيت عليهم السلام بما هم محال معرفة الله ووسائل إليه، وليسوا المقصودين بالذات.

وورد عن الحسين بن علي عليه السلام: الصمد الذي لا جوف له. وورد عن الإمام الباقر عليه السلام: الصمد السيد المطاع. وورد عن الإمام السجاد عليه السلام: الصمد الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون.

فلا مانع أن تكون للآية الواحدة معانٍ متعددة، وهذا ما يسمى بطون القرآن، فللقرآن ظهر وبطن، وقد يكون للآية بطون متعددة، أي معانٍ عديدة في عرض واحد وسياق واحد، وإن كان لا جامع بين المعنيين بل هما في عرض واحد.

أما معنى "لا جوف له"، فليس المقصود العمق المادي فقط، بل المقصود - كما في الرواية - أن كل ما سوى الله فهو اثنان، والله هو الواحد الحقيقي. فكل ما سوى الله له وجود وماهية؛ فمحمد صلى الله عليه وآله - وهو أشرف الخلق بعد الله - له حقيقة وله وجود، وهذه الحقيقة وُجدت في عدة عوالم وآفاق. فكل مخلوق يعيش عنصرين: حقيقته ووجوده، إلا الله تبارك وتعالى فليس له باطن وظاهر، وليست له حقيقة ووجود متمايزين، بل حقيقته وجوده وليس شيئاً آخر. فعندما تقول الرواية "لا جوف له"، فمعناها أنه ليس له اثنينية كما هو في بقية المخلوقات، ولذلك حتى الموجات الضوئية لها اثنينية، أي لها حقيقة ولها وجود.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصف الله تبارك وتعالى:

الحمد لله الذي لم يسبق له حالٌ حالاً فيكون أولاً قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً، كل مُسمّى بالوحدة غيره قليل

يعني كل شيء يُسمى واحداً فيقابله اثنان، إلا الله فليست وحدته وحدة عددية، لذلك لا يقال له ثانٍ وثالث، كما ورد في القرآن الكريم أن الله كفّر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة.

السؤال الثالث: تعريف الصلاة

ذُكر أن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وهذا ليس تفسيراً دقيقاً، لأن كل العبادات صلة بين العبد وربه؛ فالصيام صلة، والحج صلة. فكيف نفسر الصلاة بتعريف ينطبق على كل العبادات؟

ذكر السيد الأستاذ المرجع الأعلى السيد السيستاني، مد ظله الشريف، في أبحاثه الأصولية أن الصلاة هي الصلة الخضوعية بين العبد وربه، وهذا تفسير أصولي دقيق. غاية ما في الأمر أن هذه الصلة الخضوعية مبرزة بأفعال معينة تختلف من عبادة إلى أخرى:

  • الحج: صلة خضوعية مبرزة بالطواف والسعي
  • الصيام: صلة خضوعية مبرزة بالإمساك عن المفطرات
  • الصلاة: صلة خضوعية مبرزة بما ورد في الرواية الشريفة: الصلاة ثلاثة أثلاث: الطهور والركوع والسجود

فالاختلاف بين العبادات ليس في الجوهر - وهو الصلة الخضوعية بين العبد وربه - بل في المبرز لهذه الصلة.

السؤال الرابع: الفرق بين العقل والقلب

ذُكر في محاضرة سابقة أن العقل وظيفته التفكير والقلب وظيفته الإذعان والتصديق، وهذا تفريق الشيخ الرئيس ابن سينا. لكن قد يُستفاد من القرآن الكريم أن العقل له درجات ومراتب، ومن درجاته ما يُعقل بالقلب، فالقلب كأنه وعاء من أوعية العقل، ومرتبة من مراتبه. ولذلك ورد في بعض الآيات:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ

فالعقل له مراتب تختلف باختلاف الإدراك:

المرتبة الأولى: التفكر، كما في قوله تعالى:

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ

المرتبة الثانية: العقل بمعنى الإمساك، فالعقل لغة مأخوذ من "عقل البعير"، أي ربطه حتى لا يتحرك يميناً ولا شمالاً. فإذا وصلت الفكرة إلى درجة الثبات التي تمنع الانحراف، سُميت عقلاً.

