هل يغنينا الذكاء الاصطناعي عن الرجوع إلى العقل وفتاوى الفقهاء؟
الذكاء الاصطناعي بين الوعي البشري والحجية الدينية
مقدمة: أسئلة الساعة
هل يمكن لنا أن نستقي معتقداتنا من الذكاء الاصطناعي؟ هل يمكن أن نستقي البراهين والأدلة على معتقداتنا في أصول الدين من الذكاء الاصطناعي، أم لا بد من الاعتماد على العقل البشري؟ هل يمكن أن يكون "شات جي بي تي" هو مرجع التقليد؟ هل يمكن الاعتماد على الروبوت في أداء الفعاليات العبادية والمعاملية التي تناط بالإنسان، كالصلاة والطواف عن العاجز، أو إجراء عقد النكاح وإيقاع الطلاق؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيق أجوبتها من خلال طرح مجموعة من الاستفهامات حول قيمة الذكاء الاصطناعي في الحقل الديني.
السؤال الأول: ما هو مستوى الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن البرامج اللغوية الضخمة، مثل نظام "شات جي بي تي"، الذي يستخدم شبكة من البيانات العملاقة المدرَّبة على معالجة البيانات وترجمتها، تماماً كالخلايا العصبية في دماغ الإنسان.
إن هذه البرامج يمكن أن تختصر عشرات السنين من البحث؛ فهي تمر على عشرات الآلاف من الكتب والمعلومات، وتستخلص المعلومة من عشرات الكتب والعبارات خلال ثوانٍ، أي أنها تختصر بحوثاً كان العقل البشري يحتاج إليها عشرات السنين. مضافاً إلى ذلك، تمتلك هذه البرامج قدرة على التحكم في الصور والأصوات بالتركيب والتفكيك، وقدرة على إنتاج الروبوت الذي يؤدي وظائف بشرية، كأن يقوم الروبوت بمقام طبيب الأشعة في تشخيص المرض والدواء.
السؤال الثاني: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً؟
هذا السؤال جوهري لأن الوعي هو موضوع القيمة العلمية وموضوع الحجية والمسؤولية أمام الله.
الرأي القائل بانتفاء الوعي
ربما يقال إن البرامج اللغوية بمثابة "ببغاوات عشوائية"؛ فالببغاء يكرر المقال من دون أن يفهمه، وبرامج مثل جوجل وشات جي بي تي تجمع بين العبارات وتعالج البيانات من دون أن تفهمها، فهي لا تمتلك وعياً. ويعزز هذا الرأي أن الوعي البشري مرتبط بالخلايا الكربونية، وهذه الخلايا لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي، بل يمتلك رقائق السيليكون التي تُضم بعضها إلى بعض ليكون قادراً على البرمجة ومعالجة البيانات، تماماً كدور الخلايا العصبية في دماغ الإنسان.
ذهب برنارد بارس، أحد أرباب علم الأعصاب المعرفي، إلى أن الذكاء الاصطناعي فاقد للوعي، لأن الوعي مرتبط بما يسمى "فضاء العمل العصبي الشامل". فهناك غرفة مركزية في الدماغ تسيطر على مجموعة من الوحدات: الوحدة البصرية، الوحدة السمعية، الوحدة الحسية الداخلية، والذاكرة، وربما يضيف بعضهم عنصر الخبرة. تفد المعلومة إلى هذا الفضاء المشترك فتصبح قابلة للمشاركة بين هذه الوحدات كلها، وتنعكس على سلوك الإنسان وقدرته على البيان الواعي. والذكاء الاصطناعي لا يمتلك هذه الغرفة المركزية، فهو فاقد للوعي.
تعليقنا: درجة من الوعي لا الوعي الإنساني
الذكاء الاصطناعي يمتلك درجة من الوعي لا يمكن إنكارها؛ فهو يمتلك قدرة على كتابة البحوث والمقالات، وبرمجة البيانات، وإنتاج الشعر، بل يقدم نصائح وإرشادات. ولعله في المستقبل القريب يمتلك القدرة على ابتكار الأفكار وتحليلها.
لكن مع ذلك كله، هو لا يمتلك الوعي الإنساني. فالوعي الإنساني عبارة عن أربع خطوات:
- التجربة الحسية: كأن ترى دماً على جسمك فيلتقط الحس البصري الصورة وينقلها إلى الدماغ.