المرتبة الثالثة: الوصول إلى جوهر الأشياء، وهي درجة أولي الألباب، من "اللب" أي جوهر الفكرة وعمقها.

ومع ذلك، الصحيح أن العقل شيء والقلب شيء، وهما قوتان منفصلتان، والدليل على ذلك قوله تعالى:

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ

فالإنسان قد يعيش ازدواجية وصراعاً بين قوتين في داخله: قوة تقول له هذا هو الحق مئة بالمئة، وقلب لا يطاوعه. فقد جحدوا بها لا لساناً فقط بل قلباً، مع أن عقولهم وصلت إلى درجة اليقين. فهنا قوتان: قوة العقل وقوة القلب، وقد يتوافقان كما في آية "فتكون لهم قلوب يعقلون بها"، وقد يختلفان كما في قوله تعالى:

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا

السؤال الخامس: تأويل الصلاة

فُسّر التأويل بالأثر ومُثّل لذلك بقوله تعالى "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، والأولى أن يكون تأويل الصلاة هو الذكر الإلهي، لقوله تعالى "وأقم الصلاة لذكري" و"ولذكر الله أكبر".

التأويل هو الحقيقة الملكوتية للمعنى. فكل معنى له صورة وله حقيقة ملكوتية، وتلك الحقيقة هي تأويله، وقد عبّرنا عنها بـ "المغزى"، أي الحقيقة الأولى التي وراء المعنى والمضمون.

فمثلاً، الإمام أمير المؤمنين له صورة ظاهرية: وُلد من أبي طالب وفاطمة بنت أسد، وعاش ثلاثة وستين سنة، وكان عالماً شجاعاً زاهداً - هذا تفسيره. أما تأويله فهو تلك الحقيقة الملكوتية، ذلك النور الذي كان محيطاً بعرش الله تعالى، ثم تنزل في عدة تنزلات حتى وُجد على كوكب الأرض في برهة زمنية معينة.

وبناءً على ذلك، نلاحظ في قصة الخضر وموسى عليهما السلام، حين قال الخضر:

سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

أي سأنبئك بالمغزى والحقيقة التي كانت وراء تلك الأفعال - خرق السفينة، وقتل الغلام - وبيّن أن وراءها حكمة خفية تتعلق بإنقاذ السفينة من ملك غاصب، وحماية الغلامين المؤمنين من طغيان الغلام وكفره.

وكذلك في قصة يوسف عليه السلام:

وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ

أي بيان حقائقها الملكوتية، وقوله:

يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ

ويؤكد هذا المعنى ما ورد في رواية الفضيل عن الإمام الباقر عليه السلام، حين سُئل عن قوله تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً"، فقال: من حرَّق أو غرّق أي أنقذها من حريق أو غريق، فهذا معنى إحيائها. فلما سُئل: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ قال عليه السلام:

ذلك تأويلها الأعظم

فظاهر الرواية أن الإنقاذ من الضلال إلى الهدى تأويل وليس تفسيراً؛ فتفسير الآية هو الإنقاذ المادي، وتأويلها بيان المغزى العام الذي يشمل الإنقاذ المادي والروحي معاً.

أما تأويل الصلاة، فالصلاة هي الذكر القلبي، بخلاف مجرد الذكر اللساني، ومن آثار الذكر القلبي أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. فعندما نقول إن تأويلها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فذلك لأن هذا النهي من آثار الذكر القلبي الذي هو تأويل الصلاة. ويؤيد هذا ما ورد في خطبة الزهراء عليها السلام حيث تعرضت للأثر ولم تتعرض للتفسير، فقالت:

وجعل الصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والصيام تثبيتاً للإخلاص

فالتخلص من الكبر أثر من آثار الذكر القلبي، كما أن الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ملازم له، فصار ذكر الأثر تأويلاً للصلاة.