- التجربة الوجدانية: فتنتابك حالة من القلق أو الحزن.
- التجربة المعرفية الإدراكية: فينتقل الذهن من صورة الدم إلى فهم أن هناك اعتداءً أو جرحاً، أي الانتقال من الأثر إلى المؤثر.
- التجربة الفاعلية: أن تتخذ قراراً بمعالجة الاعتداء.
هذه التجارب الأربع لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يعي أنه يعي، والذكاء الاصطناعي لا يمتلك هذا الوعي بالوعي، والإنسان قادر على أن يهيئ نفسه لسلوك موضوعي هادف، والذكاء الاصطناعي لا يقتدر على ذلك.
عدم عصمة الذكاء الاصطناعي
قد يتصور كثير من الناس أن الذكاء الاصطناعي معصوم، لكن التجربة تكشف أنه يخطئ، بل قد يصدر نتائج على ضوء بيانات ناقصة ويدعي أنها نتائج حاسمة، بل قد يخترع مصدراً لا وجود له أصلاً في المكتبة. فالذكاء الاصطناعي ليس معصوماً، كما أن الإنسان ليس معصوماً في أصول تفكيره ونتائجه.
العلم موضوع المسؤولية هو علم الإنسان
مع ذلك، فإن العلم الذي هو موضوع المسؤولية هو علم الإنسان لا علم الذكاء الاصطناعي. يقول القرآن الكريم:
اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان
فالإنسان هو المخلوق القادر على التعلم وكسب العلم وتطبيقه ونشره. ويقول تعالى:
وعلَّم آدم الأسماء كلها
فآدم أول إنسان مفكر وأول من تعلَّم. وإذا قارنّا بين آيتين نجد ما يعزز هذه الحقيقة، الآية الأولى:
ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا
والآية الثانية:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة
وعندما نقارن بين مضمون الآيتين نستنتج أن العلم الذي هو موضوع المسؤولية هو العلم الناتج عن تصرف الفؤاد في المعلومات؛ فالفؤاد هو الرئيس المتحكم في المعلومات، والعلم الناشئ عن تحكمه وسيطرته هو العلم الإنساني الذي هو موضوع المسؤولية، وهذا العلم لا يتوفر في الذكاء الاصطناعي.
السؤال الثالث: هل المجتمع يبني التكنولوجيا أم التكنولوجيا تبني المجتمع؟
يجيب عن هذا السؤال المفكر الكبير أليكس بنتلاند، صاحب كتاب "الحكمة المشتركة"، وأحد أبرز سبعة علماء بيانات على مستوى العالم، ضمن ثلاثة خطوط:
الخط الأول: الحكمة المشتركة
الإنسان على مدى التاريخ إنما تقدم ونهض وبنى حضارته بناءً على مبدأ الحكمة المشتركة، وهي ما يعبر عنه القرآن الكريم بـ"التعارف":
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا
فالتعارف يعني تلاقح التجارب البشرية؛ فالإنسان لا يعيش بدون تجارب مشتركة وتلاقي أفكار. وليس معنى التعارف أن أعرف نسبك وتعرف نسبي، بل أن تتلاقح تجاربكم وتتلاقى أفكاركم في بناء حضارتكم ومجتمعكم. وقد حافظ السكان الأصليون في أستراليا على البقاء والاستمرار لسبعة آلاف سنة اعتماداً على هذه الحكمة المشتركة، لا على أوراق علمية أو قواعد بيانات.
الخط الثاني: دور التكنولوجيا في نقل التجارب
التقدم التكنولوجي ساهم بلا إشكال في نقل التجارب البشرية وتوسيع مداها حتى وصلت إلى جمعيات علمية كالجمعية الملكية البريطانية، وساهم في استفادة إنسان الصين من إنسان أوروبا، وإنسان الشرق من إنسان الغرب، نظير مساهمة برامج الملاحة وأنظمة حجز الرحلات وطرق البحث عن المعلومة في الإنترنت. لكن "شات جي بي تي" إنما تكون له فاعلية ثقافية على ضوء من صممه، وعلى أي ميزان يمشي.
فنحن بين طريقين:
- الطريق الأول: أن نستخدم الأدوات الرقمية لتقوية الروابط البشرية ونشر الحكمة المشتركة، وهذا يسهم في نهوض البشرية وتقدمها.
- الطريق الثاني: أن تكون السيطرة والمركزية للروبوت والذكاء الاصطناعي، وهذا يسهم في هدم النسيج الاجتماعي وعزل الأفراد عن بعضهم والقضاء على البنى المجتمعية.
فالخطر ليس في تقدم الذكاء الاصطناعي، بل في عزل الإنسان عن التفكير واتكائه واعتماده الكلي على الذكاء الاصطناعي؛ هنا مكمن الخطر والمخاوف المستقبلية.
الخط الثالث: الانتقال من المركزية إلى اللامركزية
طريق الخلاص من هذه المخاوف هو الانتقال من المركزية إلى اللامركزية؛ فإذا جعلنا المركزية للشركات العملاقة العابرة للقارات، فسيتحكم عدد محدود من البشر في مصير البشرية كلها عبر أنظمة مصممة في كل مجال، وهنا مكمن الكارثة. بخلاف ما إذا جعلنا المسألة لا مركزية، بحيث تتناقل المجتمعات البشرية بينها الحكمة المشتركة والتجارب المتلاقحة، ويكون الذكاء الاصطناعي مجرد مسارات تقنية وقواعد بيانات تشرف على هذه العملية التداولية للأفكار والتجارب.
السؤال الرابع: هل يمكن استقاء معتقدات أصول الدين من الذكاء الاصطناعي؟
هل يمكن أن نستقي معتقداتنا في أصول الدين الخمسة - التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ولوازمها - من الذكاء الاصطناعي، أم نعتمد على العقل البشري الذي هو الحجة التي احتججنا بها طوال هذه السنين؟
تصنيف المعتقدات
المعتقدات تنقسم إلى قسمين:
- قسم يُطلب فيه اليقين ابتداءً، وهو أصول الدين الخمسة، فيجب طلب اليقين بها أو الاطمئنان الناشئ عن مناشئ عقلائية.
- قسم لا يجب طلبه ابتداءً، لكن إذا قام دليل معتبر عليه جاز التدين به، كتفاصيل الرجعة التي نقرأ عنها في الزيارات: "مقر برجعتكم مرتقب لدولتكم"، فهذه التفاصيل ليست من الأصول، فلا يجب طلب اليقين بها.
الذكاء الاصطناعي "معقِّل" لا "عاقل"
الذكاء الاصطناعي لا يوفر لك اليقين ولا الاطمئنان؛ إنما يعرض عليك الأدلة والبراهين كعملية إعادة تدوير؛ فكما تأخذ المكينة الورق وتقسمه ثم تعيد تدويره، فإن هذه البراهين موجودة في الكتب صاغها العقل البشري، والذكاء الاصطناعي يقوم بإعادة تدويرها فحسب. فإن حصل لك اليقين أو الاطمئنان من عرضه، فالحجة عليك هو يقينك واطمئنانك أنت، لا العملية التي قام بها الذكاء الاصطناعي.
ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام:
إن لله حجتين: حجة ظاهرة وهي الرسل والأنبياء والأئمة، وحجة باطنة وهي العقول
ويقول القرآن الكريم:
أفلا يتدبرون... أفلا يعقلون... لعلهم يتفكرون... الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار
فالحجة عليك هو عقلك. وأما في القسم الثاني من المعتقدات، فإن عرض عليك الذكاء الاصطناعي دليلاً معتبراً وبحثت فوجدته معتبراً، جاز لك التدين به، فالحجة عليك بحثك أنت لا الذكاء الاصطناعي.
بعبارة أخرى: الذكاء الاصطناعي "معقَّل" وليس "عاقلاً"؛ فهو يعرض على العقل الأدلة والبراهين والأمر بيدك، وليس هو العاقل الذي يدرك الواقع ويفهمه ويقرر النتائج على أساس هذا الفهم.