السؤال السادس: الروح المسدد والروح الموحى

ذُكر في تفسير قوله تعالى "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا" أن الروح خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل، لكن هذا يعارضه ما ورد عن الإمام علي عليه السلام في وصف الرسول صلى الله عليه وآله:

وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره

فهذه الرواية تقول إن الذي كان مع الرسول ملك من الملائكة، وإن كان أعظمهم، بينما قيل إن الروح أعظم من جبرائيل وميكائيل. فكيف نجمع بين القولين؟

الجواب: هناك فرق بين الروح المسدد والروح الموحى. الروح المسدد هو الذي كان مع الرسول منذ كان فطيماً (رضيعاً)، وهذا ما عبّرت عنه بعض الآيات بـ "روح القدس"، كما في قوله تعالى في حق عيسى ابن مريم: "وأيدناه بروح القدس".

أما الروح الموحى، فهو المذكور في قوله تعالى:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا

فهذا الروح غير الروح المسدد الذي كان معه منذ الطفولة؛ فلما أصبح رسولاً، صار عنده روح آخر موحى. وقد فسّر الإمام الصادق عليه السلام هذا الروح في رواية الفضيل بن يسار بقوله:

روحاً من أمرنا خلقٌ من خلق الله أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله يخبره، وهو مع الأمة من بعده

ولا دليل في الرواية على أنه لم يكن من الملائكة، فقد يكون ملكاً ومع ذلك أعظم من جبرائيل وميكائيل.

السؤال السابع: التمثيل ليس تفسيراً

ذُكر أن للتدبر في القرآن طرقاً ثلاثة: التفسير والتأويل والتمثيل، لكن التمثيل جزء من التفسير، فلماذا اعتُبر مقابلاً له؟

الجواب: التمثيل ليس تفسيراً بل تطبيق. فالتفسير تحديد المعنى، أما التمثيل فهو ذكر مثال أو أنموذج أو تطبيق مصداق. ولاحظوا كيف يُطلق القرآن الكريم التمثيل، كقوله تعالى:

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا

وهذا ليس تفسيراً بل مثال لقدرة الله تبارك وتعالى. وكذلك قوله تعالى:

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ

فهذا يُسمى تمثيلاً، أي تطبيق المعنى، وليس تفسيراً له.

السؤال الثامن: التفسير قد يتجاوز المعنى الظاهري

ذُكر أن الروايات تُطلق كلمة "التفسير" على ما وراء المعنى، وليس التأويل فقط. ولبيان ذلك، نذكر هذه الرواية:

دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفر الباقر عليه السلام، فقال له الإمام: يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر: بلغني أنك تفسر القرآن. فقال: نعم. فقال: بعلم تفسره أم بجهل؟ فقال: بعلم. فقال أبو جعفر: فإن كنت تفسره بعلم فأنا أسألك، فسأله عن قوله تعالى:

وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ

فقال قتادة: ذلك من خرج من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد هذا البيت (البيت الحرام)، كان آمناً حتى يرجع إلى أهله، يعني بين مكة والمدينة.

فقال أبو جعفر: نشدتك الله يا قتادة، هل تعلم أنه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال وراحلة وكراء حلال يريد البيت الحرام، فيُقطع عليه الطريق فتذهب نفقته، ويُضرب مع ذلك ضربة فيها اجتياحه؟ فكيف تقول الآية "آمنين"؟

فقال قتادة: اللهم نعم، صحيح كلامك.

فقال أبو جعفر عليه السلام: ويحك يا قتادة، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت. ويحك يا قتادة، ذلك من خرج من بيته بزاد وراحلة وكراء حلال يروم هذا البيت عارفاً بحقنا يهوى قلبه إلينا. قال الله عز وجل: "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" - يعني إلينا لا إلى البيت، وهي دعوة إبراهيم عليه السلام. فمن هوى قلبه إلينا قُبلت حجته، وإلا فلا. يا قتادة، فإذا كان كذلك كان آمناً من عذاب جهنم يوم القيامة.

فهذا الجواب الذي ذكره الإمام تفسير وليس تأويلاً، لأنه اعتمد على القرينة العقلية؛ فالعقل يرى أن التفسير الحرفي غير مطابق للواقع، فاحتاج إلى تفسير آخر، كما في قوله تعالى "يد الله فوقهم" الذي لا يمكن تفسيره بالجارحة، بل بمعنى قدرة الله.

السؤال التاسع: المرض بين فعل الله وفعل الإنسان

ذُكر أن المرض ليس من فعل الله بل من فعل الإنسان، مع أن هناك رواية عن الإمام علي عليه السلام تذكر أن المرض فعل الله، ولذلك يستحق الإنسان على الله التعويض.

وردت هذه الرواية في بحار الأنوار (ج69، ص19)، رواها السيد الرضي في نهج البلاغة، أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لبعض أصحابه في علة اعتلها:

جعل الله ما كان من شكواك حطّاً لسيئاتك، فإن المرض لا أجر فيه، ولكنه يحط السيئات حطّاً، وإنما الأجر في القول باللسان والعمل بالأيدي والأقدام، وإن الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة

وعلّق السيد الرضي رحمه الله على ذلك بقوله: صدق عليه السلام، إن المرض لا أجر فيه، لأنه ليس من قبيل ما يُستحق عليه العوض، لأن العوض يُستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد.

فالمرض لا يستند إلى الله بالمباشرة، بل له سبب مادي: وراثي، أو خطأ من الإنسان، أو تعرضه لسبب مادي، وكل مسبب مادي له سبب مادي، وهذا لا ينافي مشيئة الله عز وجل، لأنه لا يوجد شيء في الوجود إلا وهو خاضع لمشيئته تبارك وتعالى. لكن هذه المشيئة ليست بمعنى الاستناد المباشر، بل بمعنى الإذن في الحصول. فمثلاً، إذا قدّم لك أحدهم كأس عصير فيه ضرر وأنت لا تعلم، فشربته، فأُذن لك في أن تُصاب بالمرض نتيجة ذلك، لكن المرض نشأ عن سبب مادي، وإن كان بإذن الله. فمعنى "أن المرض فعل الله" هو أنه مستند إلى إذنه تعالى وليس مباشرته؛ ولأن الابتلاء مستند إلى إذنه تعالى، صار الإنسان يستحق التعويض عليه، بخلاف ما لو كان مستنداً إليه تعالى بشكل مباشر.

السؤال العاشر: عمر الإنسانية وقصة آدم

ذُكر في محاضرة سابقة أن أول إنسان عاقل كان بيننا وبينه ثلاثمائة ألف سنة، بينما تذكر الروايات أن بين آدم والنبي صلى الله عليه وآله سبعة آلاف أو خمسة آلاف سنة، فكيف نوفّق بين هذا الاختلاف؟

الجواب: أولاً، هذه الروايات ضعيفة سنداً، فلا تتنافى مع الاكتشافات الجيولوجية القائلة بأن أول إنسان عاقل كان قبل ثلاثمائة ألف سنة. ثانياً، ما ذُكر هو تحديد لـ**"الإنسان العاقل"** بصفة عامة، لا تحديد لآدم بالذات؛ فلعل أول إنسان عاقل كان قبل ثلاثمائة ألف سنة، ثم انقرضوا، ثم وُلد آدم من جديد، وكان بينه وبين النبي سبعة آلاف سنة أو أقل.

ويدعم هذا الاحتمال أن العصر الزراعي - أي منذ اكتشاف الزراعة على الأرض - يمتد لعشرة آلاف سنة تقريباً، والعصر الحضاري (الحضارة السومرية والمصرية) يمتد لخمسة آلاف سنة، فلا يُعقل أن تكون هذه المدة القصيرة هي كل عمر الإنسانية. فمن المحتمل أن الإنسان كان موجوداً قبل ثلاثمائة ألف سنة ثم انقرض، ثم وُلد آدم من جديد قبل بضعة آلاف سنة.