السؤال الخامس: هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي مرجع التقليد؟
هذا محل الابتلاء؛ فكثير من الناس يتساءلون: لماذا أرجع إلى الفقيه في قم أو النجف وأنتظر شهراً حتى يصلني الجواب، بينما الذكاء الاصطناعي أمامي يعطيني الجواب خلال ثانية واحدة؟ فلماذا لا يكون الذكاء الاصطناعي هو مرجع الشيعة؟
أركان الاستنباط الثلاثة
عملية الاستنباط ليست خوارزميات يمكن برمجتها؛ إنها عملية معقدة جداً تحتاج إلى ثلاثة أركان:
الركن الأول: الذوق العرفي الفقيه يستنبط الحكم من الكتاب الكريم والسنة النبوية والمعصومية، واستنباط الحكم من هذه الأدلة يحتاج إلى ذوق عربي، وتحصيل هذا الذوق يحتاج إلى تجربة تواصلية مع المجتمع العربي، تُكسب الفقيه القدرة على فهم الألفاظ ومقارنتها. والمسألة ليست معادلة رياضية، بل تحتاج إلى الإحاطة بالقرائن الحافة بالنص - المقالية والزمانية والارتكازية العقلائية العامة - وهذا ما يساعد الفقيه على فهم النص.
الركن الثاني: الخبرة هل تقوم المكتبة الطبية مقام الطبيب؟ هل يقوم الروبوت مقام الطبيب؟ إن الطبيب يمتلك خبرة ميدانية تراكمت عبر عشرات السنين من معالجة المرضى، وهذه الخبرة هي التي تجعله حاذقاً ماهراً قادراً على التشخيص. ونفس الأمر في الفقيه؛ فليس كل مجتهد يجوز تقليده، لأن المجتهد شيء والخبير بالفقه شيء آخر. ومرجع التقليد يحتاج إلى خبرة ثلاثين أو أربعين سنة من الخوض في أبواب الفقه، والاطلاع على علم الكلام والروايات والآيات، وهذه الخبرة لا يمتلكها الذكاء الاصطناعي.
الركن الثالث: الورع في مقام الإفتاء هذه ليست معادلة رياضية؛ فعندما يريد الفقيه أن يستنبط الفتوى، يأخذه الخوف من الله، فيلاحظ هل تحدث هذه الفتوى مفسدة للمجتمع الإيماني، وهل تصطدم مع قواعد أخرى، وهل تصنع حرجاً أو ضرراً على المؤمنين. كل هذه الجهات لا بد أن يلاحظها في مقام الإفتاء.
مصدر الفتوى: الإنسان العادل الفقيه
بما أن هذه الأركان لا تتوفر للذكاء الاصطناعي، فقد قام المرتكز المتشرعي على أن مصدر الفتوى، ومن تكون فتواه حجة، هو الإنسان العاقل الفقيه العادل الإمامي. وهذا ما ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه
السؤال السادس: هل يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تشخيص الموضوعات؟
هناك فرق بين الحكم والموضوع؛ فمصدر الحكم هو الفقيه، أما مصدر تشخيص الموضوع فهو المكلَّف نفسه. فالقبلة، من يحددها؟ أنت. الفقيه يقول لك صلِّ إلى القبلة، وأما تحديدها فوظيفتك. ومن يحدد الوقت؟ أنت. الهلال ودخوله وعدم دخوله؟ أنت. البصمة الوراثية ونتائج فحص الحمض النووي؟ أنت. تحديد المواقع وحدود مكة والمدينة وعرفات؟ هذه كلها تشخيص موضوع، والمرجع فيها المكلَّف.
حجية الاطمئنان في تشخيص الموضوعات
كيف يشخص المكلف هذه الموضوعات؟ الحجة في تشخيص الموضوعات هي الاطمئنان الناشئ عن مناشئ عقلائية. فإذا حصل لك اطمئنان بالقبلة ناشئ عن مناشئ يعتد بها العقلاء، فهذا الاطمئنان حجة عليك.
من هنا يقول كثير من فقهائنا، منهم السيد السيستاني، إنه إذا شهد الفلكيون بأن الهلال تولّد بدرجة يمكن رؤيته - وإن كنا لا نستطيع رؤيته فعلاً بسبب عارض ما - وحصل لك الاطمئنان من كلامهم، فهذا الاطمئنان هو الحجة عليك، لا كلام الفلكيين بذاته.
وبناءً على هذا، كما تعتمد على الأجهزة الطبية والحسابات الفلكية لتحصيل الاطمئنان، يمكن أن تعتمد على الاطمئنان الحاصل من تشخيص الذكاء الاصطناعي للموضوع، سواء كان قبلة أو وقتاً أو بصمة وراثية أو غير ذلك.