السؤال الأخير: معنى العقلية القيادية والإدارية للرسول والأئمة

عند التعبير عن الرسول والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين بأنهم "عقلية قيادية وإدارية"، هل يعني ذلك أن لهم اجتهاداً؟

الجواب: لا، فالرسول كما قال القرآن عنه:

وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى

فعندما نقول إن الرسول "عقلية قيادية وإدارية"، فالمعنى أنها عقلية مسددة من قبل الله بشكل مباشر. فالرسول وجه الله ومرآته في الأرض، لا يخطئ ولا ينسى ولا يغفل ولا يذنب ولا يعصي، له العصمة المطلقة صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا الأئمة المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين.

وفي تفسير قوله تعالى "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"، روى أبو حمزة عن الباقر عليه السلام، وضريس الكناسي عن الصادق عليه السلام، في قوله تعالى "كل شيء هالك إلا وجهه"، قال:

نحن الوجه الذي يُؤتى الله منه

وفي دعاء الندبة: "أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء"، فهم عليهم السلام وجه الله ومرآته، لهم العصمة المطلقة.

غاية ما في الأمر أن العصمة مرتبتان:

العصمة الكبرى: وهي العصمة الذاتية المطلقة التي وهبها الله للرسول والأئمة والصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليهم أجمعين.

العصمة الصغرى: وهي درجة من العصمة اكتسبها بعض الأولياء، مثل العباس بن علي، ومثل علي الأكبر بن الإمام الحسين عليه السلام. وقد طبّق الإمام الحسين عليه السلام آية الاصطفاء على علي الأكبر عندما خرج إلى المعركة، حيث قال:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ

فعلي الأكبر من المصطفَين، والمصطفى معصوم.

زينب عليها السلام والعصمة الصغرى

ومن الذين وصلوا إلى العصمة الصغرى زينب العقيلة عليها السلام، شريكة الحسين، بنت علي وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهما. وذلك لعاملين:

العامل الأول: كان لديها علم لدني، أي علم بدون تعلم. فقد خاطبها الإمام زين العابدين عليه السلام قائلاً:

أنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة، وفاهمة غير مفهَّمة

ومن لديه علم لدني فهو معصوم.

العامل الثاني: أن زينب عبّرت عن نفسها بأنها من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس. فلما قال لها عبيد الله بن زياد: "الحمد لله الذي فضحكم"، قالت عليها السلام:

الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه، وجعلنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً

فزينب عليها السلام هي بعد الأئمة والزهراء بلا فاصل، في العظمة والعصمة والقرب من الله صلوات الله وسلامه عليها. وقد ورثت من أمها الزهراء علماً ومعرفة وعصمة، بل زادت البنت على الأم في مواقف المحن، كما في قولها:

من دارها تُهدى إلى شر دار *** تدعو بحادي العيس دعني على جسومه أقيم لوث الإزار

ولما أُدخلت على يزيد بن معاوية، والحبل في عنقها، ورأته يستهتر برأس أخيها الحسين، قامت بكل جرأة قائلة:

أظننتَ يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء أن بك على الله كرامة وبنا عليه هواناً، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة؟ فمهلاً مهلاً، لا تطش جهلاً! أما سمعت قول الله تعالى: "ولا يحسب الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين"؟ فكِد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وإن رأيك إلا فناد، وجمعك إلا بداد، وأيامك إلا عداد

خاتمة

هذه كانت أجوبة على مجموعة من الأسئلة التي وردت حول المحاضرات السابقة. وغداً، بعد صلاة الجماعة، ستكون هناك محاضرة أخيرة تتناول تاريخ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ثم يُعقد حوار سؤال وجواب نستقبل فيه بقية الأسئلة.

وفقنا الله وإياكم لإحياء أمر أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.