السؤال السابع: هل يمكن أن يتسنم الذكاء الاصطناعي منصب القضاء؟
القضاء
هل يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي هو القاضي الذي يطبق القانون ويفصل الخصومات؟ يقول الإمام الصادق عليه السلام:
ولكن انظروا إلى رجل منكم ممن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً
فالحاكم أو القاضي هو رجل ذو فقاهة وعدالة، وبما أن العدالة والفقاهة حقائق وجودية قائمة بالإنسان لا بالأجهزة ولا بالبرامج اللغوية، فليس الذكاء الاصطناعي مؤهلاً لتسنم منصب القضاء، ولا الولاية، ولا السفارة.
النبوة والإمامة والسفارة شؤون إنسانية
لذلك نرى أن الأنبياء بشر، وأوصياء الأنبياء بشر، ولم يجعل الله النبوة أو الإمامة لا في الملائكة ولا في الجن، مع أن الجن مخلوق موجود، ومع أن الملائكة أطهر المخلوقات. فالنبوة والإمامة والوصاية والسفارة من شؤون الإنسان.
قصة مسلم بن عقيل: نموذج السفير الإنساني
حتى السفراء الذين يجعلهم الإمام المعصوم سفراء عنه هم من سنخ البشر؛ يختار الإمام إنساناً عادلاً متقياً ثقة. وهنا تأتينا سيرة سفير الحسين، مسلم بن عقيل، إنسان تقي عادل، يمتلك درجة عظيمة من قوة الإرادة والصبر والتجلد والانصهار بالمبادئ والقيم، والفداء والتضحية للأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.
كتب الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة:
أما بعد، فإني قد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل
فوفد مسلم إلى الكوفة، وبايعه ثمانية عشر ألفاً كما يروي المؤرخون. ثم لما أقبل عبيد الله بن زياد واستولى على الكوفة وتعامل مع أهلها بالحديد والنار، تخاذل الناس عن مسلم وتخلوا عن نصرته، فأُفرد وحيداً غريباً يبحث عن مأوى في أزقة الكوفة، حتى أمضّه العطش والظمأ.
وقف على باب امرأة مؤمنة يقال لها طوعة، وطلب شربة من الماء. فلما عرفت أنه مسلم بن عقيل ابن عم أمير المؤمنين، رحّبت به وأدخلته دارها. لكن ابنها، وكان من جماعة عبيد الله بن زياد، رآها تكثر الدخول على تلك الغرفة، فأخذ منها العهود ثم أخبر ابن زياد بمكانه.
فلما طلع الصباح، وبينما كان مسلم يؤدي صلاة الفجر، إذا بالحامية تحيط بالدار من كل جانب. فرغ من صلاته، وربط الحزام على بطنه، واستل سيفه، وخرج لقتالهم قائلاً:
أقسمت لا أُقتل إلا حراً، وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
فقاتلهم حتى شخبت منه الدماء وضعفت قواه، ثم عرضوا عليه الأمان فقال: "لا أمان لكم يا أهل الكوفة، غدرتم بي ونقضتم بيعتي". حتى أُخذ أسيراً إلى عبيد الله بن زياد، فلم يسلم عليه بالإمارة، وقال: "والله ما هو لي بأمير، أميري الحسين".
فأمر ابن زياد بضرب عنقه. فطلب مسلم أن يصلي ركعتين قبل قتله، فأُذن له، فصلى، ثم توجه نحو المدينة قائلاً:
السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، السلام عليك يا غريب كربلاء، إن القوم عازمون على قتلي، فإن وصلك صوتي فلا تُقدم عليهم
فضُرب بالسيف ورمي بجثته من أعلى القصر. ولما وصل الصوت إلى الحسين عليه السلام، طلب ابنة مسلم الصغيرة حميدة، وأخذها في حجره، فسألته: "يا خالي، ما لك تمسح على رأسي كما تمسح على رؤوس اليتامى؟ هل أصبحت يتيمة؟" فقال لها الحسين: "أنا أبوك يا بنية حميدة، لقد قُتل أبوك مسلم".
خاتمة
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، اللهم بحق غريب الكوفة مسلم بن عقيل، اللهم بحق باب الحوائج مسلم بن عقيل، اللهم اقضِ حوائجنا، اللهم فرّج عن المؤمنين والمؤمنات، اللهم اشفِ مرضاهم وارحم شهداءهم، اللهم عجّل فرج وليك وابن أوليائك، واكتب له الفرج والظفر والنصر، واجعلنا من أنصاره وأعوانه.
وإلى أرواح أموات المؤمنين والمؤمنات وأمواتكم الفاتحة.
